المنطق
نفس المحكيين في واقعهم. وما سر ذلك إلا التخييل والتصوير في المحاكاة. وعلى هذا كلما كان التصوير دقيقا معبرا كان أبلغ أثرا في النفس. ومن هنا كانت السينما من أعظم المؤثرات على النفوس وهو سر نجاحها وإقبال الجمهور عليها لدقة تعبيرها وبراعة تمثيلها عن دقائق الأشياء التي يراد حكايتها. والخلاصة: أن تأثير الشعر في النفوس من هذا الباب لأنه بتصويره يثير الإعجاب والاستغراب والتخييل فتلتذ به النفس وتتأثر به حسبما يقتضيه من التأثير. ولذا قالوا : إن الشاعر كالمصور الفنان الذي يرسم بريشته الصور المعبرة. وحق أن نقول حينئذ أن الشعر من الفنون الجميلة الغرض منه تصوير المعاني المراد التعبير عنها ليكون مؤثرا في مشاعر الناس ولكنه تصوير بالألفاظ. بماذا يكون الشعر شعرا: إذا عرفت ما تقدم فلنعد إلى السؤال الثاني فنقول : بماذا يكون الشعر شعرا أي مخيلا؟ والجواب: أن التصوير في الشعر كما ألمعنا إليه في التمهيد يحصل بثلاثة أشياء: ۱ (الوزن) فإن لكل وزن شأنا في التعبير عن حال من أحوال النفس ومحاكاته له ولهذا السبب يوجب انفعالا في النفس فمثلا بعض الأوزان يوجب الطيش والخفة وبعضها يقتضي الوقار والهدوء وبعضها يناسب الحزن والشجى وبعضها يناسب الفرح والسرور.
أنا في التعبير عن حال من أحوال النفس ومحاكاته له ولهذا السبب يوجب انفعالا في النفس فمثلا بعض الأوزان يوجب الطيش والخفة وبعضها يقتضي الوقار والهدوء وبعضها يناسب الحزن والشجى وبعضها يناسب الفرح والسرور. فالوزن – على كل حال بحسب ما له من إيقاعات موسيقية يثير التخيل واللذة في النفوس. وهذا أمر غريزي في الإنسان. وإذا أدى الوزن بلحن ونغمة تناسبه مع صوت جميل كان أكثر إيقاعا وأشد تأثيرا في النفس لا سيما أن لكل نغمة صوتية أيضا تعبيرا عن حال: فالنغمة الغليظة مثلا تعبر عن الغضب والنغمة الرقيقة عن السرور وهيجان الشوق والنغمة الشجية عن الحزن. فإذا انضمت النغمة إلى الوزن تضاعف أثر الشعر في التخييل ولذلك تجد الاختلاف الكثير في تأثير الشعر باختلاف إنشاده بلحن وبغير لحن وباختلاف طرق الألحان وطرق الإنشاد حتى قد يبلغ إلى درجة النشوة والطرب فيثير عاطفة عنيفة عاصفة. ٢ المسموع من القول يعني الألفاظ نفسها فإن لكل حرف أيضا نغمة وتعبيرا عن حال كما أن تراكيبها لها ذلك الاختلاف في التعبير عن أحوال النفس والاختلاف في التأثير فيها فهناك مثلا ألفاظ عذبة رقيقة وألفاظ غليظة ثقيلة على السمع وألفاظ متوسطة. ثم إن للفظ المسموع أيضا تأثيرا في التخييل أما من جهة جوهره كأن يكون فصيحا جزلا أو من جهة حيلة بتركيبه كما في أنواع البديع المذكورة في علمه وكالتشبيه والاستعارة والتورية ونحوها المذكورة في علم البيان. نفس الكلام المخيل أي معاني الكلام المفيدة للتخييل وهي القضايا المخيلات التي هي العمدة في قوام الشعر ومادته التي يتألف منها. وإذا اجتمعت هذه العناصر الثلاثة كان الشعر كاملا وحق أن يسمى (الشعر التام). وبها يتفاضل الشعراء وتسمو قيمته إلى أعلى المراتب أو تهبط إلى الحضيض.
لات التي هي العمدة في قوام الشعر ومادته التي يتألف منها. وإذا اجتمعت هذه العناصر الثلاثة كان الشعر كاملا وحق أن يسمى (الشعر التام). وبها يتفاضل الشعراء وتسمو قيمته إلى أعلى المراتب أو تهبط إلى الحضيض. وبها تختلف رتب الشعراء وتعلو وتنزل درجاتهم فشاعر يجري ولا يجري معه فيستطيع أن يتصرف في النفوس حتى يكاد تكون له منزلة الأنبياء من ناحية التأثير على الجماهير وشاعر لا يستحق إلا أن تصفعه وتحقره حتى يكاد يكون أضحوكة للمسهزئين وبينهما درجات لا تحصى. أكذبه أعذبه: من المشهورات عند شعراء اللغة العربية قولهم: الشعر أكذبه أعذبه) وقد استخف بعض الأدباء المحدثين بهذا القول ذهابا إلى أن الكذب من أقبح الأشياء فكيف يكون مستملحا، مضافا إلى أن القيمة للشعر إنما هي بالتصور المؤثر فإذا كان كاذبا فليس في الكذب تصوير لواقع الشيء. وهذا النقد حق لو كان المراد من الشعر الكاذب مجرد الإخبار عن الواقع كذبا. غير أن مثل هذا الإخبار كما تقدم - ليس من الشعر في شيء وإن كان صادقا. وإنما الشعر بالتصوير والتخييل. ولكن يجب أن نفهم أن تصوير الواقع تارة يكون بما له من الحقيقة الواقعة بلا تحوير ولا إضافة شيء على صورته ولا مبالغة فيه أو حيلة في تمثيله. ومثل هذا يكون ضعيف التأثير على النفس ولا يوجب الالتذاذ المطلوب. وتارة أخرى يكون بصورة تخييلية - على ما نوضحه فيما بعد بأن تكون کالرتوش التي تصنع للصورة الفوتوغرافية إما بتحسين أو بتقبيح مع أن الواقع من ملامح ذي الصورة محفوظ فيها أو كالصورة الكاريكاتورية التي تحكي صورة الشخص بملامحه المميزة له مع ما يفيض عليها المصور من خياله من تحريفات للتعبير عن بعض أخلاقه أو حالاته أو أفكاره أو نحو ذلك. فهذا التعبير أو التصوير من جهة صادق ومن جهة أخرى كاذب ولكنه في عين كونه كاذبا هو صادق. وهذا من العجيب. ولكن معناه أن المراد الجدي أي المقصود بيانه واقعا وجدا - من هذا التخييل صادق في حين أن نفس التخييل الذي ينبغي أن نسميه المراد الاستعمالي كاذب. وليتضح لك هذا المعنى تأمل نظيره في تصويره الصورة الكاريكاتورية فإن المصور قد يضفي على الصورة ما يدل على الغضب أو الكبرياء من ملامح تخيلها المصور وليست هي حقيقية لصاحب الصورة بالشكل الذي تخيله المصور وهي مراد استعمالي كاذب. أما المراد الجدي وهو بيان أن الشخص غضوب أو متكبر فإن التعبير عنه يكون صادقا لو كان الشخص واقعا كذلك أي غضوبا أو متكبرا. فإذن، إنما التخييل الكاذب وقع في المراد الاستعمالي لا الجدي. وكذلك نقول في الشعر ولا سيما أن أكثر ما يأتي فيه التخييل بالمبالغات كالمبالغة بالمدح أو الذم أو التحسين أو التقبيح ؛ والمبالغة ليست كذبا في المراد الجدي إذا كان واقعه كذلك ولكنها كاذبة في المراد الاستعمالي. وليس هذا من الكذب القبيح المذموم ما دام هو ليس مرادا جديا يراد الإخبار عنه حقيقة. مثلا قد يشبه الشعراء الخصر الدقيق بالشعرة الدقيقة فهذا تصوير لدقة الخصر. فإن أريد به الإخبار حقيقة وجدا عن أن الخصر دقيق كالشعرة أي أن المراد الجدي هو ذلك فهو كذب باطل وسخيف وليس فيه أي تأثير على النفس ولا تخييل فلا يعد شعرا. ولكن في الحقيقة أن المراد الجدي منه إعطاء صورة للخصر الدقيق لبيان أن حسنه في دقته يتجاوز الحد المألوف في الناس وإنما يكون هذا كاذبا إذا كان الخصر غير دقيق لأن الواقع يخالف المراد الجدي. أما المراد الاستعمالي وهو التشبيه بالشعرة فهو كاذب ولا ضير فيه ولا قبح ما دام المراد به التوصل إلى التعبير عن ذلك المراد الجدي بهذه الصورة الخيالية. وبمثل هذا يكون التعبير مستغربا وصورة خيالية قد تشبه المحال فتجلب الانتباه وتثير الانفعال لغرابتها. وكلما كانت الصورة الخيالية غريبة بعيدة تكون أكثر أثرا في التذاذ النفس وإعجابها. ولذا نقول أن الشعر كلما كان مغرقا في الكذب في المراد الاستعمالي بذلك المعنى من الكذب كان أكثر عذوبة وهذا معنى (أكذبه أعذبه لا كما ظنه بعض من لا قدم له ثابتة في المعرفة. على أن التخييل وإن كان حقيقة أي في مراده الجدي أيضا فإنه يأخذ أثره من النفس كما سنوضحه في البحث الآتي: القضايا المخيلات وتأثيرها : ونزيد على ما تقدم فنقول: إن المخيلات ليس تأثيرها في النفس من أجل أنها تتضمن حقيقة يعتقد بها بل حتى لو علم بكذبها فإن لها ذلك التأثير المنتظر منها لأنه ما دام أن القصد منها هو التأثير على النفوس في إحساساتها وانفعالاتها فلا يهم ألا تكون صادقة إذ ليس الغرض منها الاعتقاد والتصديق بها.
يعتقد بها بل حتى لو علم بكذبها فإن لها ذلك التأثير المنتظر منها لأنه ما دام أن القصد منها هو التأثير على النفوس في إحساساتها وانفعالاتها فلا يهم ألا تكون صادقة إذ ليس الغرض منها الاعتقاد والتصديق بها. والجمهور والنفوس غير المهذبة تتأثر بالمخيلات أكثر من تأثرها بالحقائق العلمية لأن الجمهور أو الفرد غير المهذب عاطفي أكثر من أن يكون متبصرا وهو أطوع للتخييل من الإقناع. ألا ترى أن الكلام المخيل الشعري قد يحبب أمرا مبغوضا للنفس وقد يبغض شيئا محبوبا لها. واعتبر ذلك في اشمئزاز بعض الناس من أكلة لذيذة قد أقبل على أكلها فقيل له: أنه وقع فيها بعض ما تعافه النفس كالخنفساء مثلا أو شبهت له ببعض المهوعات. فإن الخيال حينئذ قد يتمكن منه فيعافها حتى لو علم بكذب ما قيل. ولا تنس القصة المشهورة لملك الحيرة النعمان بن المنذر مع نديمه الربيع وقد كان يأكل معه فجاءه لبيد الشاعر وهو غلام مع قومه للانتقام من الربيع في قصة مشهورة في مجامع الأمثال فقال لبيد مخاطبا للنعمان: مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه * * أن أسته من برص ملمعه وأنه يدخل فيها إصبعه * * يدخلها حتى يواري أشجعه فرفع النعمان يده من الطعام وتنكر لنديمه هذا وأبى أن يستكشف صدق هذا القول فيه بالرغم على الحاجة وقال له ما ذهب مثلا من أبيات: قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا * * فما اعتذارك من قول إذا قيلا واعتبر ذلك أيضا في تصوير الإنسان بهذه الصورة اللفظية البشعة (أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة. وهو ما بين ذلك يحمل العذرة). فإن هذه صورة حقيقية للإنسان ولكنها ليست كل ما له من صور وللنفس على كل حال محاسنها التي ينبغي أن يعجب بها لا سيما من صاحبها وإعجاب المرء بنفسه وحبه لها أساس حياته كلها. ولكن مثل ذلك التصوير البشع يأخذ من النفس أثره من التنفر والاشمئزاز حتى لو كان أبعد شيء في التأثير في التصديق والاعتقاد بحقارة النفس. وسبب هذا التأثر النفسي هو التخييل الذي قد يقلع المتكبر عن غطرسته ويخفف من إعجابه بنفسه. وهذا هو المقصود من مثل هذه الكلمة. واعتبر أيضا بالشعر العربي فكم رفع وضيعا أو وضع رفيعا وكم أثار الحروب وأورى الأحقاد . وكم قرب بين المتباعدين وآخي بين المتعادين. ورب بيت صار سبة لعشيرة * * وآخر صار مفخرة لقوم على أن كل ذلك لم يغير واقعا ولا اعتقادا ومرد ذلك كله إلى الانفعالات النفسية وحدها وقد قلنا أنها أعظم تأثيرا على الجمهور الذي هو عاطفي بطبعه وعلى الأفراد غير المهذبة التي تتغلب عليها العاطفة أكثر من التبصر. والخلاصة: أن التصوير والتخييل مؤثر في النفس وإن كان كاذبا بل سبق والتذاذها. وقد كلما كانت الصورة أبعد وأغرب كانت أبلغ أثرا في إعجاب النفس وأحسن مثال لذلك قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والقصص في الأدب الحديث. والسبب الحقيقي لانفعال النفس بالقضايا المخيلات الاستغراب الذي يحصل لها بتخييلها على ما أشرنا إليه فيما تقدم.
أثرا في إعجاب النفس وأحسن مثال لذلك قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والقصص في الأدب الحديث. والسبب الحقيقي لانفعال النفس بالقضايا المخيلات الاستغراب الذي يحصل لها بتخييلها على ما أشرنا إليه فيما تقدم. ألا ترى أن المضحكات والنوادر عند أول سماعها تأخذ أثرها في النفس من ناحية اللذة والانبساط أكثر مما لو تكررت وألفت الآذان سماعها. بل قد تفقد مزيتها وتصبح تافهة باهتة لا تهتز النفس لها بل قد يؤثر تكرارها الملل والاشمئزاز . واذا قيل في بعض الشعر أنه هو المسك ما كررته يتضوع فهو من مبالغات الشعراء. وإذا صح ذلك فيمكن ذلك لأحد وجهين: (الأول) أن يكون فيه من المزايا والنكات ما لا يتضح لأول مرة أو لا يتمثل للنفس جيدا فإذا تكررت قراءته استمرى أكثر وانكشفت مزاياه بصورة أجلى فتتجدد قيمته بنظر المستمع. (الثاني) أن عذوبة اللفظ وجزالته لا تفقد مزيتها بالتكرار وليست كالتخييل. هل هناك قاعدة للقضايا المخيلات؟ قد تقدم أن قوام الشعر بثلاثة أمور : الوزن والألفاظ والمعاني المخيلة فلابد لمن يريد أن يتقن صناعة الشعر من الرجوع إلى القواعد التي تضبط هذه الأمور فنقول: أما الوزن والألفاظ فلها قواعد مضبوطة في فنون معروفة يمكن الرجوع إليها وليس في علم المنطق موضع ذكرها لأن المنطق إنما يهمه النظر في الشعر من ناحية تخييلية فقط. وأما الوزن) من ناحية ماهيته فإنما يبحث عنه في علم الموسيقى. ومن ناحية استعماله وكيفيته فيبحث عنه في علم العروض.
وليس في علم المنطق موضع ذكرها لأن المنطق إنما يهمه النظر في الشعر من ناحية تخييلية فقط. وأما الوزن) من ناحية ماهيته فإنما يبحث عنه في علم الموسيقى. ومن ناحية استعماله وكيفيته فيبحث عنه في علم العروض. وأما (الألفاظ) فهي من شأن علوم اللغة وعلوم البلاغة والبديع. وعلى هذا فلابد للشاعر من معرفة كافية بهذه الفنون أما بالسليقة أو بالتعلم والممارسة مع ذوق يستطيع به أن يدرك جزالة اللفظ وفصاحته ويفرق بين الألفاظ من ناحية عذوبتها وسلاستها. والناس تتفاوت تفاوتا عظيما في أذواقها وإن كان لكل أمة ولكل أهل لغة ذوق عام مشترك. وللممارسة وقراءة الشعر الكثير الأثر الكبير في تنمية الذوق وصقله. أما القضايا المخيلات) فليس لها قاعدة مضبوطة يمكن تحريرها والرجوع إليها لأنها ليست من قبيل القضايا المشهورات والمظنونات يمكن حصرها وبيان أنواعها إذ القضايا المخيلات كما سبق كلما كانت بعيدة نادرة وغريبة مستبعدة كانت أكثر تأثيرا في التخييل والتذاذ النفس. وقد سبق أيضا بيان السبب الحقيقي في انفعال النفس بهذه القضايا. وعليه فالقضايا المخيلات لا يمكن حصرها في قواعد مضبوطة بل (الشعراء في كل واد يهيمون). وليس لهم طريق واحد مستقيم معلوم. من أين تتولد ملكة الشعر؟ لا يزال غير واضح لنا سر ندرة الشعراء الحقيقيين في كل أمة. بل لا تجد من كل أمة من تحصل له قوة الشعر في رتبة عالية فينبغ فيه ويتمكن من الإبداع والاختراع إلا النادر القليل وفي فترات متباعدة قد تبلغ القرون. ومن العجيب أن هذه الملكة على ما بها من اختلاف في الشعراء قوة وضعفا لا تتولد في أكثر الناس وإن شاركوا الشعراء في تذوق الشعر وممارسته وتعلمه.
الاختراع إلا النادر القليل وفي فترات متباعدة قد تبلغ القرون. ومن العجيب أن هذه الملكة على ما بها من اختلاف في الشعراء قوة وضعفا لا تتولد في أكثر الناس وإن شاركوا الشعراء في تذوق الشعر وممارسته وتعلمه. وكل ما نعلمه عن هذه الملكة أنها موهبة ربانية كسائر مواهبه تعالى التي يختص بها بعض عباده كموهبة حسن البيان أو الخطابة أو التصوير أو التمثيل ... وما إلى ذلك مما يتعلق بالفنون الجميلة وغيرها. ومن أجل هذا الاختصاص الرباني اعتبر الشعراء نوابغ البشر. وقد وجدنا العرب كيف كانت تعتز بشعرائها فإذا نبغ في قبيلة شاعر أقاموا له الاحتفالات وتهنئها به القبائل الأخرى. ولو كان يتمكن أكثر الناس من أن يكونوا شعراء لما صحت منهم هذه العناية بشاعرهم ولما عدوه نبوغا. غير أن هذه الموهبة - كسائر المواهب الأخرى - تبدأ في تكوينها في النفس كالبذرة لا يحس بها حتى صاحبها فإذا اكتشفها صاحبها من نفسه صدفة وسقاها بالتعليم والتمرين تنمو وتستمر في النمو حتى قد تصبح شجرة باسقة تؤتي أكلها كل حين. ولكن اكتشاف الموهبة ليس بالأمر الهين وقد يكتشفها الغير العارف قبل صاحبها نفسه. وقد تذوي وتموت المواهب في كثير من النفوس إذا أهملت في السن المبكر لصاحبها. صلة الشعر بالعقل الباطن والحق أن الشاعر البارع كالخطيب البارع يستمد في إبداعه من عقله الباطن اللاشعوري فيتدفق الشعر على لسانه كالإلهام من حيث يدري ولا يدري على اختلاف عظيم للشعراء والخطباء في هذه الناحية. وليس الشعر والخطابة كسائر الصناعات الأخرى التي يبدع فيها الصانع عن روية وتأمل دائما. وإلى هذا أشار صحار العبدي لما سأله معاوية: ما هذه
يث يدري ولا يدري على اختلاف عظيم للشعراء والخطباء في هذه الناحية. وليس الشعر والخطابة كسائر الصناعات الأخرى التي يبدع فيها الصانع عن روية وتأمل دائما. وإلى هذا أشار صحار العبدي لما سأله معاوية: ما هذه البلاغة فيكم ؟ فقال : (شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الدرر) وهذه لفتة بارعة من هذا الأعرابي أدركها بفطرته وصورها على طبع سجيته. ومن أجل ما قلناه من استمداد الشاعر من منطقة اللاشعور تجده قد لا يواتيه الشعر وهو في أشد ما يكون من يقظته الفكرية ورغبته الملحة في إنشائه. قال الفرزدق : (قد يأتي علي الحين وقلع ضرس عندي أهون من قول بيت شعر). وبالعكس قد يفيض الشعر ويتدفق على لسان الشاعر من غير سابق تهيؤ فكري والشعراء وحدهم يعرفون مدى صحة هذه الحقيقة من أنفسهم. وأحسب أنه من أجل هذا زعم العرب أو شعراؤهم خاصة أن لكل شاعر شيطانا أو جنيا يلقي عليه الشعر والغريب أن بعضهم تخيله شخصا يمثل له وأسماه باسم مخصوص. وكل ذلك لأنهم رأوا من أنفسهم أن الشعر يواتيهم على الأكثر من وراء منطقة الشعور وعجزوا عن تفسيره بغير الشيطان والجن. وعلى كل حال فإن قوة الشعر إذا كانت موجودة في نفس الفرد لا تخرج كما تقدم من حد القوة إلى حد الفعلية اعتباطا من دون سابق تمرين وممارسة للشعر بحفظ وتفهم ومحاولة نظمه مرة بعد أخرى. وقد أوصى بعض الشعراء ناشئا ليتعلم الشعر أن يحفظ قسما كبيرا من المختار منه ثم يتناساه مدة طويلة ثم يخرج إلى الحدائق الغناء ليستلهمه وكذلك فعل ذلك الناشئ فصار شاعرا كبيرا.
فهم ومحاولة نظمه مرة بعد أخرى. وقد أوصى بعض الشعراء ناشئا ليتعلم الشعر أن يحفظ قسما كبيرا من المختار منه ثم يتناساه مدة طويلة ثم يخرج إلى الحدائق الغناء ليستلهمه وكذلك فعل ذلك الناشئ فصار شاعرا كبيرا. إن الأمر بحفظه وتناسيه فلسفة عميقة في العقل الباطن توصل إليها ذلك الشاعر بفطرته وتجربته: إن هذا هو شحن القوة للعقل الباطن لتهيئته لإلهام الشعور في ساعة الانشراح والانطلاق التي هي إحدى ساعات تيقظ العقل الباطن وانفتاح المجرى النفسي بين منطقتي اللاشعور والشعور أو بالأصح إحدى ساعات اتحاد المنطقتين. بل هي من أفضل تلك الساعات. وما أعز انفتاح هذا المجرى على الإنسان إلا على من خلق ملهما فيؤاتيه بلا اختيار. الفصل الخامس صناعة المغالطة وفيها ثلاثة مباحث: المقدمات. أجزاء الصناعة الذاتية. وأجزاء الصناعة العرضية. المبحث الأول – المقدمات ۱. معنى المغالطة وبماذا تتحقق كل قياس نتيجته تكون نقضا لوضع من الأوضاع يسمى باصطلاح المنطقيين (تبكيتا) باعتبار أنه تبكيت لصاحب ذلك الوضع. فإذا كانت مواده من اليقينيات قيل له تبكيت برهاني). وإذا كانت من المشهورات والمسلمات قيل له (تبكيت جدلي). وإذا لم تكن مواده من اليقينيات ولا من المشهورات والمسلمات أو كانت منها ولكن لم تكن صورة القياس صحيحة على حسب قوانينه فلابد أن يكون القياس حينئذ شبيها بالحق واليقين أو شبيها بالمشهور مادة أو هيئة فيلتبس أمره على المخاطب ويروج عليه ويكون عنده في معرض التسليم لقصور فيه أو غفلة وإلا فلا يستحق أن يسمى قياسا.
حسب قوانينه فلابد أن يكون القياس حينئذ شبيها بالحق واليقين أو شبيها بالمشهور مادة أو هيئة فيلتبس أمره على المخاطب ويروج عليه ويكون عنده في معرض التسليم لقصور فيه أو غفلة وإلا فلا يستحق أن يسمى قياسا. وعلى هذا فهو إن كان شبيها بالبرهان سمي (سفسطائيا وصناعته (سفسطة). وإن كان شبيها بالجدل سمي (مشاغبيا) وصناعته (مشاغبة). وسبب كل من السفسطة والمشاغبة لا يخلو عن أحد شيئين: إما الغلط حقيقة من القايس وإما تعمد تغليط الغير وإيقاعه في الغلط مع انتباهه إلى الغلط. وعلى كل منهما يقال له (مغالط) وقياسه (مغالطة باعتبار أنه في كلا الحالين يكون ناقضا لوضع ما. وعلى هذا ف (المغالطة) التي نعينها هنا تشمل القسمين: الغلط وتعمد التغليط. ومن أجل ذلك الاعتبار أي اعتبار نقضه لوضع ما قيل له (تبكيت مغالطي) وإن كان في الحقيقة تضليلا لا تبكيتا، كما قد يقال له بحسب غرض آخر (امتحان أو عناد كما سيأتي. واعلم أن سبب وقوع تلك المواد في القياس الذي يصح جعله قياسا هو رواجها على العقول. وسبب الرواج مشابهتها للحق أو المشهور. ولا تروج على العقول فيشتبه عليها الحال لولا قلة التمييز وضعف الانتباه فيخلط الذهن بين المتشابهين ويجعل الحكم الخاص بأحدهما للآخر من غير أن يشعر بذلك سواء كان قلة التمييز والخلط من نفس القايس أو من قبل المخاطب إذ يروج عليه ذلك. وهذا نظير ما لو وضع الحاسب أحد العددين مكان الآخر لمشابهة بينهما فيشتبه عليه فيقع له الغلط في الحساب بجمع أو طرح أو نحوهما.
واء كان قلة التمييز والخلط من نفس القايس أو من قبل المخاطب إذ يروج عليه ذلك. وهذا نظير ما لو وضع الحاسب أحد العددين مكان الآخر لمشابهة بينهما فيشتبه عليه فيقع له الغلط في الحساب بجمع أو طرح أو نحوهما. مثلا لو أن أحدا تمثل في ذهنه معنى من معاني المشترك في موضع معنى آخر له وهو غافل عن استعماله في المعنى الآخر فلا محالة يعطي للمعنى الذي تمثله الحكم المختص بذلك المعنى الآخر فيغلط. وقد يتعمد ذلك ليوقع بالغلط غيره من قليلي التمييز. والخلاصة: أنه لولا قلة التمييز وضعف الانتباه والقصور الذهني لما تحققت مغالطة ولما تمت لها صناعة. ومن سوء الحظ أن البشر مرتكس إلى قمة رأسه بالمغالطات والخلافات بسبب القصور الذهني العام لا يكاد يخلو منه إنسان ولو قليلا إلا من خصه الله تعالى برحمته من عباده الصالحين الذين هم في الناس كالنقطة في البحر الخضم. {إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}. .. أغراض المغالطة و (المغالطة) بمعنى تعمد تغليط الغير قد تقع عن قصد صحيح لمصلحة محمودة مثل اختباره وامتحان معرفته فتسمى (امتحانا) أو مدافعته وتعجيزه إذا كان مبطلا مصرا على باطله فتسمى (عنادا). وقد تقع عن غرض فاسد مثل الرياء بالعلم والمعرفة والتظاهر في حبهما ومثل طلب التفوق على غيره. والذي يدفع الإنسان إلى هذا الرياء وطلب التفوق شعوره بالنقص من الناحية العلمية فيريد في دخيلة نفسه أن يعوض عن هذا النقص. وإذ يعرف من
ل الرياء بالعلم والمعرفة والتظاهر في حبهما ومثل طلب التفوق على غيره. والذي يدفع الإنسان إلى هذا الرياء وطلب التفوق شعوره بالنقص من الناحية العلمية فيريد في دخيلة نفسه أن يعوض عن هذا النقص. وإذ يعرف من نفسه العجز عن التعويض بالطريق المستقيم وهو التعلم والمعرفة الحقيقية يلتجئ إلى التظاهر بما يسد نقصه بزعمه. وهو في هذا يشبه من يريد أن يستر نقصه في منزلته الاجتماعية بطريق التكبر والتعاظم أو يستر نقصه في عيوبه الأخلاقية بالطعن في الناس وغيبتهم. ولذلك يلتجئ هذا الإنسان - الذي فيه مركب النقص إلى أن يلتمس طرق الحيل والمغالطات عند مواجهة أهل العلم ليظهر أمام الناس بمظهر العالم القدير فيجهد نفسه في تحصيل أصول المغالطة وقواعدها لتكون له ملكة ذلك والقدرة على المصاولة الخادعة. ولم يدر هذا المسكين أن الالتجاء إلى الرياء والتظاهر كالالتجاء إلى التكبر ونقد الناس تعبير صارخ عن نقصه الكامن في الوقت الذي يريد فيه نقصه ويظهر بالكمال. خداعا لنفسه أن يستر على أعاذنا الله تعالى من الأباطيل والأحابيل وهدانا الصراط المستقيم. فائدة هذه الصناعة ومع كل ما قلناه فإن لصناعة المغالطة فائدة لا يستهان بها لدى أهل العلم وذلك من ناحيتين: ١ أنه بها قد يتمكن الباحث من النجاة من الوقوع في الغلط ويحفظ نفسه من الباطل لأنه إذا عرف مواقع المغالطة ومداخلها يعرف الطريق إلى الهرب من الغلط والاشتباه. ٢ أنه بها قد يتمكن من مدافعة المغالطين وكشف مداخل غلطهم. وعلى هذا ففائدة الباحث من تعلم صناعة المغالطة كفائدة الطبيب في تعلمه للسموم وخواصها فإنه يتمكن بذلك من الاحتراز منها ويستطيع أن يأمر غيره بالاحتراز ويداوي من يتناولها.
افعة المغالطين وكشف مداخل غلطهم. وعلى هذا ففائدة الباحث من تعلم صناعة المغالطة كفائدة الطبيب في تعلمه للسموم وخواصها فإنه يتمكن بذلك من الاحتراز منها ويستطيع أن يأمر غيره بالاحتراز ويداوي من يتناولها. ثم لهذه الصناعة فائدة أخرى وهي أن يقدر بها على مغالطة المغالط ومقابلة المغالطين المشعوذين بمثل طريقتهم كما قيل في المثل المشهور: (إن الحديد بالحديد يفلح). وقد سبق أن قلنا أن البشر مرتكس إلى قمة رأسه بالمغالطات والخلافات فما أحوج طالب الحق السابح في بحر المعارف إلى أن يزيح عنه الزبد الطافح على الماء من رواسب غلطات الماضين بمعرفة ما يصطنعه المغالطون من أوهام. ولكن ذوي الطباع السليمة والآراء المستقيمة في غنى عن معرفة مواضع الغلط بتعلم القوانين والأصول في هذه الصناعة فإن لهم بمواهبهم الشخصية الكفاية وإن كان لا تخلو هذه الصناعة من زيادة بصيرة لهم. ٤. موضوع هذه الصناعة وموادها ليس موضوع هذه الصناعة محدودا بشيء خاص بل تتناول كل ما تتعلق به صناعة البرهان والجدل فموضوعاتها بإزاء موضوعاتهما ومسائلها بإزاء مسائلهما بل إن مباديها بإزاء مباديهما أي أن مباديها مشابهة لمباديهما. غير أن هاتين الصناعتين حقيقيتان وهذه صورية ظاهرية لأن المشابهة بحسب الرواج والظاهر كما قلنا سابقا من جهة ضعف قوة التمييز والقصور الذهني. ومواد هذه الصناعة هي المشبهات والوهميات على ما بيناه في مقدمة الصناعات. والوهميات من وجه داخلة في المشبهات باعتبار التوهم فيها أن المعقولات لها حكم المحسوسات. ه. أجزاء هذه الصناعة ولهذه الصناعة جزءان كالجزأين في صناعة الخطابة: (أحدهما كالعمود في الخطابة وهي القضايا التي بذاتها تقتضي المغالطة وهي نفس التبكيت ولنسمها : (أجزاء الصناعة الذاتية).
م المحسوسات. ه. أجزاء هذه الصناعة ولهذه الصناعة جزءان كالجزأين في صناعة الخطابة: (أحدهما كالعمود في الخطابة وهي القضايا التي بذاتها تقتضي المغالطة وهي نفس التبكيت ولنسمها : (أجزاء الصناعة الذاتية). (ثانيهما كالأعوان في الخطابة وهي ما تقتضي المغالطة بالعرض وهي الأمور الخارجة عن التبكيت كالتشنيع على المخاطب وتشويش أفكاره بإخجاله والاستهزاء به ونحو ذلك مما سياتي. ولنسمها: (أجزاء الصناعة العرضية). وقد عقدنا المبحث الثاني الآتي في الأجزاء الذاتية والمبحث الثالث في الأجزاء العرضية: المبحث الثاني - أجزاء الصناعة الذاتية . تمهيد: اعلم أن الغلط الواقع في نفس التبكيت وهو القياسي المغالطي إما أن يقع من جهة مادته وهي نفس المقدمات أو من جهة صورته وهي التأليف بينها أو من الجهتين معا. ثم إن هناك غلطا يقع في القضايا وإن لم تؤلف قياسا. ثم الغلط الواقع في مادة القياس على ثلاثة أنواع: ١ من جهة كذبها في نفسها وقد التبست بالصادقة أو شناعتها في نفسها وقد التبست بالمشهورة. ۲ من جهة أنها ليست غير النتيجة واقعا مع توهم أنها غيرها فتكون مصادرة على المطلوب. من جهة أنها ليست أعرف من النتيجة مع ظن أنها أعرف. ثم إن النوع الأول وهو الكذب أو الشناعة والالتباس بالصادقة أو المشهورة أهم الأنواع وأكثر ما تقع المغالطات من جهته. وهو تارة يكون من جهة اللفظ وأخرى من جهة المعنى. فهذه جملة أنواع الغلط. ثم يمكن إرجاع الأنواع الأخرى حتى الغلط من جهة صورة القياس إلى الغلط من جهة المعنى. فتقسم أنواع المغالطات إلى قسمين رئيسين: ١ المغالطات اللفظية ٢ المغالطات المعنوية (فنعقدهما في بحثين) 1. المغالطات اللفظية إن الغلط من جهة لفظية إما أن يقع في اللفظ المفرد أو المركب:
ن جهة المعنى. فتقسم أنواع المغالطات إلى قسمين رئيسين: ١ المغالطات اللفظية ٢ المغالطات المعنوية (فنعقدهما في بحثين) 1. المغالطات اللفظية إن الغلط من جهة لفظية إما أن يقع في اللفظ المفرد أو المركب: (الأول) - ما في اللفظ المفرد. وهو على ثلاثة أنواع: ١ ما يكون في جوهر اللفظ من جهة اشتراكه بين أكثر من معنى. ويسمى (اشتراك الاسم). ٢ ما يكون في حال اللفظ وهيئته في نفسه. وذلك للاشتباه بسبب اتحاد شكله. ما يكون في حال اللفظ وهيئته ولكن بسبب أمور خارجة عنه عارضة عليه. وذلك للاشتباه بسبب اختلاف الإعراب والإعجام. (الثاني) - ما في اللفظ المركب. وهو على ثلاثة أنواع أيضا: ١ ما يكون نفس التركيب يقتضي المغالطة. ويسمى (المماراة). ٢ ما يكون توهم وجود التركيب يقتضيها. وذلك بأن يكون التركيب معدوما فيتوهم أنه موجود ويسمى (تركيب المفصل). ما يكون توهم عدمه يقتضيها. وذلك بأن يكون التركيب موجودا فيتوهم أنه معدوم. ويسمى (تفصيل المركب). فالمغالطات اللفظية – إذن تنحصر في ستة أنواع. فلنشر إليها بالترتيب المتقدم: 1 - المغالطة باشتراك الاسم: ليس المراد بالاشتراك هنا الاشتراك اللفظي المتقدم معناه في الجزء الأول ص ٤٥ بل المراد منه أن يكون اللفظ صالحا للدلالة على أكثر من معنى واحد بأي نحو من أنحاء الدلالة سواء كانت بسبب الاشتراك اللفظي أو النقل أو المجاز أو الاستعارة أو التشبيه أو التشابه أو الإطلاق والتقييد أو نحو ذلك. وأكثر اشتباه الناس وغلطهم ومغالطاتهم وخلافاتهم من أقدم العصور يرجع إلى هذه الناحية اللفظية حتى أنه نقل عن أفلاطون الحكيم أنه وضع كتابا في خصوص صناعة المغالطة دون باقي أجزاء المنطق وحصرها في هذا القسم من المغالطات اللفظية وأغفل باقي الأقسام.
افاتهم من أقدم العصور يرجع إلى هذه الناحية اللفظية حتى أنه نقل عن أفلاطون الحكيم أنه وضع كتابا في خصوص صناعة المغالطة دون باقي أجزاء المنطق وحصرها في هذا القسم من المغالطات اللفظية وأغفل باقي الأقسام. ومن أجل هذا كان ألزم شيء للباحثين أن يوضحوا ويحددوا التعبير باللفظ عن مقاصدهم قبل كل بحث حتى لا يلقى الكلام على عواهنه. فإن لكل لفظ إطاره الذهني الخاص به الذي قد يختلف باختلاف العصور أو البيئات أو العلوم والفنون بل الأشخاص. ويطول علينا ذكر الأمثلة لهذا القسم. وحسبك كلمة الوجود والماهية في علم الفلسفة وكلمة الحسن والقبح والرؤية في علم الكلام وكلمة الحرية والوطن في الاجتماعيات... وهكذا. ونستطيع أن نلتقط من كل علم وفن أمثلة كثيرة لذلك. ٢ - المغالطة في هيئة اللفظ الذاتية: وهي فيما إذا كان اللفظ يتعدد معناه من جهة تصريفه أو من جهة تذكيره وتأنيثه أو كونه اسم فاعل أو اسم مفعول. ولعدم تمييز أحدهما عن الآخر يقع الاشتباه والغلط فيوضع حكم أحدهما للآخر. مثل لفظ (العدل) من جهة كونه مصدرا مرة وصفة أخرى. ولفظ (تقوم) من جهة كونه خطابا للمذكر مرة وللمؤنث الغائبة أخرى. ولفظ (المختار) و (المعتاد) اسم فاعل مرة واسم مفعول أخرى... وهكذا. : المغالطة في الإعراب والإعجام وهي فيما إذا كان اللفظ يتعدد معناه بسبب أمور عارضة على هيئة خارجة عن ذاته بأن يصحف اللفظ نطقا أو خطا بإعجام أو حركات في صيغته أو إعرابه. مثل ما قال الرئيس ابن سينا بما معناه: إن الحكماء قالوا أنه تعالى بحت وجوده فصحفه بعضهم فظن أنهم قصدوا يجب وجوده.
ة على هيئة خارجة عن ذاته بأن يصحف اللفظ نطقا أو خطا بإعجام أو حركات في صيغته أو إعرابه. مثل ما قال الرئيس ابن سينا بما معناه: إن الحكماء قالوا أنه تعالى بحت وجوده فصحفه بعضهم فظن أنهم قصدوا يجب وجوده. (تنبيه) إن النوعين الأخيرين يرجعان في الحقيقة إلى الاشتباه من جهة الاشتراك في اللفظ غير أنهما من جهة هيئته لا جوهره. ولما كان النوع الأول يرجع إلى جوهر اللفظ خصوه باسم اشتراك الاسم. بل إن الأنواع الثلاثة الآتية ترجع من وجه إلى اشتراك اللفظ. مغالطة المماراة: وهي ما تكون المغالطة تحدث في نفس تركيب الألفاظ. وذلك فيما إذا لم يكن اشتراك في نفس الألفاظ ولا اشتباه فيها ولكن بتركيبها وتأليفها يحصل الاشتراك والاشتباه مثل قول عقيل لما طلب منه معاوية بن أبي سفيان أن يعلن سب أخيه علي بن أبي طالب ع فصعد المنبر وقال: أمرني معاوية أن أسب عليا. ألا فالعنوه !. وهذا الإيهام جاء من جهة اشتراك عود الضمير فأظهر أنه استجاب لدعوة معاوية وإنما قصد لعنه. ومثل هذا جواب من سئل: من أفضل أصحاب رسول الله ص بعده؟ فقال: (من بنته في بيته). ومن قسم المماراة التورية والاستخدام المذكورين في أنواع البديع. ه مغالطة تركيب المفصل: وهي ما تكون المغالطة بسبب توهم وجود تأليف بين الألفاظ المفردة وهو ليس بموجود. وذلك بأن يكون الحكم في القضية مع عدم ملاحظة التأليف صادقا ومع ملاحظته كاذبا فيصدق الكلام مفصلا لا مركبا فلذلك سمي النوع (مغالطة تركيب المفصل). وسماه الشيخ الطوسي (المغالطة باشتراك القسمة). وهو على نحوين: إما أن يكون التفصيل والتركيب في الموضوع أو المحمول.
ا ومع ملاحظته كاذبا فيصدق الكلام مفصلا لا مركبا فلذلك سمي النوع (مغالطة تركيب المفصل). وسماه الشيخ الطوسي (المغالطة باشتراك القسمة). وهو على نحوين: إما أن يكون التفصيل والتركيب في الموضوع أو المحمول. (الأول) - أن يكون الموضوع له عدة أجزاء وكل جزء منها له حكم خاص والأحكام بحسب كل جزء صادقة وإذا جعلنا الموضوع المركب من الأجزاء بما هو مركب كانت الأحكام بحسبه كاذبة. كما يقال مثلا: الخمسة زوج وفرد. وكل ما كان زوجا وفردا فهو زوج (مثل أن يقال كل أصفر وحلو فهو أصفر) .. الخمسة زوج. وهذه النتيجة كاذبة مع صدق المقدمتين. والسر في ذلك أنه في (الصغرى) الموضوع وهو الخمسة إذا لوحظ بحسب التفصيل والتحليل إلى اثنين وثلاثة صح الحكم عليه بحسب كل جزء بأنه زوج وفرد أي الاثنان زوج والثلاثة فرد. أما إذا لوحظ بحسب التركيب فليس عدد الخمسة بما هي خمسة إلا فردا فيكون الحكم عليه بأنه زوج وفرد كاذبا. وكذلك في (الكبرى) الموضوع وهو ما كان زوجا وفردا إن لوحظ بحسب التفصيل والتحليل كملاحظة ما هو أصفر وحلو في الحكم عليه بأنه أصفر صح الحكم عليه بأنه زوج. أما إذا لوحظ بحسب التركيب فالحكم عليه بأنه زوج كاذب لأن المركب من الزوج والفرد فرد. أما الموضوع في النتيجة الخمسة (زوج فلا يصح أن يؤخذ إلا بحسب التركيب لأن الحكم على أي عدد بأنه زوج فقط أو فرد فقط لا يصح إلا إذا لوحظ بما هو مركب ولا يصح أن يلاحظ بحسب التحليل والتفصيل إلا إذا حكم عليه بهما معا أو بأنه زوج وزوج أو بأنه فرد وفرد. ومن هنا كان الحكم على الخمسة بأنها زوج كاذبا. فتحصل أن الموضوع في الصغرى والكبرى لوحظ بحسب التفصيل والتحليل ولذا كانتا صادقتين. وفي النتيجة لوحظ بحسب التركيب فكانت كاذبة.
ه زوج وزوج أو بأنه فرد وفرد. ومن هنا كان الحكم على الخمسة بأنها زوج كاذبا. فتحصل أن الموضوع في الصغرى والكبرى لوحظ بحسب التفصيل والتحليل ولذا كانتا صادقتين. وفي النتيجة لوحظ بحسب التركيب فكانت كاذبة. فإذا اشتبه الأمر على القايس أو المخاطب وركب ما هو مفصل وقعت المغالطة وكان الغلط. (الثاني) - أن يكون المحمول له عدة أجزاء وكل جزء إذا حكم به منفردا على الموضوع كان صادقا وإذا حكم بالجميع بحسب التركيب بينها أي المركب بما هو مركب - كان كاذبا. مثاله: إذا كان زيد شاعرا غير ماهر في شعره وكان ماهرا في فن آخر وهو الخياطة مثلا فإنه يصح أن يحكم عليه بانفراد بأنه شاعر مطلقا ويصح أيضا أن يحكم عليه بانفراد بأنه ماهر مطلقا. فإذا جمعت بين الحكمين في عبارة واحدة وقلت: زيد شاعر وماهر فإن هذه العبارة توهم أن هذا الحكم وقع بحسب التركيب بين الحكمين أي أنه شاعر ماهر في شعره. وهو حكم كاذب حسب الفرض. ولكن إذا لوحظ بحسب التفصيل والتحليل إلى حكمين أحدهما غير مقيد بالآخر كان صادقا. ٦- مغالطة تفصيل المركب وهو ما تكون المغالطة بسبب توهم عدم التأليف والتركيب مع فرض وجوده. وذلك بأن يكون الحكم في القضية بحسب التأليف والتركيب صادقا وبحسب التفصيل والتحليل كاذبا فيصدق مركبا لا مفصلا. فلذا سمي هذا النوع (مغالطة تفصيل المركب ) . وسماه الشيخ الطوسي (المغالطة باشتراك التأليف). مثاله: (الخمسة زوج وفرد).
قضية بحسب التأليف والتركيب صادقا وبحسب التفصيل والتحليل كاذبا فيصدق مركبا لا مفصلا. فلذا سمي هذا النوع (مغالطة تفصيل المركب ) . وسماه الشيخ الطوسي (المغالطة باشتراك التأليف). مثاله: (الخمسة زوج وفرد). فإنه إنما يصح إذا حمل الجزءان معا بحسب التركيب بينهما على الخمسة بأن تكون الواو عاطفة بمعنى جمع الأجزاء كالحكم على الدار بأنها آجر وجص وخشب أي أنها مركبة من مجموع هذه الأجزاء. وأما إذا حمل كل من الجزأين بانفراده بحسب التفصيل والتحليل بأن تكون الواو عاطفة بمعنى الجمع بين الصفات كان الحكم كاذبا كالحكم على شخص بأنه شاعر وكاتب لأن عدد الخمسة ليس إلا فردا بل يستحيل أن يكون عدد واحد فردا وزوجا معا. فمن لاحظ الحمل في مثل هذه القضية بحسب التفصيل والتحليل أي توهم عدم التركب فقد كان غالطا أو مغالطا. . المغالطات المعنوية نقصد بالمغالطة المعنوية كل مغالطة غير لفظية كما قدمنا. وهي على سبعة أنواع لأنها تنقسم بالقسمة الأولية إلى قسمين: أ ما تقع في التأليف بين جزئي قضية واحدة. ب ما تقع في التأليف بين القضايا. والأول له ثلاثة أنواع والثاني له أربعة أنواع. فهذه سبعة لأن: (الأول) وهو ما يقع في التأليف بين جزئي القضية ينقسم بالقسمة الأولية إلى قسمين لأنه إما أن يقع لخلل في الجزأين معا أو في جزء واحد والثاني إما أن يحذف الجزء ببدله أو يذكر ليس على ما ينبغي. فهذه ثلاثة أنواع: ١ - (إيهام) (الانعكاس) وهو أن يقع الخلل في الجزأين معا. وذلك بأن ينعكس موضعهما فيجعل الموضوع محمولا وبالعكس أو يجعل المقدم تاليا وبالعكس. ٢- (أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات وهو أن يقع الخلل بجزء واحد بأن يحذف الجزء ويذكر مكانه ما هو بدله إما عارضه أو معروضه وإما لازمه أو ملزومه. (سوء اعتبار الحمل وهو أن يقع الخلل بجزء واحد بأن يذكر ليس على ما ينبغي إما بأن يوضع معه ما ليس منه ولا من قيوده أو يحذف ما هو منه ومن قيوده وشروطه. و (الثاني) وهو ما يقع في التأليف بين القضايا ينقسم بالقسمة الأولية إلى قسمين: إما أن يكون التأليف غير قياسي أي لا تؤلف تلك القضايا قياسا وإما أن يكون التأليف قياسيا. و (الثاني) إما أن يقع الخلل في نفس تأليف المقدمات وذلك بخروجه عن الأصول والقواعد المقررة للقياس والبرهان والجدل وإما أن يقع بملاحظة المقدمات إلى النتيجة. و (الثاني) إما لأن النتيجة عين إحدى المقدمات وإما لأن النتيجة غير مطلوبة بالقياس. فهذه أربعة أنواع: ١ - (جمع المسائل في مسألة واحدة وهو أن يقع الخلل في التأليف بين القضايا التي ليس تأليفها قياسيا بأن يتوهم أن تلك القضايا قضية واحدة. ۲ (سوء التأليف وهو أن يقع الخلل في نفس تأليف المقدمات بخروجه على أصول وقواعد القياس والبرهان والجدل. (المصادرة على المطلوب وهو أن يقع الخلل في المقدمات بملاحظة النتيجة باعتبار أنها عين إحدى المقدمات. (وضع ما ليس بعلة علة) وهو أن يقع الخلل في المقدمات بملاحظة النتيجة باعتبار أنها ليست مطلوبة منها. فكملت بذلك سبعة أنواع للمغالطات المعنوية نذكرها بالتفصيل: - إيهام الانعكاس: وهو كما قدمنا أن يوضع المحمول والموضوع أو التالي والمقدم أحدهما مكان الآخر. وهذا ينشأ من عدم التمييز بين اللازم والملزوم والخاص والعام. وأكثر ما يقع ذلك في الأمور الحسية. مثلا: لما كان كل عسل أصفر وسيالا فقد يظن الظان أن كل ما هو أصفر وسيال فهو عسل. مثل آخر قد يظن الظان أن كل سعيد لابد أن يكون ذا ثروة حينما يشاهد أن كل ذي ثروة سعيد. وأمثال هذه الأمور يقع الغلط فيها كثيرا عند العامة. ولأجله اشترط المنطقيون في العكس المستوي للموجبة الكلية أن تعكس إلى موجبة جزئية تجنبا عن هذا الغلط وضمانا لصدق العكس. ٢- أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات: وهو أن يوضع بدل جزء القضية الحقيقي غيره مما يشتبه به كعارضه ومعروضه أو لازمه وملزومه ومن موارد ذلك: أن تكون لموضوع واحد عدة عوارض ذاتية له فيحمل أحد هذه العوارض على العارض الآخر بتوهم أنه من عوارضه بينما هو في الحقيقة من عوارض موضوعه ومعروضه. مثلا يقال : أن كل ماء طاهر وأن كل ماء لا يتنجس بملاقاة النجاسة إذا بلغ كرا فقد يظن الظان من ذلك : أن كل طاهر لا يتنجس بملاقاة النجاسة إذا بلغ كرا. يعني يظن أن خاصية عدم التنجس بملاقاة النجاسة عند بلوغ الكر هي خاصية للطاهر بما هو طاهر لا للماء الطاهر فيحسب أن الطاهر غير الماء من المايعات إذا بلغ كرا كان له هذا الحكم. فقد حذف هنا الموضوع وهو (الماء) ووضع بدله عارضه وهو (الطاهر). أن يكون لموضوع عارض ولهذا العارض عارض آخر فيحمل عارض العارض على الموضوع بتوهم أنه من عوارضه بينما هو في الحقيقة من عوارض عوارضه. مثلا يقال : الجسم يعرض عليه أنه أبيض والأبيض يعرض عليه أن مفرق للبصر فيقال: الجسم مفرق للبصر. بينما أن الأبيض في الحقيقة هو المفرق للبصر لا الجسم بما هو جسم. فقد حذف هنا الموضوع وهو الأبيض ووضع بدله معروضه وهو الجسم. وإن شئت قلت حذف المحمول وهو الأبيض ووضع بدله عارضه وهو مفرق للبصر. سوء اعتبار الحمل: وهو كما تقدم أن يورد الجزء ليس على ما ينبغي وذلك بأن يوضع معه قيد ليس منه أو يحذف منه ما هو منه كقيده وشرطه. فالأول – مثل ما قد يتوهمه بعضهم أن الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي موجودة في الذهن فأخذ في الموضوع قيد بما هي موجودة في الذهن) بينما أن الموضوع في قولنا: (المعاني وضعت لها الألفاظ) هي المعاني بما هي معان من حيث هي لا بما هي موجودة في الذهن. والثاني يحصل في موارد اختلال إحدى الوحدات الثمان المذكورة في شروط التناقض مثل ما حسبه بعضهم أن الماء مطلقا لا يتنجس بملاقاة النجاسة بينما أن الصحيح أن الماء بقيد إذا بلغ كرا له هذا الحكم فحذف قيد إذا بلغ كرا). ومن هذا الباب ما تخيله بعضهم أن قولهم (الجزئي ليس الجزئي من التناقض إذ حذف قيد الموضوع بينما أن المقصود في مثل هذا الحمل أن الجزئي بما له من المفهوم ليس بجزئي لأنه كلي لا مصداق الجزئي أي الجزئي بالحمل الشايع. فعدم التفرقة بين ما هو بالحمل الشايع وبين ما هو بالحمل الأولي أي بين المعنون والعنوان يعد من سوء اعتبار الحمل. ٤- جمع المسائل في مسألة واحدة: وهو الخلل الواقع في قضايا ليست بقياس بأن يقع الخلل في القضية الواردة على نحو السؤال بحسب اعتبار نقيضها كأن يورد السائل غير النقيض طرفا للسؤال مكان النقيض بينما يجب أن يكون النقيض هو الطرف له فتكثر الأسئلة عنده بذلك حقيقة مع أنه ظاهرا لم يورد إلا سؤالا واحدا فتجتمع حينئذ المسائل في مسألة واحدة. توضيح ذلك : أن السائل إذا سأل عن طرفي المتناقضين فليس له إلا سؤال واحد عن الطرفين الإيجاب والسلب مثل أن يقول: (أزيد شاعر أم لا؟ فلا تكون عنده إلا مسألة واحدة وليس لها إلا جواب واحد إما الإثبات أو النفي (نعم! أو لا!). أما إذا ردد السائل بين غير المتناقضين مثل أن يقول: (أزيد شاعر أم كاتب) فإن سؤاله هذا ينحل إلى سؤالين ومسألته إلى مسألتين: أحدهما أكاتب هو أم لا؟ ثانيهما أشاعر هو أم لا؟. فيكون جمعا لمسألتين في مسألة واحدة. وكلما تعددت الأطراف المسؤول عنها تعددت المسائل بحسبها. وبقي أن نعرف لماذا يكون هذا من المغالطة؟ فنقول : أن ورود سؤال واحد ينحل إلى عدة أسئلة قد يوجب تحير المجيب ووقوعه في الغلط بالجواب. وليس هذا التغليط من جهة كون التأليف بين هذه القضايا التي ينحل إليها السؤال قياسيا بل هي بالفعل لا تؤلف قياسا فلذلك جعلنا هذا النوع مقابلا لأنواع الخلل الواقع في التأليف القياسي الآتية. نعم قد تنحل قضية إلى قضيتين مثل قولهم (زيد وحده كاتب) فإنها قضية واحدة ظاهرا ولكنها تنحل إلى قضيتين زيد كاتب وأن من سواه ليس بكاتب. ويمكن أن يقال عنها جمع المسائل في مسالة واحدة باعتبار أن كل قضية يمكن أن تسمى مسألة باعتبار أنها قد تطلب ويسأل عنها. ولو أنك جعلت مثلها جزء قياس فإن القياس الذي يتألف منها لا يكون سليما ويكون مغالطة كما لو قيل: (الإنسان وحده ضحاك. وكل ضحاك حيوان. ينتج الإنسان وحده حيوان والنتيجة كاذبة مع صدق المقدمتين. وما هذا الخلل إلا لأن إحدى مقدميته من باب جمع المسائل في مسألة واحدة إذ تصبح القضية الواحدة أكثر من قضيتين فيكون القياس مؤلفا من ثلاث قضايا. مع أنه لا يتألف قياس بسيط من أكثر من مقدمتين. وعليه يمكن أن يقال : أن جمع المسائل في مسألة واحدة مما يقع في تأليف قياسي ويوجب المغالطة. ولأجل هذا مثل بعضهم لجمع المسائل بهذا المثال المتقدم. ولكن الحق أن هذا المثال ليس بصحيح وإن وقع في كثير من كتب المنطق المعتبرة لأن هذا الخلل في الحقيقة يرجع إلى سوء التأليف الآتي ولا يكون هذا نوعا مقابلا للأنواع التي تخص التأليف القياسي. على أن الظاهر من تعبيرهم بالمسألة في هذا الباب إرادة المسألة بمعناها اللغوي الحقيقي لا القضية مطلقا وإن كانت خبرا وإلا لحسن أن يقولوا: جمع القضايا في قضية واحدة. ه سوء التأليف: وهو كما تقدم أن يقع خلل في تأليف القياس إما من جهة مادته أو صورته إذ يكون خارجا على القواعد المقررة للقياس والبرهان والجدل. ويعرف سوء التأليف من معرفة شرائط القياس فإنه إذا عرفنا شرائطه
سوء التأليف: وهو كما تقدم أن يقع خلل في تأليف القياس إما من جهة مادته أو صورته إذ يكون خارجا على القواعد المقررة للقياس والبرهان والجدل. ويعرف سوء التأليف من معرفة شرائط القياس فإنه إذا عرفنا شرائطه وقواعده فقد عرفنا الخلل بفقد واحد منها. وهذا قد يكون واضحا جليا وقد يكون خفيا دقيقا. وقد يبلغ من الخفاء درجة لا تنكشف إلا للخاصة من العلماء. والقياس المورد بحسب المغالطة ليس بقياس في الحقيقة بل شبيه به. وكذا يكون شبيها بالبرهان والجدل. وإطلاق أسمائها عليه كإطلاق اسم الشخص مثلا على صورته الفوتوغرافية فنقول: هذا فلان. وصورته في الحقيقة ليست إياه بل شبيهة به مباينة له وجودا وحقيقة. وإنما تتحقق صورة القياس الحقيقي ويستحق اسم القياس عليه إذا اجتمعت فيه الأمور الآتية: ا أن تكون له مقدمتان. ٢ أن تكون المقدمتان منفصلتين إحداهما عن الأخرى. أن تكون كل من المقدمتين في الحقيقة قضية واحدة لا أنها تنحل إلى أكثر من قضية واحدة لأن القياس لا يتألف من أكثر من مقدمتين إلا إذا كان أكثر من قياس واحد أي قياس مركب. ٤ أن تكون المقدمتان أعرف من النتيجة فلو كانا متساويين معرفة أو أخفى لا إنتاج كما في المتضائفين. ه أن تكون حدوده متمايزة (أي الأصغر والأكبر والأوسط). ٦ أن يتكرر الحد الأوسط في المقدمتين أي أن المقدمتين يجب أن يشتركا في الحد الأوسط. أن يكون اشتراك المقدمتين والنتيجة في الحدين الأصغر والأكبر اشتراكا حقيقيا. أن تكون صورة القياس منتجة بأن تكون حاوية على اشتراط الأشكال الأربعة. من ناحية الكم والكيف والجهة. فإذا كانت النتيجة كاذبة مع فرض صدق المقدمتين فلابد أن يكون كذبها لفقد أحد الأمور المتقدمة فيجب البحث عنه لكشف المغالطة فيه إن أراد تجنب الغلط والتخلص من المغالطة. ٦ المصادرة على المطلوب: وهي أن تكون إحدى المقدمات نفس النتيجة واقعا وإن كانت بالظاهر بحسب رواجها على العقول غيرها كما يقال مثلا كل إنسان بشر. وكل بشر ضحاك. ينتج كل إنسان ضحاك فإن النتيجة عين الكبرى فيه. وإنما يقع الاشتباه لو وقع في مثله فلتغاير لفظي البشر والإنسان فيظن أنهما متغايران معنى فيروج ذلك على ضعيف التمييز. والمصادرة قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية أما (الظاهرة) فعلى الأغلب تقع في القياس البسيط كالمثال المتقدم. وأما الخفية) فعلى الأغلب تقع في الأقيسة المركبة إذ تكون النتيجة فيها بعيدة عن المقدمة في الذكر. ولأجل هذا تكون أكثر رواجا على المخاطبين المغفلين. وكلما كانت أبعد في الذكر كانت المصادرة أخفى وأقرب إلى القبول. مثال ذلك قولهم في علم الهندسة: إذا قاطع خط خطين متوازيين فإن مجموع الزاويتين الحادثتين الداخلتين من جهة واحدة يساوي قائمتين ... هذا هو مطلوب (أي نتيجة). وقد يستدل عليه بقياس مركب بأن يقال مثلا لو لم يكن مجموعهما يساوي قائمتين لتلاقى الخطان المتوازيان. ولو تلاقيا لحدث مثلث زاويتان منه فقط تساوي قائمتين. هذا خلف لأن المثلث دائما مجموع زواياه كلها تساوي قائمتين. فإنه بالأخير استدل على تساوي مجموع الزاويتين الداخلتين من جهة واحدة للقائمتين بتساويهما للقائمتين. وهي مصادرة باطلة قد تخفى على المغفل لتركب الاستدلال وبعد النتيجة عن المقدمة التي هي نفسها. واعلم أن المصادرة إنما تقع بسبب اشتراك الحد الأوسط مع أحد الحدين الآخرين في واحدة من المقدمتين فلابد أن تكون هذه المقدمة محمولها وموضوعها شيئا واحدا حقيقة. أما المقدمة الثانية فلابد أن تكون نفس المطلوب (النتيجة). كما يتضح ذلك في مثال القياس البسيط. والمصادرة على هذا ترجع في الحقيقة إلى أن القياس يكون فيها مؤلفا من مقدمة واحدة. وضع ما ليس بعلة علة: تقدم في بحث البرهان أن البرهان يتقوم بأن يكون الأوسط علة للعلم بثبوت الأكبر للأصغر كما أنه يعتبر فيه المناسبة بين النتيجة والمقدمات وضرورية المقدمات. فإن اختل أحد هذه الأمور ونحوها بأن يظن أن الحد الأوسط علة لثبوت الأكبر للأصغر أو يظن المناسبة بين النتيجة والمقدمات أو أنها ضرورية وليست هي في الواقع كما ظن وتوهم فإن كل ذلك يكون من باب وضع ما ليس بعلة علة. ويكون جعل القياس المؤلف على حسبها برهانا مغالطة موجبة لتوهم أنه برهان حقيقي. مثاله: ما ظنه بعض الفلاسفة المتقدمين من جواز انقلاب العناصر بعضها إلى بعض باعتبار أن العناصر أربعة وهي الماء والهواء والنار والتراب فقالوا بانقلاب الهواء ماء والماء هواء. واستدلوا على الأول بما يشاهد من تجمع ذرات الماء على سطح الإناء الخارجي عند اشتداد برودته فظنوا أن الهواء انقلب ماء وعلى الثاني بما يشاهد من تبخر الماء عند ورود الحرارة الشديدة عليه فظنوا أن الماء انقلب هواء. وباستدلالهم هذا قد وضعوا ما ليس بعلة علة إذ حسبوا أن العلة في الانقلاب هو تجمع ذرات الماء على الإناء وتبخر الماء بينما أن ما حسبوه علة ليس بعلة فإن الماء إنما يتجمع من ذرات البخار الموجودة في الهواء والبخار هو ذرات الماء فالماء لا الهواء تحول إلى ماء أي أن الماء تجمع. وكذلك حينما يتبخر الماء بالحرارة يتحول إلى ذرات صغيرة من الماء هي البخار فالماء قد تحول إلى الماء لا إلى الهواء أي أن الماء تفرق. المبحث الثالث - أجزاء الصناعة العرضية وهي الأمور الخارجة عن نفس متن التبكيت ومع ذلك موجبة لوقوع الغير في الغلط. ويلتجئ إليها غالبا من يقصر باعه عن مجاراة خصمه بالكلام المقبول والقياس الذي عليه سمة البرهان أو الجدل. والحقد على الخصم والتعصب الأعمى لرأي أو مذهب هما اللذان يدعوان خفيف الميزان في المعرفة إلى اتخاذ هذه السبل في المغالطة حينما يعجز عن مغالطة في نفس القياس التبكيتي. ومن نافلة القول أن نذكر أن أكثر من يتصدى للخصام والجدل في العقائد والنقد والرد في المذاهب الاجتماعية والسياسية هم من أولئك خفيفي الميزان وإلا فالعلماء والمثقفون أكثر أدبا وصونا لكلامهم وحرصا على سلامة بيانهم وإن تعصبوا وغالطوا. أما طلاب الحق المخلصون له من العلماء فهم النخبة المختارة من البشر الذين يندر وجودهم ندرة الماس في الفحم لا يتعصبون لغير الحق ولا يغالطون إلا في الحق رحمة بالناس وشفقة على عقائدهم والحقيقة عندهم فوق جميع الاعتبارات لا تأخذهم فيها لومة لائم. وعلى كل حال فإن هذه الأمور الخارجة عن التبكيت الموجبة للمغالطة يمكن إرجاعها إلى سبعة أمور: ١ التشنيع على الخصم بما هو مسلم عنده أو بما اعترف به. وذلك بأن ينسبه إلى القول بخلاف الحق أو المشهور سواء كان ما سلم به أو اعترف به حقيقة هو خلاف الحق أو المشهور أو أنه يظهره بذلك تنكيلا به. وهذا لا فرق بين أن يكون تشنيعه عليه بقول كان قد قاله سابقا أو يجره إليه بسؤال أو نحوه مثل أن يوجه سؤالا يردده بين طرفين غير مرددين بين النفي والإثبات فيكون لهما وجه ثالث أو رابع لا يذكره ويخفيه على الخصم. ولا شك أن الترديد بين شيئين فقط يوهم لأول وهلة الحصر فيهما فقد يظن الخصم الحصر فيوقعه فيما يوجب التشنيع عليه. كأن يقول له مثلا: هل تعتقد أن طاعة الحكومة لازمة في كل شيء أو ليست لازمة أبدا فإن قال بالأول فقد تفرض الحكومة مخالفة ضميره أو واجبه الديني أو الوطني وهذا شنيع فيكون الاعتراف به مجالا للتشنيع عليه. وإن قال بالثاني فإن هذا قد يوجب الإخلال بالنظام أو الوقوع في المهالك وهذا شنيع أيضا فيكون الاعتراف به مجالا للتشنيع عليه. وقد يغفل الخصم المسؤول عن وجه ثالث فيه التفصيل بين الرأيين لينقذ نفسه من هذه الورطة. وهذا ونحوه قد يوجب ارتباك الخصم وحيرته فيغلط في اختياره ورأيه ويضيع عليه وجه الصواب. أن يدفعه إلى القول الباطل أو الشنيع بأن يخدعه ليقول ذلك وهو غافل فيوقعه في الغلط إما بسؤال أو محاورة يوهمه فيها خلاف الواقع والمشهور. أن يثير في نفسه الغضب أو الشعور بنقصه فيربك عليه تفكيره وتوجه ذهنه مثل أن يشتمه أو يقدح فيه أو يخجله أو يحقره أو يستهزئ به أو يسفهه أو يسأله عن أشياء يجهلها أو يلفت نظر الحاضرين أو ما فيه من عيوب جسمية أو نفسية. ٤ أن يستعمل معه الألفاظ الغريبة والمصطلحات غير المتداولة والعبارات المغلقة فيحيره ولا يدري ما يجيب به فيغلط. ه أن يدس في كلامه الحشو والزوائد الخارجة عن الصدد أو الكلام غير المفهوم أو يطول في كلامه تطويلا مملا بما يفقد الإحاطة بجميع الكلام وربط صدره بذيله. ٦ أن يستعين على إسكاته وإرباكه برفع الصوت والصراخ وحركات اليدين وضرب أحدهما بالأخرى والقيام والقعود ونحوها من الحركات المثيرة المهيجة والمربكة. أن يعيره بعبارات تبدو أنها تفقد آراء الخصم صحتها في نظر العامة أو تحمله على التشكيك أو الزهد فيها. وهذا أمر يستعمله أكثر المتخاصمين من القديم. مثل تعبير خصوم أتباع آل البيت عنهم بالرافضة وتعبير ذوي السلطات عن المطالبين بحقوقهم في هذا العصر بالثوار أو العصابات أو المفسدين أو قطاع الطريق أو نحو ذلك. وتعبير دعاة التجدد عن أهل الدين بالرجعيين وعن الآراء القديمة بالخرافات. وتعبير المتمسكين بالقديم عن دعاة الإصلاح بالمتجددين أو الكافرين أو الزنادقة ... وهكذا يتخذ كل خصم لخصمه عبارات معيرة ومعبرة عن بطلان آرائه ومقاصده مما يطول شرحه. عصمنا الله تعالى من المغالطات وقول الزور إنه أكرم مسؤول! انتهى الجزء الثالث
لاح بالمتجددين أو الكافرين أو الزنادقة ... وهكذا يتخذ كل خصم لخصمه عبارات معيرة ومعبرة عن بطلان آرائه ومقاصده مما يطول شرحه. عصمنا الله تعالى من المغالطات وقول الزور إنه أكرم مسؤول! انتهى الجزء الثالث ۱۱۱ الباب الرابع: القضايا وأحكامها * الفصل الأول: القضايا القضية أقسام القضية أقسام القضية باعتبار الموضوع تقسيمات الحملية تقسيمات الشرطية الأخرى * الفصل الثاني: أحكام القضايا تمهيد التناقض العكوس من ملحقات العكوس النقض لوح نسب المحصورات البديهة المنطقية أو الاستدلال المباشر البديهي الباب الخامس: مباحث الاستدلال * تصدير * القياس القياس أقسام القياس الاقتراني الحملي الأشكال الأربعة الاقتراني الشرطي القياس الاستثنائي القياسات المركبة تمرينات على الأقيسة * الاستقراء * التمثيل الباب السادس: الصناعات الخمس * تمهيد ۱۳۱ ۱۳۳ ۱۳۷ ١٤٦ ١٦٤ ۱۷۳ ١٧٤ ۱۸۲ ۲۰۰ ۲۱۰ ۲۱۱ ٢١٤ ۲۱۹ ۲۲۳ ۲۲۹ ٢٥٨ ۲۷۷ ٢٨٦ ٢٩٤ * الأقيسة المقدمة: في مبادئ الأقيسة ١. اليقينيات ٢. المظنونات . المشهورات ٤. الوهميات ه المسلمات ٦. المقبولات . المشبهات . المخيلات أقسام الأقيسة بحسب المادة * الفصل الأول: صناعة البرهان صناعة البرهان * الفصل الثاني: صناعة الجدل المبحث الأول - القواعد والأصول المبحث الثاني - المواضع المبحث الثالث - الوصايا * الفصل الثالث: صناعة الخطابة المبحث الأول - الأصول والقواعد المبحث الثاني - الأنواع المبحث الثالث - التوابع * الفصل الرابع: صناعة الشعر صناعة الشعر * الفصل الخامس: صناعة المغالطة المقدمات أجزاء الصناعة الذاتية أجزاء الصناعة العرضية. ٣٠٦ ۳۰۷ ۳۱۸ ۳۱۹ ۳۲۷ ۳۳۰ ۳۳۱ ۳۳۲ ۳۳۲ ٣٣٤ ۳۳۷ ٣٥٦ ٣٧٦ ۳۸۷ ۳۹۷ ٤٢٩ ٤٣٨ ٤٧٩