المنطق
وضعا لأنه يصلح أن يكون موضع بحث ونظر. وهو وجيه أيضا وقيل غير ذلك ولا يهم التحقيق فيه. . أصناف المواضع جميع المواضع في المطالب الجدلية إنما تتعلق بإثبات شيء لشيء أو نفيه عنه أي تتعلق بالإثبات والإبطال. وهذا على إطلاقه مما لا يسهل ضبطه وإعداد المواضع بحسبه. فلذلك وجب على من يريد إعداد المواضع وضبطها ليسهل عليه ذلك أن يصنفها ليلاحظ في كل صنف ما يليق به من المواضع ويناسبه. والتصنيف في هذا الباب إنما يحسن بتقسيم المحمولات حسب ما يليق بها في هذه الصناعة. وقد بحث المنطقيون هنا عن أقسام المحمولات بالأسلوب المناسب لهذه الصناعة وإن اختلف عن الأسلوب المعهود في بحث الكليات. ونحن لأجل أن نضع خلاصة لأبحاثهم وفهرسا لمباحثهم في هذا الباب نسلك طريقتهم في التقسيم فنقول: إن المحمول إما أن يكون مساويا للموضوع في الانعكاس وإما أن لا يكون: و (الأول) لا يخلو عن أحد أمرين: (أ) أن يكون دالا على الماهية. والدال على الماهية أحد شيئين حد أو اسم. والاسم ساقط عن الاعتبار هنا لأن حمله على الموضوع حمل لفظي لا حقيقي فلا يتعلق به غرض المجادل. فينحصر الدال على الماهية في (الحد) فقط. (ب) أن لا يكون دالا على الماهية. ويسمى هنا (خاصة) وقد يسمى أيضا (رسما) لأنه يكون موجبا لتعريف الماهية بتمييزها عما عداها. و (الثاني) لا يخلو أيضا عن أحد أمرين: (أ) أن يكون واقعا في طريق ما هو . ويسمى هنا (جنسا). والجنس بهذا الاصطلاح يشمل الفصل باصطلاح باب الكليات إذ لا فائدة تظهر في هذا الفن بين الجنس والفصل.
عما عداها. و (الثاني) لا يخلو أيضا عن أحد أمرين: (أ) أن يكون واقعا في طريق ما هو . ويسمى هنا (جنسا). والجنس بهذا الاصطلاح يشمل الفصل باصطلاح باب الكليات إذ لا فائدة تظهر في هذا الفن بين الجنس والفصل. وإنما كان الفصل من أقسام ما ليس بمساو للموضوع فلأنه بحسب مفهومه وذاته بالقوة يمكن أن يقع على الأشياء المختلفة بالحقيقة وإن كان فعلا لا يقع إلا على الأشياء المتفقة الحقيقة فإن الناطق مثلا لا يقع فعلا إلا على أفراد الإنسان ولكنه بالقوة وبحسب مفهومه يصلح للصدق على غير الإنسان لو كان له النطق فلا يمتنع فرض صدقه على غير الإنسان. فلم يكن مفهوما مساويا للإنسان. وبهذا الاعتبار يسمى هنا (جنسا). (ب) أن لا يكون واقعا في طريق ما هو ويسمى (عرضا). والعرض شامل للعرض العام وللعرض الذي هو أخص من الموضوع إذ أن كلا منهما غير مساو للموضوع كما أنه غير واقع في جواب ما هو. وعلى هذا فالمحمولات أربعة حد وخاصة وجنس وعرض، أما (النوع) فلا يقع محمولا لأنه إما أن يحمل على الشخص أو على الصنف ولا اعتبار بحمله على الشخص هنا لأن موضوعات مباحث الجدل كليات. وأما الصنف فحمل النوع عليه بمثابة حمل اللوازم لأن النوع ليس نوعا للصنف فيدخل النوع من هذه الجهة في باب العرض. وعليه فالنوع بما هو نوع لا يقع محمولا في القضية. بل إنما يقع موضوعا فقط. إذا عرفت أقسام المحمولات على النحو المتقدم الذي يهم الجدلي فاعلم أنه لا يتعلق غرض المجادل في مقام المخاصمة في أن محموله في مطلوبه أي
فالنوع بما هو نوع لا يقع محمولا في القضية. بل إنما يقع موضوعا فقط. إذا عرفت أقسام المحمولات على النحو المتقدم الذي يهم الجدلي فاعلم أنه لا يتعلق غرض المجادل في مقام المخاصمة في أن محموله في مطلوبه أي قسم منها فإن كل غرضه أن يتوصل إلى إثبات حكم أو إبطاله إما أنه جنس أو خاصة أو أي شيء آخر فليس ذلك يحتاج إليه. وإنما الذي يحتاج إليه قبل المخاصمة والمجادلة أو بعد المواضع لاستنباط المشهورات التي تنفعه عند المخاصمة. وإعداد هذه المواضع في هذه الصناعة يتوقف على تفصيل المحمولات حسب تلك الأقسام ليعرف لكل محمول ما يناسبه من المواضع. وعليه فالمواضع منها ما يخص الحد مثلا فينظر لأجل إثباته في أنه يجب أن يكون موجودا لموضوعه وأنه مساو له وأنه واقع في طريق ما هو وأنه قائم مقام الاسم في الدلالة على الموضوع. ومنها ما يخص الخاصة فينظر لأجل إثباتها في أنها يجب أن تكون موجودة لموضوعها وأنها مساوية له وأنها غير واقعة في طريق ما هو وهكذا باقي أقسام المحمولات. فتكون المواضع – على ما تقدم أربعة أصناف. ثم إن هناك مواضع عامة للإثبات والإبطال لا يخص أحد المحمولات الأربعة بالخصوص وتنفع في جميع المحمولات. وتسمى (مواضع الإثبات والإبطال). فيضاف هذا الصنف إلى الأصناف السابقة فتكون خمسة. ثم لاحظوا أن كثيرا ما يهم الجدلي إثبات أن هذا المحمول أشد من غيره أو أضعف أو أولى وغير أولى. وهذا إنما يصح فرضه في الأعراض الخاصة لأنها هي التي تقبل التفاوت فزادوا صنفا سادسا وسموه (مواضع الأولى
خمسة. ثم لاحظوا أن كثيرا ما يهم الجدلي إثبات أن هذا المحمول أشد من غيره أو أضعف أو أولى وغير أولى. وهذا إنما يصح فرضه في الأعراض الخاصة لأنها هي التي تقبل التفاوت فزادوا صنفا سادسا وسموه (مواضع الأولى والآثر) ثم لاحظوا أنه قد يتوجه نظر الجدلي إلى بحث آخر وهو إثبات الاتحاد بين الشيئين إما بحسب الجنس أو النوع أو العارض أو الوجود؛ فسموا المواضع في ذلك (مواضع هو هو). وعلى هذا فتكون المواضع سبعة وتفصيل هذه المواضع يحتاج إلى فن مستقل لا تسعه هذه الرسالة المختصرة. على أن كل مجادل مختص بفن كالفقيه والمتكلم والمحامي والسياسي لابد أن يتقن فنه قبل أن يبرز إلى الجدال فيطلع على ما فيه من مشهورات ومسلمات وما يقتضيه من المشهورات. فلا تكون له كبير حاجة إلى معرفة المواضع في علم المنطق وتحضيرها من طريقه. ولأجل ألا نكون قد حرمنا الطالب من التنبه للمقصود من المواضع نذكر بعض المواضع لبعض الأصناف السبعة المتقدمة ونحيله على الكتب المطولة في هذا الفن إذا أراد الاستزادة فنقول: ٤. مواضع الإثبات والإبطال مواضع الإثبات والإبطال نفعها عام في جميع المحمولات كما تقدم وإثبات وإبطال الأعراض داخلة في هذا الباب أيضا. وأشهر المواضع في هذا الباب عدوها عشرين موضعا وما ذكرناه من أمثلة المواضع فيما سبق هي من مواضع الإثبات والإبطال. ونذكر الآن مثالا واحدا غيرها وهو: أن العارض على المحمول عارض على موضوعه فيمكن أن تثبت عروض شيء للموضوع بعروضه لمحموله وتبطل عروضه للموضوع بعدم عروضه لمحموله فمثلا يقال : الجمهور .عاطفي. فالجمهور موضوع
ونذكر الآن مثالا واحدا غيرها وهو: أن العارض على المحمول عارض على موضوعه فيمكن أن تثبت عروض شيء للموضوع بعروضه لمحموله وتبطل عروضه للموضوع بعدم عروضه لمحموله فمثلا يقال : الجمهور .عاطفي. فالجمهور موضوع وعاطفي محمول. وهذا المحمول وهو العاطفي يوصف بأنه تقوى فيه طبيعة المحاكاة فيثبت من ذلك أن الجمهور يوصف بأنه تقوى فيه طبيعة المحاكاة. ويقال أيضا: السياسي نفعي. ثم إن هذا المحمول وهو النفعي يوصف بأنه يقدم منفعته الخاصة على المصلحة العامة. فيثبت أن السياسي يقدم منفعته الخاصة على المصلحة العامة. ويقال أيضا: الصادق عادل. ثم إن هذا المحمول وهو العادل. لا يوصف بكونه ظالما أي لا يعرض عليه الظلم. فيبطل بذلك كون الصادق ظالما. ومعنى هذا الموضع أنك تستنبط من مشهورين مشهورا ثالثا. والمشهوران هما حمل المحمول على موضوعه واتصاف المحمول بصفته كالمثالين الأولين فتستنبط المشهور الثالث وهو حمل صفة المحمول على الموضوع. أو المشهوران هما حمل المحمول على موضوعه وعدم اتصاف المحمول بصفة كالمثال الأخير فتستنبط منهما المشهور الثالث وهو إبطال اتصاف الموضوع بتلك الصفة. ه. مواضع الأولى والآثر أصل هذا الباب ترجيح شيء واحد من شيئين بينهما مشاركة في بعض الوجوه والألفاظ المستعملة المتداولة في التفضيل هي كلمة آثر وأولى وأفضل وأكثر وأزيد وأشد وأشرف وأقدم وما يجري مجرى ذلك. وما يقابل كل واحد منها مثل الأنقص والأخس والأقل والأضعف وهكذا. ولكل من كلمات التفضيل هذه خصوصية يطول الكلام في شرحها.
في التفضيل هي كلمة آثر وأولى وأفضل وأكثر وأزيد وأشد وأشرف وأقدم وما يجري مجرى ذلك. وما يقابل كل واحد منها مثل الأنقص والأخس والأقل والأضعف وهكذا. ولكل من كلمات التفضيل هذه خصوصية يطول الكلام في شرحها. وإنما يحتاج إلى المواضع في هذا الباب في الأمور التي لا يظهر فيها التفاضل لأول وهلة وإلا فما هو ظاهر التفاضل فيه مثل: إن الشمس أكثر ضوءا من القمر يكون إيراد المواضع لإثباته حشوا ولغوا. وكثيرا ما يقع التنازع بين الناس في تفضيل شخص على شخص أو شيء على شيء من مأكولات وملبوسات ومسكونات ومراتب ووظائف وأخلاق وعادات ... وهكذا. والتنازع تارة يكون من هو الأفضل مع الاتفاق على وجه الفضيلة كأن يتنازع شخصان في أن حاتم الطائي أكثر كرما أم معن بن زائدة مع الاتفاق بينهما على أن الكرم فضيلة وأنه قد اتصفا بها معا. ومثل هذا النزاع إنما يتوقف على ثبوت حوادث تاريخية تكشف عن الأفضلية وليس على هذا الفن. وأخرى يكون النزاع في وجه الأفضلية كأن يتنازعا في أنه أيهما أولى بأن يوصف بالكرم مع الاتفاق على أن معنا مثلا يجود بفضل ماله وحاتما يجود بكل ما يملك ومع الاتفاق أيضا على أن ما جاد به معن أكثر بكثير في تقدير المال مما جاد به حاتم. وحينئذ يكون النزاع في العبرة في الأفضلية بالكرم هل هو بمقدار العطاء فيكون معن أفضل من حاتم أو بما يتحقق به معنى الإيثار فيكون حاتم أفضل. ويمكن أن يتمسك القائل الأول بموضع في هذا الباب وهو (إن ما يفيد خيرا أكثر فهو آثر وأولى بالفضل فيكون معن أفضل. ويمكن أن يتمسك القائل الثاني بموضع آخر فيه وهو إن ما ينبعث من تضحية أكثر بالحاجة والنفس
ل. ويمكن أن يتمسك القائل الأول بموضع في هذا الباب وهو (إن ما يفيد خيرا أكثر فهو آثر وأولى بالفضل فيكون معن أفضل. ويمكن أن يتمسك القائل الثاني بموضع آخر فيه وهو إن ما ينبعث من تضحية أكثر بالحاجة والنفس فهو آثر وأولى بالفضل فيكون حاتم أفضل. فهذان موضعان من هذا الباب يمكن أن يستدل بهما الخصمان المتجادلان. هذا أقصى ما أمكن بيانه من المواضع. وعليك بالمطولات في استقصائها إن أردت ومن الله تعالى التوفيق. المبحث الثالث - الوصايا - الوصايا ۱. تعليمات للسائل تقدم في الباب الأول من هو (السائل). وعليه لتحصيل غرضه وهو الحصول على اعتراف (المجيب) - أن يتبع التعليمات الثلاثة الآتية: - أن يحضر لديه قبل توجيه السؤال - الموضع أو المواضع التي منها يستخرج المقدمة المشهورة اللازمة له. ٢ أن يهيئ في نفسه – قبل السؤال أيضا - الطريقة والحيلة التي يتوسل بها لتسليم المجيب بالمقدمة والتشنيع على منكرها. ٣ لما كان من اللازم عليه أن يصرح بما يضمره في نفسه من المطلوب الذي يستلزم نقض وضع الخصم فليجعل هذا التصريح آخر مراحل أسئلته وكلامه بعد أن يأخذ من الخصم الاعتراف والتسليم بما يريد ويتوثق من عدم بقاء مجال عنده للإنكار. هذه هي الخطوط الأولى الرئيسة التي يجب أن يتبعها السائل في مهمته. ثم لأخذ الاعتراف طرق كثيرة ينبغي أن يتبع إحدى الوصايا الآتية لتحقيقها : ألا يطلب من أول الأمر التسليم من الخصم بالمقدمة اللازمة لنقض وضعه. وبعبارة ثانية ينبغي ألا يقتحم الميدان في الجدل في أول جولة بالسؤال عن نفس المقدمة المطلوبة له. والسر في ذلك أن المجيب حينئذ يكون في مبدأ قوته وانتباهه فقد يتنبه إلى مطلوب السائل فيسرع في الإنكار ويعاند.
عبارة ثانية ينبغي ألا يقتحم الميدان في الجدل في أول جولة بالسؤال عن نفس المقدمة المطلوبة له. والسر في ذلك أن المجيب حينئذ يكون في مبدأ قوته وانتباهه فقد يتنبه إلى مطلوب السائل فيسرع في الإنكار ويعاند. ٢ وإذا انتهى به السؤال عن المطلوب فلا ينبغي أيضا أن يوجه السؤال رأسا عن نفس المطلوب خشية أن يشعر الخصم فيفر من الاعتراف بل له مندوجة عن ذلك باتباع أحد الطرق أو الحيل الآتية: (الأولى) - أن يوجه السؤال عن أمر أعم من مطلوبه فإذا اعترف بالأعم ألزمه قهرا بالاعتراف بالأخص بطريقة القياس الاقتراني. (الثانية) أن يوجه السؤال عن أمر أخص فإذا اعترف به فبطريقة الاستقراء يستطيع أن يلزم خصمه بمطلوبه. (الثالثة) - أن يوجه السؤال عن أمر يساويه فإذا اعترف به فبطريقة التمثيل يتمكن من إلزامه إذا كان ممن يرى التمثيل حجة. (الرابعة) - أن يعدل عن السؤال عن الشيء إلى السؤال عما يشتق منه مثل ما إذا أراد أن يثبت أن الغضبان مشتاق للانتقام فقد ينكر الخصم ذلك لو سئل عنه فيدعى مثلا أن الأب يغضب على ولده ولا يشتاق إلى الانتقام منه فيعدل إلى السؤال عن نفس الغضب فيقال: أليس الغضب هو شهوة الانتقام؟ فإذا اعترف به يقول له: إذن الغاضب مشته للانتقام. (الخامسة) - أن يقلب السؤال بما يوهم الخصم أن يريد الاعتراف منه بنقيض ما يريد كما لو أراد مثلا إثبات أن اللذة خير فيقول: أليست اللذة ليست خيرا؟ فهذا السؤال قد يوهم المخاطب أنه يريد الاعتراف بنقيض المطلوب فيبادر عادة إلى الاعتراف بالمطلوب إذا كان من طبعه العناد لما يريده السائل. ولكل من هذه الحيل الخمس مواضع قد تنفع فيها إحداها ولا تنفع الأخرى. فعلى السائل الذكي أن يختار ما يناسب المقام.
بنقيض المطلوب فيبادر عادة إلى الاعتراف بالمطلوب إذا كان من طبعه العناد لما يريده السائل. ولكل من هذه الحيل الخمس مواضع قد تنفع فيها إحداها ولا تنفع الأخرى. فعلى السائل الذكي أن يختار ما يناسب المقام. ٣ ألا يرتب المقدمات في المخاطبة ترتيبا قياسيا على وجه يلوح للخصم انسياقها إلى المطلوب بل ينبغي أن يشوش المقدمات ويخل بترتيبها فيراوغ في الوصول الى المطلوب على وجه لا يشعر الخصم. ٤ أن يتظاهر في سؤاله أنه كالمستفهم الطالب للحقيقة المقدم للإنصاف على الغلبة بل ينبغي أن يلوح عليه الميل إلى مناقضة نفسه وموافقة خصمه لينخدع به الخصم المعاند فيطمئن إليه. وحينئذ يسهل عليه استلال الاعتراف منه من حيث يدري ولا يدري. ٥ أن يأتي بالمقدمات في كثير من الأحوال على سبيل مضرب المثل أو الخبر ويدعي في قوله ظهور ذلك وشهرته وجري العادة عليه ليجد الخصم إن جحدها أمام الجمهور مما يوجب الاستخفاف به والاستهانة له فيجبن عن إنكارها . ٦ أن يخلط الكلام بما لا ينفع في مقصوده ليضيع على الخصم ما يريده من المقدمة المطلوبة بالخصوص. والأفضل أن يجعل الحشو حقا مشهورا في نفسه فإنه يضطر إلى التسليم به وإذا سلم به أمام الجمهور قد يندفع مضطرا إلى التسليم بما هو مطلوب انسياقا مع الجمهور الذي يفقد على الأكثر قوة التمييز.
لمطلوبة بالخصوص. والأفضل أن يجعل الحشو حقا مشهورا في نفسه فإنه يضطر إلى التسليم به وإذا سلم به أمام الجمهور قد يندفع مضطرا إلى التسليم بما هو مطلوب انسياقا مع الجمهور الذي يفقد على الأكثر قوة التمييز. ٧ إن من الخصوم من هو مغرور بعلمه معتد بذكائه فلا يبالي أن يسلم في مبدأ الأمر بما يلقى عليه من الأسئلة ظنا منه بأن السائل لا يتمكن من أن يظفر منه بتسليم ما يهدم وضعه وبأنه يتمكن حينئذ من اللجاج والعناد. فمثل هذا الشخص ينبغي للسائل أن يمهد له بتكثير الأسئلة عما لا جدوى له في مقصوده حتى إذا استنفذ غاية جهده قد يتسرب إليه الملل والضجر فيضيع عليه وجه القصد أو يخضع للتسليم. ٨ إذا انتهى إلى مطلوبه من الاستلزام لنقض وضع الخصم فعليه أن يعبر عنه بأسلوب قوي الأداء لا يشعر بالشك والترديد ولا يلقيه على سبيل الاستفهام فإن الاستفهام هنا يضعف أسلوبه فيفتح به للخصم مجالا لإنكار الملازمة أو إنكار المشهور فيرجع الكلام من جديد جذعا. وقد يشق عليه أن يوجه هذه المرة أسئلة نافعة في المقصود فيغلب على أمره. ٩ أن يفهم نفسية الجماعات والجماهير من جهة أنها تنساق إلى الإغراء وتتأثر ببهرجة الكلام حتى يستغل ذلك للتأثير فيها والمفروض أن الغرض الأصيل من الجدل التغلب على الخصم أمام الجمهور. وينبغي له أن يلاحظ أفكار الحاضرين ويجلب رضاهم بإظهار أن هدفه نصرتهم وجلب المنفعة لهم ليسهل عليه أن يجرهم إلى جانبه فيسلموا بما يريد التسليم به منهم. وبهذا يستطيع أن يقهر خصمه على الموافقة للجمهور في تسليم ما سلموا به لأن مخالفة الجمهور فيما اتفقوا عليه أمامهم يشعر الإنسان بالخجل والخيبة. ١٠ وهو آخر وصايا السائل - إذا ظهر على الخصم العجز عن جوابه وانقطع عن الكلام فلا يحسن منه أن يلح عليه أو يسخر منه أو يقدح فيه بل لا يحسن أن يعقبه بكل كلام يظهر مغلوبيته وعجزه فإن ذلك قد يثير الجمهور نفسه ويسقط احترامه عندهم فيخسر تقديرهم من حيث يريد النجاح والغلبة.
ع عن الكلام فلا يحسن منه أن يلح عليه أو يسخر منه أو يقدح فيه بل لا يحسن أن يعقبه بكل كلام يظهر مغلوبيته وعجزه فإن ذلك قد يثير الجمهور نفسه ويسقط احترامه عندهم فيخسر تقديرهم من حيث يريد النجاح والغلبة. ۲. تعليمات للمجيب إن (المجيب) كما قدمنا مدافع عن مهاجمة خصمه (السائل). والمدافع غالبا أضعف كفاحا من المهاجم وأقرب إلى المغلوبية لأن المبادأة بيد المهاجم فهو يستطيع أن ينظم هجومه بالأسئلة كيف يشاء ويترك منها ما يشاء. والمجيب على الأكثر مقهور على مماشاة السائل في المحاورة. وعلى هذه فمهمة المجيب أشق وأدق واللازم له عدة طرق مترتبة يسلكها بالتدريج أولا فأولا فإن لم يسلك الأول أخذ بالثاني وهكذا. وهي حسب الترتيب: - أولا أن يحاول الالتفاف على السائل بأن يحور الكلام إن استطاع فيعكس عليه الدائرة بتوجيه الأسئلة مهاجما ولابد أن السائل له وضع يلتزم به يخالف وضع المجيب. فينقلب حينئذ المهاجم مدافعا والمدافع مهاجما. وبهذه الطريقة يصبح أكثر تمكنا من الأخذ بزمام المحاورة بل يصبح في الحقيقة هو السائل. ثانيا إذا عجز عن الطريقة الأولى وهي الالتفاف يحاول إرباك السائل وإشغاله بأمور تبعد عليه المسافة كسبا للوقت كيما يعد عدته للجواب الشافي مثل أن يجد في أسئلته لفظا مشتركا فيستفسر عن معانيه ليتركه يفصلها ثم يناقشه فيها. أو هو يتولى تفصيلها ليذكر أي المعاني يصح السؤال عنه وأيها لا يصح. وفي هذه قد تحصل فائدة أخرى فإنه بتفصيل المعاني المشتركة قد تنبثق له طريقة للهرب عما يلزمه به السائل بأن يعترف مثلا بأحد المعاني الذي لا يلزم منه نقض وضعه.
ليذكر أي المعاني يصح السؤال عنه وأيها لا يصح. وفي هذه قد تحصل فائدة أخرى فإنه بتفصيل المعاني المشتركة قد تنبثق له طريقة للهرب عما يلزمه به السائل بأن يعترف مثلا بأحد المعاني الذي لا يلزم منه نقض وضعه. - ثالثا إذا لم تنجح الطريقة الثانية وهي طريقة الإشغال والإرباك يحاول إن استطاع - الامتناع من الاعتراف بما يستلزم نقض وضعه. وينبغي أن يعلم أنه لا ضير عليه بالاعتراف بالمشهورات إذا كان وضعه مشهورا حقيقيا لأنه – غالبا لا ينتج المشهور إلا مشهورا فلا يتوقع من المشهورات أن تنتج ما يناقض وضعه المشهور. وليس معنى الهرب من الاعتراف أن يمتنع من الاعتراف بكل شيء يلقى عليه. فإن هذه الحالة قد تظهره أمام الجمهور بمظهر المعاند المشاغب فيصبح موضعا للسخرية والنقد بل يحاول الهرب من الاعتراف بخصوص ما يوجب نقض وضعه. رابعا إذا وجد أن الطريقة الثالثة لا تنفع وهي طريقة الهرب من الاعتراف (وذلك عندما يكون المسؤول عنه الذي يحذر من الاعتراف به مشهورا مطلقا لأن العناد في مثله أكثر قبحا من الالتزام (به) فعليه ألا يعلن عن إنكاره له صراحة لأنه لو فعل ذلك في مثله فهو يخسر أمام الحاضرين كرامة نفسه وفي نفس الوقت يخسر وضعه الملتزم له فلا مناص له حينئذ من اتباع أحد طريقين: (الأول) - أن يعلن الاعتراف. ولا ضير عليه في ذلك لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف وضعه الذي يلتزمه لا على قصور نفسه وعلمه. وهذا وإن كان من وجهة يكشف عن قصور نفسه إذ يلتزم بما لا ينبغي الالتزام به ولكن ينبغي له لتلافي ذلك في هذا الموقف (وهو أدق المواقف التي تمر على المجيب المنصف المحب للحق والفضيلة) أن يعلن أنه طالب للحق ومؤثر للإنصاف والعدل له أو عليه. وهذا لعله يعوض عما يخسر من المحافظة على وضعه بالاحتفاظ على سمعته وكرامته. (الثاني) - إذا وجد أنه يعز عليه إعلان الاعتراف فإن آخر ما يمكنه أن يفعله أن يتلطف في أسلوب الامتناع الذي التزمه كأن يقول : لا يعترفون بذلك، فيلقي تبعة الإنكار على غيره. أو يقول: كيف يطلب مني الاعتراف وأنا بعد لم أوضح مقصودي فيؤجل ذلك إلى مراجعة أو مشاورة أو نحو ذلك من أساليب الهرب من التصريح بالإنكار أو من التصريح بالاعتراف. خامسا بعد أن تعز عليه جميع السبل من الهرب من الاعتراف ويعترف بالمشهور فإنه يبقى له طريق واحد لا غير. وهو مناقشة الملازمة بين المشهور المعترف به وبين نقض وضعه بأن يلحق المشهور مثلا بقيود وشرائط تجعله لا ينطبق على مورد النزاع أو نحو ذلك من الأساليب التي يتمكن بها من مناقشة الملازمة. وهذه مرحلة دقيقة شاقة تحتاج إلى علم ومعرفة وفطنة.
ر المعترف به وبين نقض وضعه بأن يلحق المشهور مثلا بقيود وشرائط تجعله لا ينطبق على مورد النزاع أو نحو ذلك من الأساليب التي يتمكن بها من مناقشة الملازمة. وهذه مرحلة دقيقة شاقة تحتاج إلى علم ومعرفة وفطنة. ۳. تعليمات مشتركة للسائل والمجيب أو آداب المناظرة (أولا) - أن يكون ماهرا في عدة اشياء: ١ في إيراد عكس القياس بأن يتمكن من جعل القياس الواحد أربعة أقيسة بحسب تقابل التناقض والتضاد. ٢ في إيراد العكس المستوي وعكس النقيض ونقض المحمول والموضوع فإن هذا يفيده في التوسع بإيراد الحجج المتعددة على مطلوبه أو إبطال مطلوب غيره. ٣ في إيراد مقدمات كثيرة لإثبات كل مطلوب من مواضع مختلفة وكذلك إبطاله. إلى غير ذلك من أشياء تزيد في قوة إيراد الحجج المتعددة. (ثانيا) أن يكون لسنا منطقيا يستطيع أن يجلب انتباه الحاضرين وأنظارهم نحوه ويحسن أن يثير إعجابهم به وتقديرهم لبراعته الكلامية. (ثالثا) أن يتخير الألفاظ الجزلة الفخمة ويتجنب العبارات الركيكة العامية ويتقي التمتمة والغلطة في الألفاظ والأسلوب للسبب المتقدم. (رابعا) - ألا يدع لخصمه مجال الاستقلال بالحديث فيستغل أسماع الحاضرين وانتباههم له لأن استغلال الحديث في الاجتماع مما يعين على الظهور على الغير والغلبة عليه. ( خامسا) - أن يكون متمكنا من إيراد الأمثال والشواهد من الشعر والنصوص الدينية والفلسفية والعلمية وكلمات العظماء والحوادث الصغيرة الملائمة. وذلك عند الحاجة طبعا. بل ينبغي أن يكثر من ذلك ما وجد إليه سبيلا فإنه يعنيه كثيرا على تحقيق مقصوده والغلبة على خصمه. والمثل الواحد قد يفعل في النفوس ما لا تفعله الحجج المنطقية من الانصياع إليه والتسليم به.
عند الحاجة طبعا. بل ينبغي أن يكثر من ذلك ما وجد إليه سبيلا فإنه يعنيه كثيرا على تحقيق مقصوده والغلبة على خصمه. والمثل الواحد قد يفعل في النفوس ما لا تفعله الحجج المنطقية من الانصياع إليه والتسليم به. ( سادسا) أن يتجنب عبارة الشتم واللعن والسخرية والاستهزاء ونحو ذلك مما يثير عواطف الغير ويوقظ الحقد والشحناء. فإن هذا يفسد الغرض من المجادلة التي يجب أن تكون بالتي هي أحسن. (سابعا) - ألا يرفع صوته فوق المألوف المتعارف فإن هذا لا يكسبه إلا ضعفا ولا يكون إلا دليلا على الشعور بالمغلوبية بل الذي يجب عليه أن يلقي الكلام القوي الأداء لا يشعر بالتردد والارتباك والضعف والانهيار وإن أداه بصوت منخفض هادئ فإن تأثير هذا الأسلوب أعظم بكثير من تأثير أسلوب الصياح والصراخ. (ثامنا) أن يتواضع في خطاب خصمه ويتجنب عبارات الكبرياء والتعاظم والكلمات النابية القبيحة. ( تاسعا) أن يتظاهر بالإصغاء الكامل لخصمه ولا يبدأ بالكلام إلا من حيث ينتهي من بيان مقصوده فإن الاستباق إلى الكلام سؤالا وجوابا قبل أن يتم خصمه كلامه يربك على الطرفين سير المحادثة ويعقد البحث من جهة ويثير غضب الخصم من جهة أخرى. يعديه بمرضه (عاشرا) أن يتجنب (حد الإمكان) مجادلة طالب الرياء والسمعة ومؤثر الغلبة والعناد ومدعي القوة والعظمة فإن هذا من جهة فينساق بالأخير مقهورا إلى أن يكون شبيها به في هذا المرض. و من جهة أخرى لا يستطيع مع مثل هذا الشخص أن يتوصل إلى نتيجة مرضية في المجادلة. ولو اضطر إلى مجادلة مثل هذا الخصم فلا ضير عليه أن يستعمل الحيل في محاورته ويغالطه في حججه بل لا ضير عليه في استعمال حتى مثل الاستهزاء والسخرية وإخجاله.
هذا الشخص أن يتوصل إلى نتيجة مرضية في المجادلة. ولو اضطر إلى مجادلة مثل هذا الخصم فلا ضير عليه أن يستعمل الحيل في محاورته ويغالطه في حججه بل لا ضير عليه في استعمال حتى مثل الاستهزاء والسخرية وإخجاله. و (الوصية الأخيرة لكل مجادل - مهما كان - ألا يكون همه إلا الوصول إلى الحق وإيثار الإنصاف وأن ينصف خصومه من نفسه ويتجنب العناد بالإصرار على الخطأ فإنه خطأ ثان بل ينبغي أن يعلن ذلك ويطلبه من خصمه بإلحاح حتى لا يشد الطرفان عن طلب الحق والعدل والإنصاف. وهذا أصعب شيء يأخذ الإنسان به نفسه فلذلك عليه أن يستعين على نفسه بطلب المعونة من الله سبحانه فإنه تعالى مع المتقين الصابرين. الفصل الثالث صناعة الخطابة وهو يقع في ثلاثة مباحث: ا في الأصول والقواعد. ٢ في الأنواع. في التوابع. المبحث الأول - الأصول والقواعد 1. وجه الحاجة إلى الخطابة كثيرا ما يحتاج المشرعون ودعاة المبادئ والسياسيون ونحوهم الى إقناع الجماهير فيما يريدون تحقيقه إذ تحقيق فكرتهم أو دعوتهم لا تتم إلا برضا الجمهور عنها وقناعتهم بها. والجمهور لا يخضع للبرهان ولا يقنع به كما لا يخضع للطرق الجدلية لأن الجمهور تتحكم به العاطفة أكثر من التعقل والتبصر بل ليس له الصبر على التأمل والتفكير ومحاكمة الأدلة والبراهين وإنما هو سطحي التفكير فاقد للتمييز الدقيق. تؤثر فيه المغريات وتبهره العبارات البراقة وتقنعه الظواهر الخلابة. ولعدم صبره على التمييز الدقيق نجده إذا عرضت عليه فكرة لا يتمكن من التفكيك بين صحيحها وسقيمها فيقبلها كلها أو يرفضها كلها.
مييز الدقيق. تؤثر فيه المغريات وتبهره العبارات البراقة وتقنعه الظواهر الخلابة. ولعدم صبره على التمييز الدقيق نجده إذا عرضت عليه فكرة لا يتمكن من التفكيك بين صحيحها وسقيمها فيقبلها كلها أو يرفضها كلها. وعليه فيحتاج من يريد التأثير على الجماهير في إقناعهم أن يسلك مسلكا آخر غیر مسلك البرهان والجدل المتقدمين فإن الذي يبدو أن الطرق العقلية عاجزة عن التأثير على عقائد الناس وتحويلها لعجزها عن التأثير على عواطفهم المتحكمة فيهم. بل لا يقتصر هذا الأمر على الجمهور بما هو جمهور فإن كل فرد من أفراد العامة إذا كان قليل الثقافة والمعرفة هو أبعد ما يكون عن الإقتناع بالطرق البرهانية أو الجدلية بل أكثر الخاصة المثقفين - وإن ظنوا في أنفسهم المعرفة وحرية الرأي ينجذبون إلى الطرق المقنعة المؤثرة على العواطف وينخدعون بها. بل لا يستغنون عنها في كثير من آرائهم واعتقاداتهم بالرغم على قناعتهم بمعرفتهم وثقافتهم التي قد يتخيلون أنهم قد بلغوا بها الغاية. فيجب أن تكون المخاطبة التي يتلقاها الجمهور والعامي وشبهه من نوع لا تكون مرتفعة ارتفاعا بعيدا عن درجة مثله. ولذا قيل: (كلم الناس على قدر عقولهم). ولم تبق لنا صناعة هذا الغرض غير صناعة الخطابة فإن الأسلوب الخطابي أحسن شيء للتأثير على الجمهور والعامي. وكل شخص استطاع أن يكون خطيبا بالمعنى المقصود من الخطابة في هذا الفن فإنه هو الذي يستطيع أن يستغل الجمهور والعوام ويأخذ بأيديهم إلى الخير أو الشر. فهذا وجه حاجتنا معاشر الناس إلى صناعة الخطابة ولزم على من يريد قيادة الجمهور إلى الخير أن يتعلم هذه الصناعة وهي عبارة عن معرفة طرق الإقناع. فإن الخطابة أنجح من غيرها في الإقناع كما أن الجدل في الإلزام أنفع. . وظائف الخطابة وفوائدها
اعة الخطابة ولزم على من يريد قيادة الجمهور إلى الخير أن يتعلم هذه الصناعة وهي عبارة عن معرفة طرق الإقناع. فإن الخطابة أنجح من غيرها في الإقناع كما أن الجدل في الإلزام أنفع. . وظائف الخطابة وفوائدها مما تقدم نستطيع أن نعرف أن وظائف الخطابة هو الدفاع عن الرأي وتنوير الرأي العام في أي أمر من الأمور والحض على الاقتناع بمبدأ من المبادئ والتحريض على اكتساب الفضائل والكمالات واجتناب الرذائل والسيئات وإثارة شعور العامة وإيقاظ الوجدان والضمير فيهم. وبالاختصار وظيفتها إعداد النفوس لتقبل ما يريد الخطيب أن تقتنع به. وبهذا نعرف أن فائدة الخطابة فائدة كبيرة بل هي ضرورة اجتماعية في حياة الناس العامة. - وه بالإضافة إلى معرفة هذه وهي بعد وظيفة شاقة إذ أنها تعتمد الصناعة على مواهب الخطيب الشخصية التي تصقل بالتمرين والتجارب ولا تكتسب بهذه الصناعة ولا بغيرها وإنما وظيفة هذه الصناعة توجيه تلك المواهب وإعداد ما يلزم لمعرفة طرق اكتساب ملكة الخطابة مع المران الطويل وكثرة التجارب. وسيأتي التنصيص على حاجة الخطابة إلى المواهب الشخصية. . تعريف هذه الصناعة وبيان معنى الخطابة يمكن مما تقدم أن نتصيد تعريف صناعة الخطابة على النحو الآتي حسبما هو معروف عند المنطقيين: «إنها صناعة علمية بسببها يمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان».
ان معنى الخطابة يمكن مما تقدم أن نتصيد تعريف صناعة الخطابة على النحو الآتي حسبما هو معروف عند المنطقيين: «إنها صناعة علمية بسببها يمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان». هذا هو تعريف أصل هذه الصناعة التي غايتها حصول ملكة الخطابة التي بها يتمكن الشخص الخطيب من إقناع الجمهور. والمراد من القناعة هو التصديق بالشيء مع الاعتقاد بعدم إمكان أن يكون له ما ينقض ذلك التصديق أو مع الاعتقاد بإمكان ما ينقضه إلا أن النفس تصير بسبب الطرق المقنعة أميل إلى التصديق من خلافه. وهذا الأخير هو المسمى عندهم (بالظن) على نحو ما تقدم في هذا الجزء. ثم أنه ليس المراد من لفظ (الخطابة) التي وضعت لها هذه الصناعة مجرد معنى الخطابة المفهوم من لفظها في هذا العصر وهو أن يقف الشخص ويتكلم بما يسمع المجتمعين بأي أسلوب كان بل أسلوب البيان وأداء المقاصد بما يتكفل إقناع الجمهور هو الذي يقوم معنى الخطابة وإن كان بالكتابة أو المحاورة كما يحصل في محاورة المرافعة عند القضاة والحكام. وهذه الصناعة تتكفل ببيان هذا الأسلوب وكيف يتوصل إلى إقناع الناس بالكلام وما لهذا الأسلوب من مساعدات وأعوان من صعود على مرتفع ورفع صوت ونبرات خاصة وما إلى ذلك مما سيأتي شرحه. أ ٤. أجزاء الخطابة الخطابة تشتمل على جزأين العمود والأعوان. (العمود) ويقصدون بالعمود هنا مادة قضايا الخطابة التي تتألف منها الحجة الإقناعية. وتسمى الحجة الإقناعية باصطلاح هذه الصناعة (التثبيت) على ما سيأتي. وبعبارة أخرى : العمود هو كل قول منتج لذاته للمطلوب إنتاجا بحسب الإقناع. وإنما سمي عمودا فباعتبار أنه قوام الخطابة وعليه الاعتماد في الإقناع.
لحجة الإقناعية باصطلاح هذه الصناعة (التثبيت) على ما سيأتي. وبعبارة أخرى : العمود هو كل قول منتج لذاته للمطلوب إنتاجا بحسب الإقناع. وإنما سمي عمودا فباعتبار أنه قوام الخطابة وعليه الاعتماد في الإقناع. ب (الأعوان) ويقصدون بها الأقوال والأفعال والهيئات الخارجية عن العمود المعينة له على الإقناع المساعدة له على التأثير المهيئة للمستمعين على قبوله. وكل من الأمرين العمود والأعوان يعد في الحقيقة جزءا مقوما للخطابة لأن العمود وحده قد لا يؤدي تمام الغرض من الإقناع بل على الأكثر يفشل في تحقيقه. والمقصود الأصلي من الخطابة هو الإقناع كما تقدم فكل ما هو مقتض له دخيل في تحققه لابد أن يكون في الخطابة دخيلا وإن كان من الأمور الخارجة عن مادة القضايا التي تتألف منه الحجة (العمود). وقولنا هنا: مقتض) للإقناع نقصد به أعم مما يكون مقتضيا لنفس الإقناع أو مقتضيا للاستعداد له والمقتضي لنفس الإقناع ليس العمود وحده ربما يتخيل بل شهادة الشاهد أيضا تقتضيه مع أنها من الأعوان. كما وشهادة الشاهد على قسمين شهادة قول وشهادة حال. فهذه أربعة أقسام ينبغي البحث عنها العمود والشهادة القولية وشهادة الحال والمقتضي للاستعداد للإقناع. ويمكن فتح البحث فيها بإسلوب آخر من التقسيم بأن تقول: الخطابة تشتمل على عمود وأعوان. ثم الأعوان على قسمين إما بصناعة وحيلة وإما بغير صناعة وحيلة. والأول وهو ما كان بصناعة وحيلة ويسمى (استدراجات فعلى ثلاثة أقسام: استدراجات بحسب القائل أو بحسب القول أو بحسب المستمع. والثاني هو ما كان بغير صناعة وحيلة يسمى (نصرة) و(شهادة). وهي الشهادة - على قسمين شهادة قول وشهادة حال. فهذه ستة أقسام:
استدراجات فعلى ثلاثة أقسام: استدراجات بحسب القائل أو بحسب القول أو بحسب المستمع. والثاني هو ما كان بغير صناعة وحيلة يسمى (نصرة) و(شهادة). وهي الشهادة - على قسمين شهادة قول وشهادة حال. فهذه ستة أقسام: ۱ العمود. ۲ استدراجات القائل. استدراجات بحسب القول. ٤ استدراجات بحسب المستمع. ه شهادة القول. شهادة الحال. فهذه الستة هي بالأخير تكون أجزاء الخطابة فينبغي البحث عنها واحدة واحدة. ه. العمود (العمود) وقد تقدم معناه يتألف من المظنونات أو المقبولات أو المشهورات أو المختلفة بينها. وقد سبق شرح هذه المعاني تفصيلا في مقدمة الصناعات الخمس فلا نعيد. واستعمال (المشهورات) في الخطابة باعتبار ما لها من التأثير على السامعين في الإقناع. ولذا لا يعتبر فيها إلا أن تكون مشهورات ظاهرية وهي التي تحمد في بادئ الرأي وإن لم تكن مشهورات حقيقية. وبهذا تفترق الخطابة عن الجدل إذ الجدل لا يستعمل فيه إلا المشهورات الحقيقية. وقد سبق ذلك في الجدل. وقلنا هناك : إن الظاهرية تنفع فقط في صناعة الخطابة) وإنما قلنا ذلك فلأن الخطابة غايتها الإقناع ويكتفى بما هو مشهور أو مقبول لدى المستمعين وإن كان مشهورا في بادئ الرأي وتذهب شهرته بالتعقيب إذ ليس فيها رد وبدل ومناقشة وتعقيب على العكس من الجدل المبني على المحاورة والمناقضة فلا ينبغي فيه استعمال المشهورات الظاهرية إذ يعطي بذلك مجال للخصم لنقضها وتعقيبها بالرد. أما المظنونات والمقبولات فواضح اعتبارها في عمود الخطابة. ٦. الاستدراجات بحسب القائل
لمبني على المحاورة والمناقضة فلا ينبغي فيه استعمال المشهورات الظاهرية إذ يعطي بذلك مجال للخصم لنقضها وتعقيبها بالرد. أما المظنونات والمقبولات فواضح اعتبارها في عمود الخطابة. ٦. الاستدراجات بحسب القائل وهي من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع وتكون بصناعة وحيلة. وذلك بأن يظهر الخطيب قبل الشروع في الخطابة بمظهر مقبول القول عندهم. ويتحقق ذلك على نحوين أن يثبت فضيلة نفسه إذا لم يكن معروفا لدى المستمعين إما بتعريفه هو لنفسه أو بتعريف غيره يقدمه لهم بالثناء بأن يعرف نسبه وعلمه ومنزلته الاجتماعية أو وظيفته إذا كان موظفا أو نحو ذلك. ولمعرفة شخصية الخطيب الأثر البالغ - إذا كانت له شخصية محترمة في سهولة انقياد المستمعين إليه والإصغاء له وقبول قوله فإن الناس تنظر إلى من قال لا إلى ما قيل وذلك اتباعا لطبيعة المحاكاة التي هي من غريزة الإنسان لا سيما في محاكاته لمن يستطيع أن يسيطر على مشاعره وإعجابه.
ولة انقياد المستمعين إليه والإصغاء له وقبول قوله فإن الناس تنظر إلى من قال لا إلى ما قيل وذلك اتباعا لطبيعة المحاكاة التي هي من غريزة الإنسان لا سيما في محاكاته لمن يستطيع أن يسيطر على مشاعره وإعجابه. ولا سيما في المجتمعات العامة فإن غرائز الإنسان وبالخصوص غريزة المحاكاة تحيا في حال الاجتماع أو تقوى. ٢ أن يظهر بما يدعو إلى تقديره واحترامه وتصديقه والوثوق بقوله. وذلك يحصل بأمور: (منها) لباسه و هندامه فاللازم على الخطيب أن يقدر المجتمعين ونفسياتهم وما يقدر من مثله أن يظهر به فقد يقتضي أن يظهر بأفخر اللباس وبأحسن بزة تليق بمثله وقد يقتضي أن يظهر بمظهر الزاهد الناسك. وهذا يختلف باختلاف الدعوة وباختلاف الحاضرين. وعلى كل حال ينبغي أن يكون الخطيب مقبول الهيئة عند الحاضرين حتى لا يثير تهكمهم أو اشمئزازهم أو تحقيرهم له. و (منها) ملامح وجهه وتقاطيع جبينه ونظرات عينيه وحركات يديه وبدنه فإن هذه أمور معبرة ومؤثرة في السامعين إذا استطاع الخطيب أن يحسن التصرف بها حسبما يريده من البيان والإقناع. وبعبارة أصرح: ينبغي أن يكون ممثلا في مظهره فيبدو حزينا في موضع الحزن وقد يلزم له أن يبكي أو يتباكى ويبدو مسرورا مبتشا في موضع السرور ويبدو بمظهر الصالح الواثق من قوله المؤمن بدعوته في موضع ذلك... وهكذا. وكثير من الواعظين يتأثر الناس بهم بمجرد النظر إليهم قبل أن يتفوهوا وكم من خطيب في مجالس ذكرى مصرع سيد الشهداء ع يدفع الناس إلى البكاء والرقة بمجرد مشاهدة هيئته وسمته قبل أن يتكلم. . الاستدراجات بحسب القول
من الواعظين يتأثر الناس بهم بمجرد النظر إليهم قبل أن يتفوهوا وكم من خطيب في مجالس ذكرى مصرع سيد الشهداء ع يدفع الناس إلى البكاء والرقة بمجرد مشاهدة هيئته وسمته قبل أن يتكلم. . الاستدراجات بحسب القول وهي أيضا من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع وتكون بصناعة وحيلة. وذلك بأن تكون لهجة كلامه مؤثرة مناسبة للغرض الذي يقصده إما برفع صوته أو بخفضه أو ترجيعه أو الاسترسال فيه بسرعة أو التأني به أو تقطيعه. كل ذلك حسب ما تقتضيه الحال من التأثير على المستمعين. وحسن الصوت وحسن الإلقاء والتمكن من التصرف بنبرات الصوت وتغييره حسب الحاجة من أهم ما يتميز به الخطيب الناجح. وذلك في أصله موهبة ربانية يختص بها بعض البشر من غير كسب غير أنها تقوى وتنمو بالتمرين والتعلم كجميع المواهب الشخصية. وليس هناك قواعد عامة مدونة يمكن بها ضبط تغييرات الصوت ونبراته حسب الحاجة وإنما معرفة ذلك تتبع نباهة الخطيب في اختياره للتغيرات الصوتية المناسبة التي يجدها بالتجربة والتمرين مؤثرة في المستمعين. ولأجل هذا يظهر لنا كيف يفشل بعض الخطباء لأنه يحاول (المسكين) تقليد خطيب ناجح في لهجته وإلقائه فيبدو نابيا سخيفا إذ يظهر بمظهر المتصنع الفاشل. والسر أن هذا أمر يدرك بالغريزة والتجربة قبل أن يدرك بالتقليد للغير. . الاستدراجات بحسب المخاطب وهي أيضا من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع وتكون بصناعة من الخطيب. وذلك بأن يحاول استمالة المستمعين وجلب عواطفهم نحوه ليتمكن قوله فيهم ويتهيأوا للإصغاء إليه: مثل أن يحدث فيهم انفعالا نفسيا مناسبا
ب وهي أيضا من أقسام ما يقتضي الاستعداد للإقناع وتكون بصناعة من الخطيب. وذلك بأن يحاول استمالة المستمعين وجلب عواطفهم نحوه ليتمكن قوله فيهم ويتهيأوا للإصغاء إليه: مثل أن يحدث فيهم انفعالا نفسيا مناسبا لغرضه كالرقة والرحمة أو القوة والغضب أو يضحكهم بنكتة عابرة لتنفتح نفوسهم للإقبال عليه. ومثل أن يشعرهم بأنهم يتخلقون بأخلاق فاضلة كالشجاعة والكرم أو الإنصاف والعدل أو إيثار الحق أو يتحلون بالوطنية الصادقة والتضحية في سبيل بلادهم أو نحو ذلك مما يناسب غرضه. وهذا يكون بمدحهم والثناء عليهم أو بذكر سوابق محمودة لهم أو لآبائهم أو أسلافهم. وإذا اضطر إلى التعريض بخصومه الحاضرين فيظهر بأنهم الأقلية القليلة فيهم أو يتظاهر بأنه لا يعرف بأنهم موجودون في الاجتماع أو أنهم لا قيمة لهم ولا وزن عند الناس. وليس شيء أفسد للخطيب من التعريض بذم المستمعين أو تحقيرهم أو التهكم بهم أو إخجالهم فإن خطابه سيكون قليل الأثر أو عديمه أصلا وإن كان يأتي بذلك بقصد إثارة الحمية والغيرة فيهم لأن هذه الأمور بالعكس تثير غضبهم عليه وكرهه والاشمئزاز من كلامه ولإثارة الحمية طرق أخرى غير هذه. وبعبارة أشمل وأدق إن التجاوب النفسي بين الخطيب والمستمعين شرط أساسي في التأثر بكلامه فإذا ذمهم أو تهكم بهم بعدهم عنه وخسر هذا التجاوب النفسي. وهكذا لو أضجرهم بطول الكلام أو التكرار الممل أو التعقيد في العبارة أو ذكر ما لا نفع فيه لهم أو ما ألفوا استماعه. والخطيب الحاذق الناجح من يستطيع أن يمتزج بالمستمعين ويهيمن عليهم بأن يجعلهم يشعرون بأنه واحد منهم وشريكهم في السراء والضراء وبأنه يعطف على منافعهم ويرعى مصالحهم وبأنه يحبهم ويحترمهم لا سيما الخطيب السياسي والقائد في الحرب. ۹. شهادة القول
زج بالمستمعين ويهيمن عليهم بأن يجعلهم يشعرون بأنه واحد منهم وشريكهم في السراء والضراء وبأنه يعطف على منافعهم ويرعى مصالحهم وبأنه يحبهم ويحترمهم لا سيما الخطيب السياسي والقائد في الحرب. ۹. شهادة القول وهي من أقسام (النصرة) التي ليست بصناعة وحيلة ومن أقسام ما يقتضي نفس الإقناع. وهي تحصل إما بقول من يقتدي به مع العلم بصدقه كالنبي والإمام أو مع الظن بصدقه كالحكيم والشاعر . وإما بقول الجماهير أو الحاكم أو النظارة وذلك بتصديقهم للخطيب أو تأييدهم له بهتاف أو تصفيق أو نحوها. وإما بوثائق ثابتة كالصكوك والمسجلات والآثار التاريخية ونحوها. وهذه الشهادة - على أنها من الأعوان - تفيد بنفسها الإقناع. وقد تكون بنفسها عمودا لو صح أخذها مقدمة في الحجة الخطابية وتكون حينئذ من قسم (المقبولات التي قلنا أن الحجة الخطابية قد تتألف منها. ۱۰. شهادة الحال وهي أيضا من أقسام (النصرة) التي ليست بصناعة وحيلة ومن أقسام ما يقتضي نفس الإقناع. وهذه الشهادة تحصل إما بحسب نفس القائل أو بحسب القول. ١ ما هي بحسب القائل: إما لكونه مشهورا بالفضيلة من الصدق والأمانة والمعرفة والتمييز أو معروفا بما يثير احترامه أو الإعجاب به أو التقدير لما يقوله ويحكم به كأن يكون معروفا بالبراعة الخطابية أو الشجاعة النادرة أو بالثراء الكثير أو بالحنكة السياسية أو صاحب منصب رفيع أو نحو ذلك. وقد قلنا أن لمعرفة الخطيب الأثر البالغ في التأثير على المستمعين فكيف إذا كان
به كأن يكون معروفا بالبراعة الخطابية أو الشجاعة النادرة أو بالثراء الكثير أو بالحنكة السياسية أو صاحب منصب رفيع أو نحو ذلك. وقد قلنا أن لمعرفة الخطيب الأثر البالغ في التأثير على المستمعين فكيف إذا كان محبوبا أو موضع الإعجاب أو الثقة. وكلما كبرت سمعة الخطيب وتمكن حبه واحترامه من القلوب كان قوله أكثر قبولا وأبعد أثرا. وإما لكونه تظهر عليه إمارات الصدق وإن لم يكن معروفا بأنحاء مثل أن تطفح على وجهه أسارير السرور إذا بشر بخير المعرفة السابقة أو علامات الخوف والهلع إذا أنذر بشر أو هيئة الحزن إذا حدث عما يحزن... وهكذا. ولتقاطيع وجه الخطيب وملامحه ونبرات صوته الأثر الفعال في شعور المستمعين بأن ما يقوله كان مؤمنا به أو غير مؤمن به. والوجه الجامد القاحل من التعبير لا يستجيب له المستمع. ولذا اشتهر أن الكلمة إذا خرجت من القلب دخلت في القلب. وما هذا إلا لأن إيمان الخطيب بما يقول يظهر على ملامح وجهه ونبرات صوته رضي أم أبى فيدرك المستمع ذلك حينئذ بغريزته فيؤثر على شعوره بمقتضى طبيعة المحاكاة والتقليد. ۲ ما هي بحسب القول: مثل الحلف على صدق القول والعهد أو التحدي كما تحدى نبينا الأكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - قومه أن يأتوا بسورة أو آية من مثل القرآن المجيد وإذ عجزوا عن ذلك التجأوا إلى الاعتراف بصدقه. ومثل ما لو تحدى الصانع أو الطبيب أو نحوهما خصمه المشارك له في صناعته بأن يأتي بمثل ما يعمل ويقول له: إن عجزت عن مثل عملي فاعترف بفضلي عليك واخضع لقولي. ۱۱. الفرق بين الخطابة والجدل
لى الاعتراف بصدقه. ومثل ما لو تحدى الصانع أو الطبيب أو نحوهما خصمه المشارك له في صناعته بأن يأتي بمثل ما يعمل ويقول له: إن عجزت عن مثل عملي فاعترف بفضلي عليك واخضع لقولي. ۱۱. الفرق بين الخطابة والجدل لما كان الجدل والخطابة يشتركان في كثير من الأشياء استدعى ذلك التنبيه على جهات الافتراق بينهما لئلا يقع الخلط بينهما: أما اشتراكهما ففي الموضوع فإن موضوع كل منهما عام غير محدد بعلم ومسألة كما قلنا في الجدل أنه يقع في جميع المسائل الفلسفية والدينية والاجتماعية وجميع الفنون والمعارف والخطابة كذلك وما يستثنى هناك يستثنى هنا. ويشتركان أيضا في الغاية فإن غاية كل منهما الغلبة ويشتركان في بعض مواد قضاياهما إذ تدخل المشهورات فيهما كما تقدم. أما افتراقهما ففي هذه الأمور الثلاثة نفسها: 1 في الموضوع فإن الخطابة يستثنى من عموم موضوعها المطالب العلمية التي يطلب فيها اليقين فإن استعمال الأسلوب الخطابي فيها معيب مستهجن إذا كان المخاطب بها الخاصة وإن جاز استعمال الأسلوب الجدلي لا لإلزام الخصم وإفحامه أو لتعليم المبتدئين. كما أنه على العكس يحسن من الخطيب أن يستعمل البراهين العلمية والمسائل الدقيقة لغرض الإقناع. في الغاية فإن غاية الجدلي الغلبة بإلزام الخصم وإن لم تحصل له حالة القناعة. وغاية الخطابة الغلبة بالإقناع. في المواد فقد تقدم في الكلام عن العمود بيان الفرق فيها إذ قلنا: أن الخطابة تستعمل فيها مطلق المشهورات الظاهرية وفي الجدل لا تستعمل إلا الحقيقية. وهناك فروق أخرى لا يهمنا التعرض لها. وسيأتي في باب إعداد المنافرات التشابه بين الجدل والمنافرة بالخصوص والفرق بينهما كذلك. ١٢. أركان الخطابة
مطلق المشهورات الظاهرية وفي الجدل لا تستعمل إلا الحقيقية. وهناك فروق أخرى لا يهمنا التعرض لها. وسيأتي في باب إعداد المنافرات التشابه بين الجدل والمنافرة بالخصوص والفرق بينهما كذلك. ١٢. أركان الخطابة أركان الخطابة المقومة لها ثلاثة : القائل (وهو الخطيب) والقول (وهو الخطاب). والمستمع. ثم المستمع ثلاثة أشخاص على الأكثر : مخاطب وحاكم ونظارة وقد يكون مخاطبا فقط: ١- (المخاطب) وهو الموجه إليه الخطاب وهو الجمهور أو من هو الخصم في المفاوضة والمحاورة. (الحاكم) وهو الذي يحكم للخطيب أو عليه إما لسلطة عامة له في الحكم شرعية أو مدنية أو لسلطة خاصة برضا الطرفين إذ يحكمانه ويضعان ثقتهما به وإن لم تكن له سلطة عامة. (النظارة) وهم المستمعون المتفرجون الذين ليس لهم شأن إلا تقوية الخطيب أو توهينه مثل أن يهتفوا له أو يصفقوا باستحسان ونحوه حسبما هو عادة شعبهم في تأييد الخطباء ومثل أن يسكتوا في موضع التأييد والاستحسان أو يظهروا توهينه بهتاف ونحوه وذلك إذا أرادوا توهينه. والنظارة عادة مألوفة عند بعض الأمم الغربية في المحاكمات ولهم تأثير في سير المحاكمة وربما يسمونهم (العدول) أو (المعدلين). وليس وجود الحاكم والنظارة يلازم في جميع أصناف الخطابة بل في خصوص المشاجرات كما سيأتي. ١٣. أصناف المخاطبات
الأمم الغربية في المحاكمات ولهم تأثير في سير المحاكمة وربما يسمونهم (العدول) أو (المعدلين). وليس وجود الحاكم والنظارة يلازم في جميع أصناف الخطابة بل في خصوص المشاجرات كما سيأتي. ١٣. أصناف المخاطبات إن الغرض الأصلي لصاحب الصناعة الخطابية – على الأغلب إثبات فضيلة شيء ما أو رذيلته أو إثبات نفعه أو ضرره. ولكن لا أي شيء كان بل الشيء الذي له نفع أو ضرر للعموم بوجه من الوجوه على نحو له دخالة في المخاطبين وعلاقة بهم. وهذا الشيء لا يخلو عن حالات ثلاث: ١ أن يكون حاصلا فعلا فالخطابة فيه تسمى (منافرة). ٢ أن يكون غير حاصل فعلا ولكنه حاصل في الماضي فالخطابة فيه تسمى (مشاجرة). ٣ أن يكون غير حاصل فعلا أيضا ولكنه يحصل في المستقبل فالخطابة فيه تسمى (مشاورة). وهي أهم الأصناف. فالمفاوضات الخطابية على ثلاثة أصناف. ١ - (المنافرات) المتعلقة بالحاصل فعلا فإن قرر الخطيب فضيلته أو نفعه سميت (مدحا) وإن قرر ضد ذلك سميت (ذما). ۲ (المشاجرات) وتسمى (الخصاميات) أيضا وهي المتعلقة بالحاصل سابقا. ولابد أن تكون الخطابة لأجل تقرير وصول فائدته ونفعه أو ما فيه
فعلا فإن قرر الخطيب فضيلته أو نفعه سميت (مدحا) وإن قرر ضد ذلك سميت (ذما). ۲ (المشاجرات) وتسمى (الخصاميات) أيضا وهي المتعلقة بالحاصل سابقا. ولابد أن تكون الخطابة لأجل تقرير وصول فائدته ونفعه أو ما فيه من عدل وإنصاف إن كان نافعا ولأجل تقرير وصول ضرورة أو ما فيه من ظلم وعدوان. فمن الجهة الأولى تسمى الخطابة (شكرا) إما أصالة عن نفسه أو نيابة عن غيره. وإنما سميت كذلك لأن تقرير الخطيب يكون اعترافا منه للمخاطبين بفضيلة ذلك الشيء فلا يقع فيه نزاع منهم. ومن الجهة الثانية تسمى الخطابة (شكاية) إما عن نفسه أو عن غيره. والمدافع يسمى (معتذرا) والمعترف به (نادما). ٣ (المشاورات) المتعلقة بما يقع في المستقبل. ولا محالة أن الخطابة حينئذ لا تكون من جهة وجوده أو عدمه فإن هذا ليس شأن هذه الصناعة. بل لابد أن تكون من جهة ما فيه من نفع وفائدة فينبغي أن يفعل فتكون الخطابة فيه ترغيبا وتشويقا وإذنا في فعله أو من جهة ما فيه من ضرر وخسارة فينبغي ألا يفعل فتكون الخطابة فيه تحذيرا وتخويفا ومنعا من فعله. فهذه الأنواع الثلاثة هي الأغراض الأصلية التي تقع للخطيب وقد يتوصل إلى غرضه ببيان أمور تقع في طريقه وتكون ممهدة للوصول إليه ومعينة للإقناع وتسمى (التصديرات) مثل أن يمدح شيئا أو شخصا فينتقل منه إلى المشاورة للتنظير بما وقع أو لغير ذلك. والتشبيب الذي يستعمله الشعراء سابقا في صدر مدائحهم من هذا القبيل فإن الغرض الأصلي هو المدح والتشبيب تصدر به القصيدة للتوصل إليه. وكثيرا ما لا يكون الشاعر عاشقا وإنما يتشبه به اتباعا لعادة الشعراء. وفي هذا العصر يمهد خطباء المنبر الحسيني أمام مقصودهم من ذكر فاجعة الطف ببيان أمور تاريخية أو أخلاقية أو دينية من موعظة ونحوها. وما ذاك
ثيرا ما لا يكون الشاعر عاشقا وإنما يتشبه به اتباعا لعادة الشعراء. وفي هذا العصر يمهد خطباء المنبر الحسيني أمام مقصودهم من ذكر فاجعة الطف ببيان أمور تاريخية أو أخلاقية أو دينية من موعظة ونحوها. وما ذاك إلا لجلب انتباه السامعين أو لإثارة شعورهم وانفعالاتهم مقدمة للغرض الأصلي من ذكر الفاجعة. ١٤. صور تأليف الخطابة ومصطلحاته قد قلنا في الجدل: أن المعول في تأليف صوره غالبا على القياس والاستقراء وفي الخطابة أكثر ما يعول على القياس والتمثيل وإن استعمل الاستقراء أحيانا. ولا يجب في القياس وغيره عند استعماله هنا أن يكون يقينيا من ناحية تأليفه أي لا يجب أن يكون حافظا لجميع شرائط الإنتاج بل يكفي أن يكون تأليفه منتجا بحسب الظن الغالب وإن لم يكن منتجا دائما كما لو تألف القياس مثلا على نحو الشكل الثاني من موجبتين كما يقال : فلان يمشي متأنيا فهو مريض فحذفت كبراه الموجبة وهي كل مريض يمشي متأنيا) مع أن الشكل الثاني من شروطه اختلاف المقدمتين بالكيف. وكذلك قد يستعمل التمثيل في الخطابة خاليا من جامع حيث يفيد الظن بأن هناك جامعا مثل أن يقال: مر بالأمس من هناك رجل مسرع وكان هاربا واليوم يمر مسرع آخر من هنا فهو هارب. وكذلك يستعمل الاستقراء فيها بدون استقصاء لجميع الجزئيات مثل أن يقال: الظالمون قصيرو الأعمار لأن فلان الظالم وفلان وفلان قصيرو الأعمار فيعد جزئيات كثيرة يظن معها إلحاق القليل بالأعم الأغلب. وبحسب تأليف صور الخطابة مصطلحات ينبغي بيانها فنقول:
لجميع الجزئيات مثل أن يقال: الظالمون قصيرو الأعمار لأن فلان الظالم وفلان وفلان قصيرو الأعمار فيعد جزئيات كثيرة يظن معها إلحاق القليل بالأعم الأغلب. وبحسب تأليف صور الخطابة مصطلحات ينبغي بيانها فنقول: ١ - (التثبيت) والمقصود به كل قول يقع حجة في الخطابة ويمكن فيه أن يوقع التصديق بنفس المطلوب بحسب الظن سواء كان قياسا أو تمثيلا. ٢ (الضمير) والمقصود به التثبيت إذا كان قياسا. والضمير باصطلاح المناطقة في باب القياس كل قياس حذفت منه كبراه. ولما كان اللائق في الخطابة أن تحذف من قياسها كبراه للاختصار من جهة ولإخفاء كذب الكبرى من جهة أخرى سموا كل قياس هنا (ضميرا لأنه دائما أو غالبا تحذف كبراه. ٣ (التفكير) وهو الضمير نفسه ويسمى ( تفكيرا) باعتبار اشتماله على الحد الأوسط الذي يقتضيه الفكر. ٤ (الاعتبار) ويقصدون به التثبيت إذا كان تمثيلا فيقولون مثلا: (يساعد على هذا الأمر الاعتبار. وهذه الكلمة شايعة الاستعمال عند الفقهاء وما أحسب إلا أنهم يريدون هذا المعنى منها. ه (البرهان) وهو كل اعتبار يستتبع المقصود بسرعة فهو غير البرهان المصطلح عليه في صناعة البرهان. فلا تغرنك كلمة البرهان في بعض الكتب الجدلية والخطابية. ٦ (الموضع) والمقصود به هنا كل مقدمة من شأنها أن تكون جزءا من التثبيت سواء كانت مقدمة بالفعل أو صالحة للمقدمية. وهو غير الموضع المصطلح عليه في صناعة الجدل. ومعنى الموضع هناك يسمى (نوعا) هنا وسيأتي في الباب الثاني. ولا بأس بالبحث عن الضمير والتمثيل اختصارا هنا : ١٥ . الضمير
كانت مقدمة بالفعل أو صالحة للمقدمية. وهو غير الموضع المصطلح عليه في صناعة الجدل. ومعنى الموضع هناك يسمى (نوعا) هنا وسيأتي في الباب الثاني. ولا بأس بالبحث عن الضمير والتمثيل اختصارا هنا : ١٥ . الضمير للضمير شأن خاص في هذه الصناعة فإن على الخطيب أن يكون متمكنا من إخفاء كبراه في أقيسته أو إهمالها. إن باقي الصناعات قد تحذف الكبرى في أقيستها ولكن لا لحاجة وغرض خاص بل لمجرد الإيجاز عند وضوح الكبرى أما في الخطابة فإن إخفاءها غالبا ما يضطر إليه الخطيب بما هو خطيب لأحد أمور: ١ إخفاء عدم الصدق الكلي فيها مثل أن يقول : فلان يكف غضبه عن الناس فهو محبوب فإنه لو صرح بالكبرى وهي كل من كف غضبه عن الناس هو محبوب لهم ربما لا يجدها السامع صادقة صدقا كليا وقد يتنبه بسرعة إلى كذبها إذ قد يعرف شخصا معينا متمكنا من كف غضبه ومع ذلك لا يحبه الناس. ٢- تجنب أن يكون بيانه منطقيا وعلميا معقدا فلا يميل إليه الجمهور الذي من طبعه الميل إلى الصور الكلامية الواضحة السريعة الخفيفة. والسر أن ذكر الكبرى يصبغه بصبغة الكلام المنطقي العلمي الذي ينصرف عن الإصغاء إليه الجمهور. بل قد يثير شكوكهم وعدم حسن ظنهم بالخطيب أو سخريتهم به. ٣ تجنب التطويل فإن ذكر الكبرى غالبا يبدو مستغنيا عنه والجمهور إذا أحس أن الخطيب يذكر ما لا حاجة إلى ذكره أو يأتي بالمكررات يسرع إليه الملل والضجر والاستيحاش منه. وقد يؤثر فيه ذلك انفعالا معكوسا فيثير في
تجنب التطويل فإن ذكر الكبرى غالبا يبدو مستغنيا عنه والجمهور إذا أحس أن الخطيب يذكر ما لا حاجة إلى ذكره أو يأتي بالمكررات يسرع إليه الملل والضجر والاستيحاش منه. وقد يؤثر فيه ذلك انفعالا معكوسا فيثير في نفوسهم التهمة له في صدق قوله. فلذلك ينبغي للخطيب دائما تجنب زيادة الشرح والتكرار الممل فإنه يثير التهمة في نفوس المستمعين وشكوكهم في قولهم وضجرهم منه. وبعد هذا فلو اضطر الخطيب إلى ذكر الكبرى كما لو كان حذفها يوجب أن يكون خطابه غامضا فينبغي أن يوردها مهملة حتى لا يظهر كذبها لو كانت كاذبة وإلا يوردها بعبارة منطقية جافة. وصنعة الخطابة تعتمد كثيرا على المقدرة في إيراد الضمير أو إهمال الكبرى فمن الجميل بالخطيب أن يراقب هذا في خطابه. وهذا ما يحتاج إلى مران وصنعة وحذق والله تعالى قبل ذلك هو المسدد للصواب الملهم للمعرفة. ١٦. التمثيل سبق أن قلنا في الفصل ١٤: أن الخطابة تعتمد على القياس والتمثيل. وفي الحقيقة تعتمد على التمثيل أكثر نظرا إلى أنه أقرب إلى أذهان العامة وأمكن في نفوسهم. وهو في الخطابة يقع على أنحاء ثلاثة: ١ أن يكون من أجل اشتراك الممثل به مع المطلوب في معنى عام يظن أنه العلة للحكم في الممثل به. وهذا النحو هو التمثيل المنطقي الذي تقدم الكلام فيه آخر الجزء الثاني. ٢ أن يكون من أجل التشابه في النسبة فيهما كما يقال مثلا : كلما زاد تواضع المتعلم زادت معارفه بسرعة كالأرض كلما زاد انخفاضها انحدرت إليها المياه الكثيرة بسرعة.
طقي الذي تقدم الكلام فيه آخر الجزء الثاني. ٢ أن يكون من أجل التشابه في النسبة فيهما كما يقال مثلا : كلما زاد تواضع المتعلم زادت معارفه بسرعة كالأرض كلما زاد انخفاضها انحدرت إليها المياه الكثيرة بسرعة. وكل من هذين القسمين قد يكون الاشتراك والتشابه في النسبة حقيقة وقد يكون بحسب الرأي الواقع كقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا أو كقوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة منة وقد يكون بحسب رأي يظهر ويلوح سداده لأول وهلة ويعلم عدم صحته بالتعقيب كقول عمر بن الخطاب يوم السقيفة : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن). والقرن بالتحريك الحبل الذي يقرن به البعيران قال ذلك ردا على قول بعض الأنصار : (منا أمير ومنكم أمير). بينما أن هذا القائل غرضه أن الإمارة مرة لنا ومرة لكم لا على أن يجتمع أميران في وقت واحد حتى يصبح تشبيهه باجتماع اثنين في قرن. على أنه أية استحالة في الممثل به وهو أن يجتمع بعيران في حبل واحد يقرنان به لو أراد هذا القائل اجتماع أميرين في آن واحد فالاستحالة في الممثل نفسه لا في الممثل به. ٣ أن يكون التمثيل بحسب الاشتراك بالاسم فقط وقد ينطلي هذا الأمر على غير المتنبه المثقف. وهو مغالطة ولكن لا بأس بها في الخطابة حيث تكون مقنعة وموجبة لظن المستمعين بصدقها. مثاله أن يحبب الخطيب شخصا ويمدحه لأن شخصا آخر محبوب ممدوح له هذا الاسم. أو يتشاءم من شخص ويذمه لأن آخر له اسمه معروف بالشر والمساوئ.
ن لا بأس بها في الخطابة حيث تكون مقنعة وموجبة لظن المستمعين بصدقها. مثاله أن يحبب الخطيب شخصا ويمدحه لأن شخصا آخر محبوب ممدوح له هذا الاسم. أو يتشاءم من شخص ويذمه لأن آخر له اسمه معروف بالشر والمساوئ. ويشبه أن يكون من هذا الباب قول الأرجاني: يزداد دمعي على مقدار بعدهم * تزايد الشهب إثر الشمس في الأفق فحكم بتزايد الدموع على مقدار بعد الأحبة قياسا على تزايد الشهب بمقدار تزايد بعد الشمس في الأفق لاشتراك الدموع والشهب بالاسم إذ تسمى الدموع بالشهب مجازا ولاشتراك الحبيب والشمس بالاسم إذ يسمى الحبيب شمسا مجازا. المبحث الثاني - الأنواع ۱. تمهید تقدم في الفصل ١٤ من الباب الأول: أن الموضع في اصطلاح هذه الصناعة كل مقدمة من شأنها أن تكون جزءا من التثبيت. وهو غير الموضع باصطلاح صناعة الجدل. بل إن ما هو بمنزلة الموضع في صناعة الجدل يسمى هنا (نوعا) وهو أي النوع: كل قانون تستنبط منه المواضع أي المقدمات الخطابية. مثلا يقال لنقل الحكم من الضد إلى ضده (نوع) إذ منه تستخرج المواضع الموصلة إلى المطلوب الخطابي فيقال مثلا : إذ كان خالد عدوا فهو يستحق الإساءة فأخوه لما كان صديقا فهو يستحق الإحسان. فهذه القضية (موضع) وهي من (نوع) نقل الحكم من الضد إلى ضده. ثم إنه لما كان المجادل مضطرا إلى إحضار المواضع في ذهنه وإعدادها لكي يستنبط منها ما يحتاجه من المقدمات المشهورة فكذلك الخطيب يلزمه أن يحضر لديه ويعد الأنواع لكي يستنبط منها ما يحتاجه من المواضع المقدمات المقنعة). وكل خطيب في أي صنف من أصناف المفاوضات الخطابية له أنواع خاصة وقواعد كلية تخصه يستفيد منها في خطابه فلذلك اقتضى أن ننبه على بعض هذه الأنواع في أصناف الخطابة للاستيناس وللتنبيه على نظائرها كما صنعنا في مواضع الجدل فنقول:
من أصناف المفاوضات الخطابية له أنواع خاصة وقواعد كلية تخصه يستفيد منها في خطابه فلذلك اقتضى أن ننبه على بعض هذه الأنواع في أصناف الخطابة للاستيناس وللتنبيه على نظائرها كما صنعنا في مواضع الجدل فنقول: ۲. الأنواع المتعلقة بالمنافرات تقدم في البحث ۱۳ معنى (المنافرات) أنها التي تثبت مدحا أو ذما إما للأشخاص أو للأشياء باعتبار ما هو الحاصل في الحال فيقرر الخطيب فضيلته أو نفعه في المدح أو يقرر ضدهما في الذم. وإنما سميت (منافرات) فلأن بها يتنافر الناس ويختلفون ويروم بعضهم قهر بعض بقوله وبيانه. ومن هذه الناحية تشبه الخطابة الجدل وإنما الفرق من وجهين ١ أنه في الخطابة ينفرد الخطيب في ميدانه وفي الجدل يكون الكلام للخصمين سؤالا وجوابا وردا وبدلا . ٢ أن غرض الخطيب أن يبعث المستمعين على عمل الأفعال الحسنة والتنفر من الأفعال السيئة لا لمجرد المدح والذم والمجادل ليس غرضه إلا التغلب على خصمه وليس همه أن يعمل به أحد أو لا يعمل. وبالاختصار غرض الخطيب إقناع الغير بفضل الفاضل ونقص المفضول ليعمل على مقتضى ذلك وغرض المجادل إرغام الغير على الاعتراف بذلك. وبين الأسلوبين بون بعيد فإن الأول يتطلب الرفق واللين والاستحواذ على مشاعر المخاطب ورضاه والثاني لا يتطلب ذلك فإن غرضه يتم حتى لو اعترف الخصم مرغما مقهورا. إذا عرفت ذلك فعلى الخطيب في المنافرات أن يكون مطلعا على أنواع جمال الأشياء وقبحها. ولكل شيء جمال وقبح بحسبه: ففي الإنسان جماله بالفضائل وقبحه بالرذائل وباقي الأشياء جمالها بكمال صفاتها اللائقة بها وقبحها بنقصها. ثم الإنسان مثلا فضيلته أن تكون له ملكة تقتضي فعل الخيرات بسهولة كفضيلة الحكمة والعلم والعدالة والإحسان والشجاعة والعفة والكرم والمروة والهمة والحلم وأصالة الرأي. وهذه أصول الفضائل ويتبعها مما يدخل تحتها كالإيثار الذي يدخل تحت نوع الكرم أو مما يكون سببا لها كالحياء الذي يكون سببا للعفة أو مما يكون علامة عليها كصبر الأمين على تحمل المكاره في سبيل المحافظة على الأمانة فإن هذا الصبر علامة على العدالة. مثلا وأما باقي الأشياء غير الإنسان فكمالها بحصول الصفات المطلوبة لمثلها وقد قلنا لكل شيء جمال وقبح بحسبه فكما الدار وجمالها باشتمالها على المرافق المحتاج إليها وسعتها وجدة بنائها وملاءمة هندستها للذوق العام وهكذا. وكمال المدينة مثلا وجمالها بسعة شوارعها وتنسيقها ونظافتها وكثرة حدائقها وتهيئة وسائل الراحة فيها والأمن وحسن مائها وهوائها وجدة بناء دورها... وهكذا. وعلى الخطيب بالإضافة إلى ذلك أن يكون قادرا على مدح ما هو قبيح بمحاسن قد يظن الجمهور أنها مما يستحق عليها المدح والثناء مثل أن يصور فسق الفاسق بأنه من باب لطف المعاشرة وخفة الروح. ويصور بلاهة الأبله أنها بساطة نفس وصفاء سريرة وقلة مبالاة بأمور الدنيا واعتباراتها. ويصور متتبع عورات الناس الهماز الغماز بأنه محب للصراحة أو أنه لا تأخذه في سبيل قول الحق لومة لائم. ويصور الحاكم المرتشي بأنه يسهل بالرشوة أمور الناس ويقضي حوائجهم... وهكذا يمكن تحوير كثير من الرذائل والنقائص إلى ما يشبه أن يكون من الفضائل والكمالات في نظر الجمهور. وكذلك على العكس يمكن تحوير جملة من الفضائل إلى ما يشبه أن يكون من الرذائل والنقائص في نظر الجمهور كوصف المحافظ على دينه بأنه جاف متزمت أو رجعي خرافي أو وصف الشجاع بأنه مجنون متهور أو وصف الكريم بأنه مسرف مبذر ... وهكذا. والكثير من هذا يحتاج إلى حذلقة وبعد نظر. وإذ عرفت وجوه مقتضيات المدح يمكن أن تعرف بمناسبتها وجوه مقتضيات الذم لأنها أضدادها.
رافي أو وصف الشجاع بأنه مجنون متهور أو وصف الكريم بأنه مسرف مبذر ... وهكذا. والكثير من هذا يحتاج إلى حذلقة وبعد نظر. وإذ عرفت وجوه مقتضيات المدح يمكن أن تعرف بمناسبتها وجوه مقتضيات الذم لأنها أضدادها. ۳. الأنواع المتعلقة بالمشاجرات تقدم معنى المشاجرات من أنها تتعلق بالحاصل سابقا. وذلك لبيان ما حدث كيف حدث؟ هل حدث على وجه جميل ممدوح أو على وجه مذموم؟ فتكون المشاجرة شكرا أو شكاية أو اعتذارا أو ندما واستغفارا. و(الشكر) إنما يكون بذكر محاسن ما حدث وكمالاته إنسانا أو غير إنسان على حسب ما تقدم من البيان الإجمالي عن محاسن الأشياء وكمالاتها في المنافرات فلا حاجة إلى إعادته. وإنما الذي ينبغي بيانه ما يختص (بالشكاية) ثم الاعتذار والندم فنقول: لا تصح الشكاية إلا من الظلم والجور. وحقيقة الجور : ( هو الإضرار بالغير على سبيل المخالفة للشرع بقصد وإرادة). والمقصود من (الشرع) ما هو أعم من الشريعة المكتوبة وغير المكتوبة والمكتوبة مثل الأحكام المنزلة الإلهية والقوانين المدنية والدولية وغير المكتوبة ما تطابق عليها آراء العقلاء أو آراء أمة بعينها أو آراء قطر أو عشيرة أو نحو ذلك. فما تطابق عليها آراء الجميع هي المشهورات المطلقة والباقي هي من المشهورات الخاصة. ومثال الأخير (النهوة) باصطلاح عرب العراق في العصور الأخيرة فإنها عند غير المتحضرين منهم شريعة غير مكتوبة وهي أن للرجل الحق في منع تزوج ابنة عمه من أجنبي فالأجنبي إذا تزوجها من دون رخصة ابن عمها وإذنه عدوه في عرفهم جائرا غاصبا وقد يهدر دمه. وإن كان هذا العرف يعد في الشريعة المكتوبة الإسلامية وغيرها ظلما وجورا وإن (الناهي) هو الجائر الظالم. ثم (المخالفة للشرع إما أن تقع في المال أو العرض أو النفس ثم إما أن تكون على شخص أو أشخاص معنيين أو تقع على جماعة اجتماعية كالدولة والوطن والأمة والعشيرة. وعلى هذا فينبغي للخطيب المشتكي أن يعرف معنى الجور وبواعثه وأسبابه وما هي الأسباب التي تقتضي سهولته أو صعوبته ومتى يكون عن إرادة وقصد وكيف يكون كذلك. وكل هذه فيها أبحاث واسعة تطلب من المطولات. وأما (الاعتذار) فحقيقته التنصل مما ذكره المتظلم المشتكي ودفع تظلمه. وهو يقع بأحد أمرين: ١ إنكار وقوع الظلم رأسا. إنكار وقوعه على وجه يكون ظلما وجورا فإن كثيرا من الأفعال إنما تقع عدلا حسنة وظلما قبيحة بالوجوه والاعتبار إما من جهة القصد وإما من جهة اختلاف الشريعة المكتوبة مع الشريعة غير المكتوبة كما مثلناه (بالنهوة). وأما (الندم) فهو الإقرار والاعتراف بالظلم. وقد يسمى استغفارا. وذلك بأن يلتمس العفو عن العقوبة والتفضل بإسقاط ما يلزم من غرامة ونحوها. وللاستغفار والاعتذار أساليب يطول شرحها.
توبة كما مثلناه (بالنهوة). وأما (الندم) فهو الإقرار والاعتراف بالظلم. وقد يسمى استغفارا. وذلك بأن يلتمس العفو عن العقوبة والتفضل بإسقاط ما يلزم من غرامة ونحوها. وللاستغفار والاعتذار أساليب يطول شرحها. ٤. الأنواع المتعلقة بالمشاورات لما كانت غاية الخطيب في المشاورة إقناع الجمهور على فعل ما هو خير لهم وفيه مصلحتهم والإقلاع عن المساوئ والشرور وما يضرهم ناسب ألا يبحث إلا عما يقع تحت اختيارهم من الخيرات والشرور أو ما له مساس باختيارهم وإن كان في نفسه خارجا عن اختيارهم. وهذا الثاني كالأرض السبخة مثلا فإن سوءها وضررها ليس باختيار المزارعين ولا من أفعالهم ولكن يمكن أن يكون لها مساس باختيارهم بأن يتجنبوا الزراعة فيها مثلا فيمكن أن يوصي الخطيب بذلك ويدخل في غرضه. أما ما لا يقع تحت اختيارهم وما ليس له مساس به أصلا فليس للمشاور أن يتعرض له. والأنواع التي تتعلق بالمشاورات على قسمين رئيسين: (القسم الأول) ما يتعلق بالأمور العظام وهي أربعة: 1 - (الأمور المالية العامة من نحو صادرات الدولة ووارداتها وما يتعلق في دخل الأمة ومصروفاتها. فالخطيب فيها ينبغي أن يطلع على القوانين التي تخصها وعلى العلوم التجارية والمالية وما له دخل في زيادة الثروة أو نقصها. ۲ (الحرب والسلم فالخطيب فيه لا يستغني عن معرفة القوانين العسكرية والعلوم الحربية وأصول تنظيم الجيوش وقيادتها مع الاطلاع على تاريخ الحروب والوقائع وسر نشوبها وإخمادها والوسائل اللازمة للهجوم والدفاع وما يتحقق به النصر وما يتمكن به من النجاة من الهزيمة. كما ينبغي أن يكون عارفا بما يثير الغيرة والحمية في نفوس الجنود وما يشجعهم ويثبت عزائمهم ويشحذ هممهم ويهون عليهم الموت في سبيل الغاية التي يحاربون لأجلها. وأن يكون عارفا بما يثير في نفوس الأعداء الخوف والرهبة وضعف الهمة واليأس من النصر وتوقع الهزيمة ونحو ذلك مما يسمى في الاصطلاح الجديد بحرب الأعصاب). (المحافظة على المدن والعلوم التي تخصها ولا يستغني الخطيب عن معرفتها هي علوم هندسة البناء والمسح وتنظيم الشوارع وما تحتاجه البلدة في مجاري مياهها وتنويرها وتعبيد طرقها ونظافتها ونحو ذلك. مثلا الاجتماعيات العامة كالشرايع والسنن من دينية أو مدنية أو سياسية. ينبغي للخطيب أن يكون عارفا بالشريعة السماوية حافظا لآثارها مطلعا على تاريخها ملما بأصول العقائد وفروع تلك ففي المصلحة الدينية الشريعة. أما لو كان خطيبا في غاية سياسية أو نحوها فينبغي أن يكون خبيرا بما يخصها من قوانين وعلوم وما يكتنفها من تاريخ وحوادث وتقلبات. فالسياسي يحتاج إلى العلوم السياسية والخبرة بأمورها والأخلاقي يحتاج إلى علم الأخلاق والحاكم والمحامي إلى القوانين الشرعية والمدنية. وعلى الإجمال أن الخطيب في الأمور الاجتماعية لا سيما مريد المحافظة على سنة أو دولة - يلزم فيه أن يكون أعلم وأمهر الخطباء الآخرين وأعرف بنفسيات الجمهور ومصالحهم لأن موقفه مع الجمهور من أدق المواقف وأصعبها. بل هذا الباب من باب المشاورة - على العموم من أخطر أبواب الخطابة وأشقها فقد يسقط الرجل الديني والسياسي في نظر الجمهور لأتفه الأسباب. وكم شاهدنا وسمعنا رئيس دولة أو مرشد قطر أو مرجعا دينيا لفرقة بينما هو في القمة من عظمته إذا به يهوي بين عشية وضحاها من برجه الرفيع محطما لأخطاء صغيرة ارتكبها أو لأمر فعله أو قاله معتقدا فيه الصلاح فاتهمه الجمهور بالخيانة أو الخطل أو ظنوا فيما عمله أو رآه الفساد والضرر. والجمهور لا صبر له على كتمان رأيه أو تأجيل التعبير عنه إلى وقت آخر كما لا يعرف المجاملة والمداراة والمداهنة والمماشاة؛ ولا يفهم البرهان والدليل حينئذ إلا القوة تسكته أو السيف يفنيه. هذا وإن حصر كل ما ينبغي للخطيب في باب الاجتماعيات من معرفة لا يسعه هذا المختصر وكفى ما أشرنا إليه.
لمجاملة والمداراة والمداهنة والمماشاة؛ ولا يفهم البرهان والدليل حينئذ إلا القوة تسكته أو السيف يفنيه. هذا وإن حصر كل ما ينبغي للخطيب في باب الاجتماعيات من معرفة لا يسعه هذا المختصر وكفى ما أشرنا إليه. ونزيد هنا أنه على العموم من أهم ما يلزم له بعد معرفة كل ما يتعلق بفرعه المختص به أن يكون مطلعا على علم الاجتماع وعلم النفس. وأهم من ذلك الخبرة في تطبيقهما وتشخيص نفسيات المستمعين له ومعرفة تاريخ من سبقه من القادة والرؤساء والاستفادة من تجاربهم منضمة إلى تجاربه الشخصية. وأهم من ذلك كله المواهب الشخصية التي أشرنا إليها سابقا فإنه كم من خطيب موهوب يبز أعلم العلماء وهو لم يدرس علوم الاجتماع إذ يسوقه ذكاؤه وفطرته إلى معرفة ما يقتضيه ذلك الاجتماع وما يتطلبه فيستطيع أن يهيمن عليه ويسخره ببيانه ويسخره بأسلوبه. (القسم الثاني الرئيسي ما يتعلق بالأمور الجزئية) وهي غير محدودة ولا معدودة فلذلك لا يمكن ضبطها وإنما يتبع فيها نباهة الخطيب وفطنته. غير أنها تشترك في شيء واحد عام هو طلب صلاح الحال. فلذلك من جهة عامة ينبغي للخطيب أن يعرف: (أولا) معنى صلاح الحال مثل أن يقال إنه في الإنسان استجماع الفضائل النفسية والجسمية أو الحصول على الخيرات والمنافع التي بها السعادة في الدنيا والآخرة أو الحصول على الملذات وإشباع الشهوات مع محبة القلوب واحترام الناس في الحضور والثناء عليه في الغيبة ... وهكذا على حسب اختلاف الآراء والأنظار في معنى صلاح حال الإنسان. و(ثانيا) - الأمور التي بها يتحقق صلاح الحال مثل فضيلة النفس بالحكمة والأخلاق ونحوها مما تقدم ومثل فضيلة البدن بالصحة وقوة العضلات والجمال واعتدال البنية ومثل طهارة الأصل ونباهة الذكر والكرامة والشرف والثروة وكثرة الأتباع والأنصار وحسن الحظ ونحو ذلك.
ضيلة النفس بالحكمة والأخلاق ونحوها مما تقدم ومثل فضيلة البدن بالصحة وقوة العضلات والجمال واعتدال البنية ومثل طهارة الأصل ونباهة الذكر والكرامة والشرف والثروة وكثرة الأتباع والأنصار وحسن الحظ ونحو ذلك. و (ثالثا) - طرق اكتساب هذه الأمور واحدة واحدة وأحسن الوسائل وأسهلها في الحصول عليها مثل أن يعرف أن الحكمة والمعرفة تحصل بالجد والتحصيل والإخلاص لله والتجرد عن مغريات الدنيا وأن الصحة تحصل بالرياضة وتنظيم المأكولات وأن الثروة تحصل بالزراعة أو التجارة أو الصناعة ... وهكذا. و (رابعا) - الأمور النافعة في تحصيل تلك الخيرات والمعينة لوسائلها كالسعي وانتهاز الفرص والتضحية بكثير من الملذات والصدق والأمانة. وبعكسها الأمور الضارة كالركون إلى الراحة والكسل وإيثار اللذة واللهو والبطالة ونحو ذلك. و (خامسا) - ما هو الأفضل من الخيرات والأنفع وبأي شيء تتحقق الأفضلية مثل أن الأعم الشامل أفضل مما هو دونه في الشمول والدائم خير من غير الدائم وما هو أكثر نفعا أحسن مما هو أقل وما يستتبع نفعا آخر أنفع مما لا يستتبع... هكذا. هذه جملة الأنواع المتعلقة بأصناف الخطابة الثلاثة وهناك أنواع أخرى مشتركة بطول الكلام عليها كأنواع ما يعد للاستدراجات وما يتعلق بإمكان الأمور أضربنا عنها اختصارا.
ع نفعا آخر أنفع مما لا يستتبع... هكذا. هذه جملة الأنواع المتعلقة بأصناف الخطابة الثلاثة وهناك أنواع أخرى مشتركة بطول الكلام عليها كأنواع ما يعد للاستدراجات وما يتعلق بإمكان الأمور أضربنا عنها اختصارا. المبحث الثالث التوابع ۱. تمهید تقدم ص ۳۷۲ معنى العمود والأعوان وذكرنا هناك أقسام الأعوان من الشهادة والاستدراجات التي هي خارجة عن نفس العمود. وكل ذلك من أجزاء الخطابة. وهناك وراء أجزاء الخطابة أمور خارجة عنها مزينة لها وتابعة ومتممة لها باعتبار ما لها من التأثير في تهيئة المستمعين لقبول قول الخطيب. وهي على الإجمال ترتبط كلها بنفس القول والخطابة. فلذلك تسمى (بالتوابع) وتسمى أيضا (التحسينات) و (التزيينات). وهي ثلاثة أنواع: (۱) ما يتعلق بنفس الألفاظ. (۲) ما يتعلق بنظمها وترتيبها. (۳) ما يتعلق بالأخذ بالوجوه. ونحن نشير إلى هذه الأقسام ونوضحها على حسب هذا الترتيب فنقول: ٢. حال الألفاظ والمراد منها ما يتعلق بهيئة اللفظ مفردا كان أو مركبا والتي ينبغي للخطيب أن يراعيها. وأهمها الأمور الآتية: ١ أن تكون الألفاظ مطابقة للقواعد النحوية والصرفية في لغة الخطيب فإن اللحن والغلط يشوه الخطاب ويسقط أثره في نفوس المستمعين. أن تكون الألفاظ من جهة معانيها صحيحة صادقة بأن لا تشتمل مثلا على المبالغات الظاهر عليها الكذب. ألا تكون ركيكة الأسلوب ولا متكلفا بها على وجه تخرج عن المحاورة التي تصلح لمخاطبة العامة والجمهور بل ينبغي أن يكون أسلوبها معتدلا على نحو ترتفع به عن ركاكة الأسلوب العامي ولا تبلغ درجة أسلوب محاورة الخاصة الذي لا ينتفع به الجمهور. ٤ أن تكون وافية في معناها بلا زيادة وفضول ولا نقصان مخل. ه أن تكون خالية من الحشو الذي يفكك نظام الجمل وارتباطها أو يوجب إغلاق الكلام وصعوبة فهمه. ٦ أن يتجنب فيها الإبهام والإيهام واحتمال أكثر من معنى وإن كان ذلك مما قد يحسن في الكلام الشعري ويحسن من الكهان الذين يريدون ألا يظهر كذبهم في تنبؤاتهم. ولكنه لا يحسن ذلك من الخطيب إلا إذا كان سياسيا حينما يقضي موقفه عليه الفرار من مسؤولية التصريح. أن تكون معتدلة في الإيجاز والإطناب لأن الإيجاز قد يخل بالمعنى والتطويل يورث الملل والحالات تختلف في ذلك فقد يكون المستمعون كلهم أو أكثرهم على حال من الذكاء والمعرفة يحسن في خطابهم الإيجاز وقد يكون المطلوب يستدعي التأكيد والتكرار والتهويل فيحسن التطويل حتى مع المستمعين الأذكياء. وعلى كل حال ينبغي بل يجب تجنب التكرار الذي لا فائدة فيه في جميع المواقع وكذلك إيراد الألفاظ المترادفة لا يحسن الإكثار منه. أن تكون خالية من الألفاظ الغريبة والوحشية وغير المتداولة ومن التعبيرات التي يشمئز منها المستمعون كالألفاظ الفحشية فلو اضطر إلى التعبير عن معانيها فليستعمل بدلها الكنايات. أن تكون مشتملة على المحسنات البديعية والاستعارات والمجازات والتشبيهات فإن هذه كلها لها الأثر الكبير في طراوة الكلام وجاذبيته وحلاوته. ولكن يجب أن يعلم أن الاستعارات والمحسنات ونحوها لا تخلو عن غرابة وبعد على فهم الناس فلا ينبغي الخروج بها عن حد الاعتدال وينبغي أن يراعى فيها الأقرب إلى طبع العامة ويفضل منها ما هو مطبوع على المتصنع المتكلف به. ويحسن أن نشبهها بالغرباء في مجالس الأصدقاء فإن حضورهم لا يخلو من فائدة ولكنهم لابد أن يؤثروا ضيقا وانقباضا في نفوس الأصدقاء. أ ١٠ أن تكون الجمل مزدوجة موزونة المقاطع. ومعنى الوزن هنا ليس الوزن المقصود به في الشعر بل معادلتها على الوجوه الآتية وهي على أنحاء متفاوتة متصاعدة: أن تكون مقاطيع الجمل متقاربة في الطول والقصر وإن كانت حروفها وكلماتها غير متساوية مثل قوله: (بكثرة الصمت تكون الهيبة وبالنصفة يكثر المواصلون). ب أن يكون عدد كلمات المقاطيع متساوية نحو : (العلم وراثة كريمة والآداب حلل مجددة). ج أن تكون الكلمات بالإضافة إلى تساويها متشابهة وحروفها متعادلة نحو: (أقوى ما يكون التصنع في أوله وأقوى ما يكون الطبع في آخره). د أن تكون المقاطيع مع ذلك في المد وعدمه متعادلة نحو : (طلب العادة أفضل الأفكار وكسب الفضيلة أنفع الأعمال فالأفكار تعادل الأعمال في المد. ه أن تكون الحروف الأخيرة من المقاطيع متشابهة كما لو كانت مسجعة نحو: (الصبر على الفقر قناعة والصبر على الذل صراعة). وأحسن الأوزان في الجمل أن تكون متعادلة مثنى أو ثلاث، أما ما زاد على ذلك فلا يحسن كثيرا بل قد لا يستساغ ويكون من التكلف الممقوت. نظم وترتيب الأقوال الخطابية كل كلام يشتمل على إيضاح مطلوب خطابيا أو غير خطابي لابد أن يتألف من جزأين أساسيين هما الدعوى والدليل عليها. والنظم الطبيعي يقتضي تقديم الدعوى على الدليل وقد تقتضي مصلحة الإقناع العكس وهذا أمر يرجع تقديره إلى نفس المتكلم. أما الأقوال الخطابية فالمناسب لها على الأغلب - بالإضافة إلى ذينك الجزأين الأساسيين - أن تشتمل على ثلاثة أمور أخرى تصدير واقتصاص وخاتمة. ونحن نبينها بالاختصار الأول - (التصدير) وهو ما يوضح أمام الكلام ومقدمة له ليكون بمنزلة الإشارة والإيذان بالغرض المقصود للخطيب. والفائدة منه إعداد المستمعين وتهيئتهم إلى التوجه نحو الغرض. وهو يشبه تنحنح المؤذن قبل الشروع وترنم المغني في ابتداء الغناء. وكذلك كل أمر ذي بال يراد منه لفت الأنظار إليه ينبغي تصديره بشيء مؤذن به. والأحسن في الخطابة أن يكون التصدير مشعرا بالمقصود وملوحا به لأنه إنما يؤتى به لفائدة تهيئة المستمعين لتقبل الغرض المقصود. ولأجل هذا يفتتح خطباء المنبر الحسيني خطاباتهم بالصلاة على الحسين ع والتظلم له. ويفتتح الكتاب رسائلهم بالبسملة ونحوها وبالسلام والشوق إلى المرسل إليه وبما قد يشعر بالمراد كما هو المألوف عند أصحاب الرسائل في العصور المتقدمة. ولكن ينبغي للخطيب أو الكاتب إذا رأى أن التصدير مما لابد منه يلاحظ فيه أمرين: ١ ألا يفتتح خطابه بما ينفر المخاطبين أو يثير سخطهم كأن يأتي بما يشعر التشاؤم في موضع التهنئة والفرح والسرور أو ما يشعر بالسرور في موضع التعزية والحزن أو يعبر بما يشعر بتعاظمه على المخاطبين ونحو ذلك. ٢ أن يحاول الاختصار جهد الإمكان بشرط أن يورده بعبارة مفهومة متينة فإن الإطالة في التصدير يضجر المخاطبين فينتقض عليه الغرض قبل الوصول إلى مطلوبه إلا إذا كان استدراجه لهم يتوقف على الإطالة كما لو أراد أن يذم خصما أو فعلا أو يثني على نفسه أو رأيه. وعلى كل حال إن التصدير بالكلام المكرر المألوف أو إطالته بالكلام الفارغ من أشنع ما يصنعه بعض الخطباء والكتاب وهو على العجز أكثر منه دليلا على المقدرة كما أن الأفضل في الاعتذار أن يترك التصدير أصلا. لأنه قد يثير الظن بأنه يريد التعلل والتهرب من الجواب والدفاع. الثاني - (الاقتصاص) وهو ما يذكر بيانا على التصديق بالمطلوب وشارحا له بقصة صغيرة تؤيده فإن القصة من أروع ما يعين على الإقناع ويقرب الغرض إلى الأذهان وكأنها من أقوى الأدلة عليه لا سيما عند العامة. وأصبحت القصة في العصور الأخيرة أدبا وفنا قائما برأسه يستعين بها دعاة الأفكار الحديثة لتلقين العامة وإقناعهم وإن كانت من صنع الخيال. والسر في أن طبيعية الإنسان شهوة الاستماع إلى القصة فيلتذ بها. وذلك لإشباع غريزة حب الاطلاع أو لغير ذلك من غرائزه وقد يعتبرها شاهدا ودليلا باعتبارها تجربة ناجحة. ثم الخطيب أو الكاتب بعد الاقتصاص ينبغي أن يشرع في بيان ما يريد إقناع الجمهور به. الثالث (الخاتمة) وهي أن يأتي بملخص ما سبق الكلام فيه وبما يؤذن بوداع المخاطبين من دعاء وتحية ونحوهما حسب ما هو مألوف. ولا شك أن الخاتمة كالتصدير فيها تزيين للقول وتحسين له لا سيما في الرسائل والمكاتبات.
ثالث (الخاتمة) وهي أن يأتي بملخص ما سبق الكلام فيه وبما يؤذن بوداع المخاطبين من دعاء وتحية ونحوهما حسب ما هو مألوف. ولا شك أن الخاتمة كالتصدير فيها تزيين للقول وتحسين له لا سيما في الرسائل والمكاتبات. ٤. الأخذ بالوجوه المقصود بالأخذ بالوجوه تظاهر الخطيب بأمور معبرة عن حاله ومؤثرة في المستمع على وجه تكون خارجة عن ذات الخطيب وأحواله وخارجة عن نفس ألفاظه وأحوالها وتكون الصناعة وحيلة. ولذلك يسمى هذا الأمر نفاقا ورياء وليس المقصود به أنه يجب ألا تكون له حقيقة كما قد تعطيه كلمة النفاق والرياء. وهذا الأمر مع فرضه من الأمور الخارجة عن ذات الخطيب ولفظه فهو له تعلق بأحدهما فهو لذلك على نوعين: ١ - ما يتعلق بلفظه والمقصود به ما يختص هيئة أداء اللفظ وكيفية النطق به فإن الخطيب الناجح من يستطيع أن يؤدي ألفاظه بأصوات ونبرات مناسبة للانفعال النفسي عنده أو الذي يريد أن يتظاهر به ومناسبة لما يريد أن يحدثه في نفوس المخاطبين من انفعالات وأن يلقيها بنغمات مناسبة لمقصوده والمعنى الذي يريد إفهامه للمخاطبين فيرتفع صوته عند موضع الشدة والغضب مثلا ويخفضه عند موضع اللين ويسرع به مرة ويتأنى أخرى وبنغمة محزنة مرة ومفرحة أخرى ... وهكذا حسب الانفعالات النفسية وحسب المقاصد. وقد قلنا سابقا في الاستدراجات أن هذه أمور ليس لها قواعد مضبوطة ثابتة بل هي تنشأ من موهبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده تصقل بالمران والتجربة.
ة أخرى ... وهكذا حسب الانفعالات النفسية وحسب المقاصد. وقد قلنا سابقا في الاستدراجات أن هذه أمور ليس لها قواعد مضبوطة ثابتة بل هي تنشأ من موهبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده تصقل بالمران والتجربة. وعلى كل حال ينبغي أن يكون الإلقاء معبرا عما يجيش في نفس الخطيب من مشاعر وحالات نفسية أو يتكفلها ومعبرا عما يريد أن يحدثه في نفوس المخاطبين كما ينبغي أن يكون معبرا أيضا عن مقاصده وأغراضه الكلامية فإن جملة واحدة قد تلقى بلهجة استفهام وقد تلقى نفسها بلهجة خبر من دون إحداث أي تغيير في نفس الألفاظ والفرق يحصل بالنغمة واللهجة. وهذه القدرة على تأدية الكلام المعبر بلهجاته ونغماته ونبراته شرط أساس لنجاح الخطيب إذ بذلك يستطيع أن يمتزج بأرواح المستمعين ويبادلهم العواطف ويجذبهم إليه وإلقاء الكلام الجامد لا يثير انفعالاتهم ولا تتفتح له قلوبهم ولا عقولهم بل يكون على العكس مملا مزعجا. ٢ ما يتعلق بالخطيب وهو ما يخص معرفته عند المستمعين وهيئته ومنظره الخارجي ليكون قوله مقبولا. وقد تقدم ذكر بعضه في الاستدراجات. وهو على وجهين قولي وفعلي أما القولي فمثل الثناء عليه أو على رأيه وإظهار نقصان خصمه أو ما يذهب إليه وتقرير ما يقتضي اعتقاد الخير به والثقة بقوله. وأما الفعلي فمثل الصعود على مرتفع كالمنبر فإن مشاهدة الخطيب لها أكبر الأثر في الإصغاء إليه وملاحقة تسلسل كلامه والانطباع بأفكاره وانفعالاته النفسية. ومثل الظهور بمنظر جذاب ولباس مقبول لمثله فإن لذلك أيضا أثره البالغ في نفوس المخاطبين. ومثل الإشارات باليد والعين والرأس وحركات البدن وتقاطيع الوجه وملامحه فإن كل هذه تعبر عن الانفعالات والمقاصد إذا أحسن الخطيب أن يضعها في مواضعها. وهكذا كل فعل له تأثير على مشاعر السامعين على نحو ما أشرنا إليه في الاستدراجات.
عين والرأس وحركات البدن وتقاطيع الوجه وملامحه فإن كل هذه تعبر عن الانفعالات والمقاصد إذا أحسن الخطيب أن يضعها في مواضعها. وهكذا كل فعل له تأثير على مشاعر السامعين على نحو ما أشرنا إليه في الاستدراجات. والعوام أطوع إلى الاستدراجات من نفس الكلام المعقول المنطقي ولهذا السبب تجد أن المتزهد المتقشف يسيطر على نفوسهم وإن كان فاسد العقيدة أو غير مرضي القول أو سيء التصرفات. ثم إنه ينبغي أن يجعل من باب الأخذ بالوجوه الذي يستعين به الخطيب على التأثير هو (الشعر) فإنه أكد في التأثير على العواطف كما سيأتي وأمكن في القلوب. فلا ينبغي أن تفوت الخطيب الاستعانة بالشعر فيمزج به كلامه ويلطف به خطابه لا سيما الأمثال والحكم منه ولا سيما ما كان مشهورا لشعراء معروفين. وسيأتي في البحث الآتي الكلام عن صناعة الشعر:
وأمكن في القلوب. فلا ينبغي أن تفوت الخطيب الاستعانة بالشعر فيمزج به كلامه ويلطف به خطابه لا سيما الأمثال والحكم منه ولا سيما ما كان مشهورا لشعراء معروفين. وسيأتي في البحث الآتي الكلام عن صناعة الشعر: الفصل الرابع صناعة الشعر تمهيد: إن الشعر صناعة لفظية تستعملها جميع الأمم على اختلافها. والغرض الأصلي منه التأثير على النفوس لإثارة عواطفها من سرور وابتهاج أو حزن وتألم أو إقدام وشجاعة أو غضب وحقد أو خوف وجبن أو تهويل أمر وتعظيمه أو تحقير شيء وتوهينه أو نحو ذلك من انفعالات النفس. والركن المقوم للكلام الشعري المؤثر في انفعالات النفوس ومشاعرها أن يكون فيه تخييل وتصوير إذ للتخييل والتصوير الأثر الأول في ذلك كما سيأتي بيانه فلذلك قيل: إن قدماء المناطقة من اليونانيين جعلوا المادة المقومة للشعر القضايا المتخيلات فقط ولم يعتبروا فيه وزنا ولا قافية. فقد أما العرب وتبعتهم أمم أخرى ارتبطت بهم كالفرس والترك اعتبروا في الشعر الوزن المخصوص المعروف عند العروضيين واعتبروا أيضا القافية على ما هي معروفة في علم القافية وإن اختلفت هذه الأمم في خصوصياتها. أما ما ليس له وزن وقافية فلا يسمونه شعرا وإن اشتمل على القضايا المخيلات. ولكن الذي صرح به الشيخ الرئيس في منطق الشفاء أن اليونانيين كالعرب كانوا يعتبرون الوزن في الشعر حتى أنه ذكر أسماء الأوزان عندهم.
أما ما ليس له وزن وقافية فلا يسمونه شعرا وإن اشتمل على القضايا المخيلات. ولكن الذي صرح به الشيخ الرئيس في منطق الشفاء أن اليونانيين كالعرب كانوا يعتبرون الوزن في الشعر حتى أنه ذكر أسماء الأوزان عندهم. وهكذا يجب أن يكون فإن للوزن أعظم الأثر في التخييل وانفعالات النفس لأن فيه من النغمة والموسيقى ما يلهب الشعور ويحفزه وما قيمة الموسيقى إلا بالتوقيع على وزن مخصوص منظم. بل القافية كالوزن في ذلك وإن جاءت بعده في الدرجة. ومن الواضح أن الشعر الموزون المقفى يفعل في النفوس ما لا يفعله الكلام المنثور سواء كان هذا الفرق بسبب العادة إذ الوزن صار مألوفا عند العرب وشبههم وتربى لديهم ذوق ثان غير طبيعي؛ أم - على الأصح - كان بسبب تأثر النفس بالوزن والقافية بالغريزة كتأثرها بالموسيقى المنظمة بلا فرق. والعادة ليس شأنها أن تخلق الغرائز والأذواق بل تقويها وتشحذها وتنميها. بل حتى الكلام المنثور المقفى والمزدوج المعادلة جمله بدون أن يكون له وزن شعري، له وقع على النفوس يهزها كما سبق الكلام عليه في توابع الخطابة، نعم المبالغة في التسجيع الذي يبدو متكلفا به على النحو الذي ألفته القرون الإسلامية الأخيرة – أفقدت الكلام رونقه وتأثيره. وعلى هذا فالوزن والقافية يجب أن يعتبرا من أجزاء الشعر ومقوماته لا من محسناته وتوابعه ما دام المنطقي إنما يهمه من الشعر هو التخييل وكل ما كان أقوى تأثيرا وتصويرا كان أدخل في غرضه. ويصح على هذا أن يعد الوزن والقافية من قبيل (الأعوان) نظير التي ذكرناها في الخطابة. أما (العمود) فهو نفس القضايا المخيلات فكما تنقسم أجزاء الخطابة إلى عمود وأعوان فكذلك الشعر.
وتصويرا كان أدخل في غرضه. ويصح على هذا أن يعد الوزن والقافية من قبيل (الأعوان) نظير التي ذكرناها في الخطابة. أما (العمود) فهو نفس القضايا المخيلات فكما تنقسم أجزاء الخطابة إلى عمود وأعوان فكذلك الشعر. نعم إن الكلام المنظوم المقفى إذا لم يشتمل على التصوير والتخييل لا يعد من الشعر عند المناطقة فلا ينبغي أن يسمى المنظوم في المسائل العلمية أو التاريخية المجردة مثلا شعرا وإن كان شبيها به صورة. وقد يسمى شعرا عند العرب أو بالأصح عند المستعربين. ومما ينبغي أن يعلم في هذا الصدد أنا عندما اعتبرنا الوزن والقافية فلا نقصد بذلك خصوص ما جرت عليه عادة العرب فيهما على ما هما مذكوران في علمي العروض والقافية بل كل ما له تفاعيل لها جرس وإيقاع في النفس ولو مثل (البنود) وماله قوافي مكررة مثل (الموشحات والرباعيات) – فإنه يدخل في عداد الشعر. أما الشعر المنثور المصطلح عليه في هذا العصر فهو شعر أيضا ولكنه بالمعنى المطلق الذي قيل عنه أنه مصطلح مناطقة اليونان فقد فقد ركنا من أركانه وجزءا من أجزائه. والإنصاف إن إهمال الوزن والقافية يضعف القيمة الشعرية للكلام ويضعف أثره التخييلي في النفوس وإن جاز إطلاق اسم الشعر عليه إذا كانت قضاياه تخييلية. تعريف الشعر: وعلى ما تقدم من الشرح ينبغي أن نعرف الشعر بما يأتي: أنه كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية مقفاة».
ويضعف أثره التخييلي في النفوس وإن جاز إطلاق اسم الشعر عليه إذا كانت قضاياه تخييلية. تعريف الشعر: وعلى ما تقدم من الشرح ينبغي أن نعرف الشعر بما يأتي: أنه كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية مقفاة». وقلنا: (متساوية) لأن مجرد الوزن من دون تساو بين الأبيات ومصارعها فيه لا يكون له ذلك التأثير إذ يفقد مزية النظام فيفقده تأثيره. فتكرار الوزن على تفعيلات متساوية هو الذي له الأثر في انفعال النفوس. فائدته: إن للشعر نفعا كبيرا في حياتنا الاجتماعية وذلك لإثارة النفوس عند الحاجة في هياجها لتحصيل كثير من المنافع في مقاصد الإنسان فيما يتعلق بانفعالات النفوس وإحساساتها في المسائل العامة من دينية أو سياسية أو اجتماعية أو من الأمور الشخصية الفردية. ويمكن تلخيص أهم فوائده في الأمور الآتية: ١ إثارة حماس الجند في الحروب. إثارة حماس الجماهير لعقيدة دينية أو سياسية أو إثارة عواطفه لتوجيهه إلى ثورة فكرية أو اقتصادية. تأييد الزعماء بالمدح والثناء وتحقير الخصوم بالذم والهجاء. ٤ هياج اللذة والطرب وبعث السرور والابتهاج لمحض الطرب والسرور كما في مجالس الغناء. ه إهاجة الحزن والبكاء والتوجع والتألم كما في مجالس العزاء. إهاجة الشوق إلى الحبيب أو الشهوة الجنسية كالتشبيب والغزل. الاتعاظ عن فعل المنكرات وإخماد الشهوات أو تهذيب النفس وترويضها على فعل الخيرات كالحكم والمواعظ والآداب.
ء والتوجع والتألم كما في مجالس العزاء. إهاجة الشوق إلى الحبيب أو الشهوة الجنسية كالتشبيب والغزل. الاتعاظ عن فعل المنكرات وإخماد الشهوات أو تهذيب النفس وترويضها على فعل الخيرات كالحكم والمواعظ والآداب. السبب في تأثيره على النفوس: وبعد معرفة تلك الفوائد يبقى أن نسأل عن شيئين: (الأول) عن السبب في تأثير الشعر على النفس لإثارة تلك الانفعالات. و (الثاني) بماذا يكون الشعر شعرا أي مخيلا؟ والجواب على السؤال الأول أن نقول: أن الشعر قوامه التخييل والتخييل - من البديهي - أنه من أهم الأسباب المؤثرة على النفوس لأن التخييل أساسه التصوير والمحاكاة والتمثيل لما يراد من التعبير عن معنى والتصوير له من الوقع في النفوس ما ليس لحكاية الواقع بأداء معناه مجردا عن تصويره فإن الفرق عظيم بين مشاهدة الشيء في واقعه وبين مشاهدة تمثيله بالصورة أو بمحاكاته بشيء آخر يمثله. إذ التصوير والتمثيل يثير في النفس التعجب والتخييل فتلتذ به وترتاح له وليس لواقع الحوادث المصورة والممثلة قبل تصويرها وتمثيلها ذلك الأثر من اللذة والارتياح إذا شاهدها الإنسان. واعتبر ذلك فيمن يحاكون غيرهم في مشية أو قول أو إنشاد أو حركة أو نحو ذلك فإنه يثير إعجابنا ولذتنا أو ضحكنا مع أنه لا يحصل ذلك الأثر النفسي ولا بعضه لو شاهدنا نفس المحكيين في واقعهم. وما سر ذلك إلا التخييل والتصوير في المحاكاة. وعلى هذا كلما كان التصوير دقيقا معبرا كان أبلغ أثرا في النفس. ومن هنا كانت السينما من أعظم المؤثرات على النفوس وهو سر نجاحها وإقبال