معيار العلم
معيار العلم في فن المنطق لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي معيار العلم في في فر المنطق لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ ه / ١١١٢ م قدم له وضبطه وشرحه الركن من صلاح الدين الهواري المكتبة العصرية صيدا - بيروت شركة ابناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع صيدا - بيروت - لبنان الخندق الغميق - ص.ب: ١١/٨٣٥٥ تلفاكس : ٦٥٥٠١٥ - ٦٣٢٦٧٣ - ٦٥٩٨٧٥ ١ ٠٠٩٦١ الدار التم بيروت - لبنان الخندق الغميق - ص.ب : ١١/٨٣٥٥ تلفاكس : ٦٥٥٠١٥ - ٦٣٢٦٧٣ - ٦٥٩٨٧٥ ١ ٠٠٩٦١ . المطبعة العصرية بيروت - لبنان بوليفار نزيه البزري - ص.ب: ۲۲۱ تلفاكس : ٧٢٠٦٢٤ - ٧٢٩٢٥٩ - ٧٢٩٢٦١ ٧ ٠٠٩٦١ صيدا - لبنان الطبعة الأولى ٢٠١٢م - ١٤٣٣ه جميع الحقوق محفوظة للناشر لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو أو بأي طريقة, سواء كانت الكترونية, أو بالتصوير أو التسجيل أو خلاف ذلك إلا بموافقة كتابية من الناشر مقدما . موقعنا على الإنترنت عنان
ع أو نقله على أي نحو أو بأي طريقة, سواء كانت الكترونية, أو بالتصوير أو التسجيل أو خلاف ذلك إلا بموافقة كتابية من الناشر مقدما . موقعنا على الإنترنت عنان مقدمة مقدمة عاش الغزالي في عصر ازدهرت فيه الفلسفة وعلم الكلام، وكثرت فيه الفرق التي تنافست على تفسير حقائق الوجود، وتناحرت حول كثير من قضايا الشرع والعقل، وما يقلق الإنسان من أمور الغيب والموت والبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار . . . ولم يكن أبو حامد بمنأى عن ذلك التناحر والصراع، فقد حصل فيضا من علوم الدين، ثم درس وأفتى، وكان حجة للإسلام والمسلمين، وسيفا باترا يقض مضاجع الزنادقة والملحدين . وما وضعه الإمام من مصنفات مثل إحياء علوم الدين»، و«المنقذ من الضلال»، و«الاقتصاد في الاعتقاد إنما هو غيض من فيض في إطار جهوده الحثيثة لنصرة الشريعة، وتوضيح أسس الاعتقاد، وضرورة التوسط فيه، لقول الله سبحانه وتعالى : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ [البقرة : ١٤٣]. وحصل أبو حامد علم الكلام، وعقله، وطالع كتبه، وصنف فيه، لكنه بالرغم من ذلك كله وجده عند الفحص والتدقيق مقصرا عن أداء المهمة الموكلة إليه، خصوصا وأن أصحابه شغلوا أنفسهم وأذهانهم بقضايا الجواهر والأعراض وأحكامها، ولم يصدر عن طويل بحثهم ومماراتهم ما يجلو العقول، ويمحو ظلمات الحيرة والوهم. وأنكر الغزالي على عوام الناس اشتغالهم بعلم الكلام، وبين في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام أن إيمان العوام الحاصل بتواتر السماع إنما يقوى بكثرة العبادة والذكر، وليس بالجدل والمماراة. وتوصل بعد دراسة وتجربة إلى أن أسلوب القرآن الكريم في الإقناع هو أبلغ الأساليب وأنفعها وأعمها، ورأى أن أدلته مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، وأن أدلة المتكلمين مثل الدواء، ينتفع به آحاد الناس، ويستضر به الأكثرون . وأقبل الإمام على طريق التصوف بعد تغلبه على أهواء النفس التي كانت تزين
نفعها وأعمها، ورأى أن أدلته مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، وأن أدلة المتكلمين مثل الدواء، ينتفع به آحاد الناس، ويستضر به الأكثرون . وأقبل الإمام على طريق التصوف بعد تغلبه على أهواء النفس التي كانت تزين معيار العلم في فن المنطق له حب الجاه والمنزلة والشهرة وأيقن أنها الطريق الأسلم للوصول إلى رضوان الله، والفوز بنعيمه الخالد في الجنة؛ لكنه لم يسكت عما رآه من فساد بعض المتصوفة الذين ألفوا البطالة، واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب، واستلانوا جانب السؤال والكدية، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد . . . فلبسوا المرقعات، واتخذوا في الخانقاهات منتزهات . . . » . وشنع على فئة منهم تركت السعي والعبادة، وزعمت أن محلها في معرفة الله أرفع من أن يمتهن بالتكاليف . وكفر فئة أخرى كانت تقول بالاتحاد والحلول كالحلاج وأشباهه، ولم يقبل إلا التصوف القائم على العبادة والانقطاع عن زخارف الدنيا وزينتها، كفعل عامة صحابة النبي ﷺ في عهد النبوة والراشدين . وتعمق أبو حامد في دراسة الفلسفة ومسائلها، وتعرف إلى كثير من أباطيلها وأوهامها، ثم غزا أصحابها في عقر دارهم، فهدم حصونهم، وفند أوهامهم، وكذبهم بكتابه (تهافت الفلاسفة في العديد من مسائلهم التي شغلوا بها البلاد والعباد . ولعله أدرك أن بعض خصومه من المتعالمين قد عجز عن فهم ألفاظه في آحاد المسائل الواردة في تهافت الفلاسفة، فوضع لهم معيار العلم في فن المنطق»، وهو الكتاب الذي نعنى ههنا بشرحه ودراسته . يقع هذا الكتاب في مجلد واحد، ويشتمل على أربعة موضوعات رئيسة هي : مقدمات القياس، القياس، الحد، وأقسام الوجود وأحكامه . في المقدمات تناول أبو حامد ثلاثة فنون هي : الألفاظ، ومفردات المعاني، وتركيب المعاني المفردة (القضايا) . وفي باب القياس سلط الضوء على صورة القياس، ومادته، ومغلطاته، ولواحقه . ودرس في باب الحد القوانين الخاصة به، فبين الحاجة إلى الحد، وعين مادته، وصورته، وأقسامه، وصعوبته، ومثارات الغلط فيه؛ وذكر حدود ألفاظ أطلقها الفلاسفة في الإلهيات والطبيعيات، والرياضيات . أما باب أقسام الوجود وأحكامه، فضمن المؤلف قسمه الأول تحديدا لأقسام الوجود، وأقوالا في : الجوهر، والكم والكيف، والأين، وغيرها. وضمن قسمه الثاني بحثا في انقسام الوجود بأعراضه الذاتية إلى أصنافه
ياضيات . أما باب أقسام الوجود وأحكامه، فضمن المؤلف قسمه الأول تحديدا لأقسام الوجود، وأقوالا في : الجوهر، والكم والكيف، والأين، وغيرها. وضمن قسمه الثاني بحثا في انقسام الوجود بأعراضه الذاتية إلى أصنافه مقدمة وأحواله، وأقوالا في الانقسام إلى العلة والمعلول، وإلى القديم والحديث، والكلي والجزئي، والممكن والواجب، وغيرها. وحصر أبو حامد دافعه إلى تأليف الكتاب بغرضين رئيسين هما : تفهيم طرق الفكر والنظر، وتنوير مسالك الأقيسة والعبر». الكشف عن معاني الاصطلاحات التي أودعها كتاب «تهافت الفلاسفة». ونظرا لأهمية هذا الكتاب في دراسة علم المنطق بما يشتمل عليه من فنون ومباحث، تقوم المكتبة العصرية بطباعته ونشره بحلة جديدة، ترضي أذواق الدارسين، وتلبي حاجاتهم العلمية . ويقوم عملنا فيه وفقا للخطة التالية : تصدير الكتاب بمقدمة تشتمل على تعريف بمنهجه، وأغراضه، وسيرة صاحبه، وآثاره، ومنزلته . ضبط وشرح ما غمض أو صعب من عبارات الكتاب وألفاظه . توثيق الآيات القرآنية وفقا لورودها في القرآن الكريم. توثيق الأحاديث النبوية وفقا لورودها في كتب الحديث المعتبرة . توثيق الأبيات الشعرية وفقا لورودها في مصادرها الأصلية . التعريف بأعلام الكتاب، مع الإحالة إلى أهم المصادر التي ترجمت لهم . والله سبحانه وتعالى نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يسدد خطانا إلى ما فيه الخير والفلاح في الدين والدنيا والآخرة. إنه هو السميع المجيب . صلاح الدين الهواري
المصادر التي ترجمت لهم . والله سبحانه وتعالى نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يسدد خطانا إلى ما فيه الخير والفلاح في الدين والدنيا والآخرة. إنه هو السميع المجيب . صلاح الدين الهواري معيار العلم في فن المنطق ترجمة المؤلف حياته : هو الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الشافعي فقيه فيلسوف، متصوف، مصنف في شتى أنواع المعارف والعلوم. ولد بالطابران سنة ٤٥٠ه / ١٠٥٨م (١) لأب كان يغزل الصوف ويبيعه في حانوت له بطوس (٢) . وحين حضرت الوالد الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له صوفي صالح، فأدبهما، وعلمهما الخط، ورعاهما، حتى إذا نفد ما خلفه أبوهما، وتعذرت عليه إعالتهما دفع بهما إلى مدرسة البلدة طلبا للعلم والقوت (۳) فاشتغل أبو حامد في تلك المدرسة مدة، ثم ارتحل إلى جرجان، حيث اتصل بأبي نصر الإسماعيلي (٤) . ثم قدم نيسابور، حيث اختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ه / ١٠٨٥م)، وجد في الاشتغال لديه حتى تخرج في مدة يسيرة، فأقرأ ، وصنف، وصار من أعلام وقته المشار إليهم (٥) وحين توفي الجويني، خرج الغزالي من نيسابور إلى العسكر، واتصل بالوزير نظام الملك، وكان مجلسه محط رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقع لأبي حامد أمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة، ومجاراة الخصوم، ومناظرة الفحول، فأكرمه نظام الملك، وعظمه، وبالغ في الإقبال عليه، فعظمت منزلته، وطار اسمه في الآفاق، وسارت بذكره الركبان . (۱) وقيل : ولد سنة ٤٥١ه / ١٠٥٩م ( وفيات الأعيان : ٢١٨/٤). (۲) شذرات الذهب : ١١/٤ . (۳) وقيل : كان يرتزق من النسخ البداية والنهاية : ١٨٥/١٢). (٤) كذا في شذرات الذهب : ١١/٤ ، وفي وفيات الأعيان : ٢١٧/٤ ، أنه اشتغل في مبدأ أمره بطوس على أحمد الراذكاني . (٥) في وفيات الأعيان (٢١٧/٤) : كان الجويني يتبجح بالغزالي، ويباهي به العلماء. وفي شذرات الذهب (١١/٤) أنه كان يظهر التبجح به، ويخفي الحسد لما اتصف به الغزالي من قوة الطبع، وسرعة العبارة.
مد الراذكاني . (٥) في وفيات الأعيان (٢١٧/٤) : كان الجويني يتبجح بالغزالي، ويباهي به العلماء. وفي شذرات الذهب (١١/٤) أنه كان يظهر التبجح به، ويخفي الحسد لما اتصف به الغزالي من قوة الطبع، وسرعة العبارة. ثم انتدبه الوزير للتدريس بمدرسته النظامية ببغداد سنة ٤٨٤ه / ١٠٩١م، فقدمها في تجمل كبير، وتلقاه الناس بالإجلال والترحاب، ونفذت كلمته، وعظمت حشمته، وشدت إليه الرحال، وضرب به المثل. ثم صغرت نفسه عن صغائر الدنيا فرفضها، وأقبل على العبادة والسياحة، وخرج إلى الحجاز سنة ٤٨٨ ه / ١٠٩٥م فحج ، ورجع إلى دمشق، واستوطنها عشر سنين يدرس ويصنف . ثم سار إلى القدس، فالإسكندرية، فطوس من جديد، حيث أقام مقبلا على التصنيف والعبادة وملازمة التلاوة، ونشر العلم، واعتزال الناس . ثم خطبه الوزير فخر الدين بن نظام الملك للتدريس بنظامية نيسابور، فأجابه إلى ذلك بعد رفض ومعاودة، وأقام لديه مدة ، ثم تركه وعاد إلى وطنه، وابتني بجوار داره خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين، ولزم الانقطاع، ووزع أوقاته على وظائف الخير : من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس، وإدامة الصيام والتهجد، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة ٥٠٥ه / ١١١٢م، ودفن بظاهر الطابران (۱) . آثاره: ترك أبو حامد الغزالي تصانيف كثيرة في الدين والأخلاق، والفلسفة، والعقائد، والتصوف وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتفسير، والعادات، نذكر منها (۲) : إحياء علوم الدين . الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة . أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار . أسرار الأنوار الإلهية بالآيات المتلوة . أسرار الحج . أسرار المعاملات .
م، والتفسير، والعادات، نذكر منها (۲) : إحياء علوم الدين . الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة . أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار . أسرار الأنوار الإلهية بالآيات المتلوة . أسرار الحج . أسرار المعاملات . الإشارة المعنوية والأسرار الحرفية . إشراق المآخذ . الاقتصاد في الاعتقاد . إلجام العوام عن علم الكلام .. الانتصار لما في الأجناس من الأسرار . مرشد الطالبين . المسائل البغدادية . المستصفى في أصول الفقه . مشكاة الأنوار في رياض الأزهار . مصطفيات الأسرار . المضنون به على غير أهله . المعارف العقلية والحكم الإلهية. المعتقد . معراج السالكين . معيار العلم . مقاصد الفلاسفة . المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. المنتحل في علم الجدل. المنخول في علم الأصول. منشأ الرسالة في أحكام الزيغ والضلالة . المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال. الفكرة والعبرة . فواتح السور . فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة. قانون الرسول . القربة إلى الله سبحانه وتعالى. القسطاس المستقيم. قواعد العقائد . كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح . كنز العدة . المآخذ في الخلاف بين الحنفية . المبادي والغايات في قتل المسلم بالذمي . محك النظر . مدخل السلوك إلى منازل الملوك . مراقي الزلفى . الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة . الذريعة إلى مكارم الشريعة . الذهب الإبريز في خواص الكتاب العزيز . الرد الجميل على من غير التوراة والإنجيل . الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية . الرسالة اللدنية . الرسالة المسترشدية . السر المكتوم . شفاء العليل في القياس والتعليل. عقيدة أهل السنة . عنقود المختصر ونقاوة المعتصر . العنوان . غاية الغور في مسائل الدور . غاية الوصول في الأصول. غرر الدرر . فضائح الإباحية . أيها الولد.
السر المكتوم . شفاء العليل في القياس والتعليل. عقيدة أهل السنة . عنقود المختصر ونقاوة المعتصر . العنوان . غاية الغور في مسائل الدور . غاية الوصول في الأصول. غرر الدرر . فضائح الإباحية . أيها الولد. بداية الهداية في الموعظة . بدائع صنيع . البسيط في الفروع . التبر المسبوك في نصيحة الملوك. تحصين الأدلة . تدليس إبليس . تهافت الفلاسفة . الجوابات المرقومة . جواهر القرآن . الحصن الحصين في التجريد والتوحيد . حقيقة القولين . خاتم الشيخ . خلاصة الوسائل إلى علم المسائل . خواص القرآن . الدر المنظوم في السر المكتوم. منهاج العابدين . منهاج المتعلم . ميزان العمل . الوجيز في الفروع . الوسائل إلى تحقيق الدلائل الوسيط في الفروع . ياقوت التأويل في تفسير التنزيل . يواقيت العلوم . معارج القدس في أحوال النفس . الوقف والابتداء في التفسير . منزلته وآراء النقاد والمؤرخين فيه : تضاربت في الغزالي آراء النقاد والمؤرخين، واختلفت مواقفهم، فمنهم
التأويل في تفسير التنزيل . يواقيت العلوم . معارج القدس في أحوال النفس . الوقف والابتداء في التفسير . منزلته وآراء النقاد والمؤرخين فيه : تضاربت في الغزالي آراء النقاد والمؤرخين، واختلفت مواقفهم، فمنهم من امتدحه، ورفعه، واعترف بعلمه وفضله، ومنهم من ذمه، ونسبه إلى الجهل والتخبط والتردد بين الدين والفلسفة والكلام والتصوف؛ قال ابن خلكان(۱) ت ٦٨١ ه / ١٢٨٣م) مادحا : لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله» (۲) . وأثنى عليه ابن العماد الحنبلي (۳) (ت ١٠٨٩ ه / ١٦٧٨م) بقوله : «وصنف التصانيف مع التصوف والذكاء المفرط، والاستبحار في العلم (٤) . وقال ابن كثير الدمشقي (٥) (ت ٧٧٤ه (۱۳۷۳م) : «كان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وساد في شبيبته حتى أنه درس بالنظامية ببغداد سنة ٤٨٤ه / ١٠٩١م وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رؤوس العلماء» (1) . وقال الأسنوي (٧) (ت ٧٥٦ه / ١٣٥٥م) : «الغزالي إمام باسمه تنشرح الصدور، وتحيا النفوس، وبرسمه تفتخر المحابر ، وتهتز الطروس، وبسماعه تخشع الأصوات، وتخضع الرؤوس». وقال : «انتقل إلى رحمة الله وهو قطب الوجود، والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق (۸) . ومن خصوم الغزالي القدامى الذين تشددوا في عداوته ابن رشد
ملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق (۸) . ومن خصوم الغزالي القدامى الذين تشددوا في عداوته ابن رشد ت ٥٩٥ه / ١١٩٨م) الذي قال فيه : «لا شك أن هذا الرجل أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة ) (۱) . وقال في نعت كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة»: «كان هذا الكتاب أليق لفظ به کتاب «التهافت بإطلاق لا تهافت الفلاسفة، لأن الذي يفيد الناظر هو أن يتهافت» (۲) . ومن خصومه أيضا ابن تيمية (۳) (ت ۷۲۸ ه / ۱۳۲۸م) الذي كتب فصولا في تناقضه وتسفيه بعض آرائه . ومنهم ابن القيم (٤) (ت ٧٥١ه / ١٣٥٠م) الذي شن على الغزالي حملة شعواء من خلال مناقشته لكتاب إحياء علوم الدين وإبراز ما زعمه فيه من أخطاء . ومن أنصاره : تاج الدين السبكي (٥) (ت ٧٧١ه / ١٣٧٠م) الذي كتب عنه في كتابه طبقات الشافعية أكثر من ثمانين صفحة، ودافع عنه، وكان يرى أنه لو لم يكن لدى المسلمين غير كتاب إحياء علوم الدين» لكفى (٦) ومنهم الزبيدي (٧) (ت ١٢٠٥ ه / ۱۷۸۱م) الذي وضع شرحا مطولا لكتاب إحياء علوم الدين في عشر مجلدات، ودافع عن الغزالي في المجلد الأول دفاع المستميت .
لم يكن لدى المسلمين غير كتاب إحياء علوم الدين» لكفى (٦) ومنهم الزبيدي (٧) (ت ١٢٠٥ ه / ۱۷۸۱م) الذي وضع شرحا مطولا لكتاب إحياء علوم الدين في عشر مجلدات، ودافع عن الغزالي في المجلد الأول دفاع المستميت . وكان للنقاد المعاصرين مواقف متباينة من الغزالي أيضا، فمنهم من عارضه وناهضه، ومنهم من ناصره وأيده، ومنهم من توسط بين الموقفين، فلم يتشدد في نصرة أو خصومة . وهذه مقتطفات سريعة من بعض تلك المواقف والآراء (١) : يشكر الدكتور مصطفى فهمي (۲) الغزالي على ما أداه للعلم من خدمات، ويغفر له أخطاءه، لأنه كأكثر المؤلفين في عصره كان يعتمد على ذاكرته، والاعتماد على الذاكرة يورث التناقض والاضطراب . يقدر الأستاذ جاد المولى (۳) جهد الغزالي في نشر التصوف وإذاعته، ويراه من المجددين في عصره، لأنه حاول النهوض بالأفكار الإسلامية التي كادت الأفكار الفلسفية تقضي عليها في ذلك الوقت. - يرى الشيخ علي عبد الرازق (٤) أن الغزالي أوجد حركة فكرية في العالم الإسلامي تختلف قيمتها باختلاف الأقطار والأمصار . يرى الشيخ عبد العزيز جاويش (٥) أن جهل الغزالي بفن الحديث هو المقتل الوحيد لقيمته العلمية، ولن ينفعه بعد ذلك ذيوع اسمه في العالمين . - يرى الدكتور علي العناني (۱) أن الغزالي حاول الوقوف في وجه استقلال العقل عن الشرع والوحي، فحارب الفلاسفة وناضلهم حتى أخمل ذكرهم في المشرق . - يثني الدكتور أحمد أمين (۲) على الغزالي فيقول: إنه حول الناس عن الاشتغال بالفلسفة، ورجعهم إلى الكتاب والسنة، وأعلى شأن الصوفية، وحببها إلى الناس . أما الدكتور زكي مبارك (۳) فيقول في معرض حديثه عن التوحيد عند الغزالي : يطمع الغزالي في معرفة ذات الله معرفة حقيقية، وهذا والله عين الجهل، ونفس الضلال» (٤) وحول دراسة الغزالي للفلسفة يقول : درس الغزالي الفلسفة، ولكنه درسها بنية سيئة، درسها ليسبر غورها، ثم ينشر مساويها على العالمين»(٥) . وبعد، فهذا هو الغزالي في عيون النقاد والمؤرخين وأهل الفكر والقلم. وما كانت أقوالهم لتكثر فيه، وما كانت آراؤهم ومواقفهم لتتباين وتتضارب، لولا المكانة الرفيعة التي تبوأها هذا الرجل في عالم الدين والفكر والفلسفة، ولولا الهزة العلمية العنيفة التي أحدثها في عصره، وظلت آثارها وتداعياتها تخيم على مساحة واسعة من الفكر الإنساني حتى أيامنا الحاضرة .
المكانة الرفيعة التي تبوأها هذا الرجل في عالم الدين والفكر والفلسفة، ولولا الهزة العلمية العنيفة التي أحدثها في عصره، وظلت آثارها وتداعياتها تخيم على مساحة واسعة من الفكر الإنساني حتى أيامنا الحاضرة . ۱۷ أغراض الكتاب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما، اللهم أرنا الحق حقا ووفقنا إلى اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وأعنا على اجتنابه، آمين أغراض الكتاب اعلم وتحقق أيها المقصور (۱) على درك العلوم حرصه وإرادته، الممدود(۲) نحو أسرار الحقائق العقلية همته، المصروف (۳) عن زخارف الدنيا ونيل لذاتها الحقيرة سعيه وكده (٤) ، الموقوف (٥) على درك السعادة بالعلم والعبادة جده وجهده، بعد حمد الله الذي يقدم على كل أمر ذي بال حمده، والصلاة على النبي محمد الله رسول الله وعبده أن الباعث على تحرير هذا الكتاب الملقب بمعيار العلم غرضان مهمان : أحدهما : تفهيم طرق (۷) الفكر والنظر، وتنوير مسالك الأقيسة والعبر(۸)؛ فإن العلوم النظرية لما لم تكن بالفطرة والغريزة مبذولة وموهوبة (٩)، كانت لا محالة
ر هذا الكتاب الملقب بمعيار العلم غرضان مهمان : أحدهما : تفهيم طرق (۷) الفكر والنظر، وتنوير مسالك الأقيسة والعبر(۸)؛ فإن العلوم النظرية لما لم تكن بالفطرة والغريزة مبذولة وموهوبة (٩)، كانت لا محالة (1) المقصور على الشيء : المحبوس عليه ؛ يقال : قصر الشيء : حبسه ، وقصر نفسه على الشيء: حبسها عليه وألزمها إياه . (۲) الممدود : المبسوط ؛ يقال : مد يده : بسطها ، ومد الله عمره : أطاله، ومد فلان بصره إلى الشيء : طمح إليه . (۳) المصروف : المردود ؛ يقال : صرف الشيء صرفا : رده عن وجهه . (٤) الكد : الشدة في العمل ؛ يقال : كد فلان كدا : اشتد في العمل، أو ألح في إنجازه . (٥) الموقوف : المحبوس ، أو المعلق ؛ يقال : وقف الدار ونحوها حبسها في سبيل الله، ووقف الأمر على حضور فلان: علق الحكم فيه بحضوره . (٦) حرر الكتاب تحريرا : أصلحه وجود خطه . (۷) الطرق : المناهج أو المسالك، المفرد : طريق . (۸) العبر : العظات أو الحكم، المفرد : عبرة . (۹) مبذولة : مجود بها، معطاة؛ يقال : بذل الشيء بذلا : جاد به عن طيب نفس، فهو باذل، والشيء مبذول . موهوبة : معطاة من غير عوض ؛ يقال : وهب له الشيء وهبا ، وهبة : أعطاه إياه بلا عوض، فهو واهب ووهاب، والشيء موهوب .
: مجود بها، معطاة؛ يقال : بذل الشيء بذلا : جاد به عن طيب نفس، فهو باذل، والشيء مبذول . موهوبة : معطاة من غير عوض ؛ يقال : وهب له الشيء وهبا ، وهبة : أعطاه إياه بلا عوض، فهو واهب ووهاب، والشيء موهوب . معيار العلم في فن المنطق ۱۸ مستحصلة (1) مطلوبة، وليس كل طالب يحسن الطلب، ويهتدي إلى طريق المطلب، ولا كل سالك يهتدي إلى الاستكمال، ويأمن الاغترار (۲) بالوقوف دون ذروة (۳) الكمال، ولا كل ظان الوصول إلى شاكلة (٤) الصواب آمن من الانخداع بلامع السراب (٥) ؛ فلما كثر في المعقولات مزلة الأقدام (٦) ، ومثارات (۷) الضلال، ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها من تخليطات الأوهام وتلبيسات (۸) ن (۸) الخيال، رتبنا هذا الكتاب معيارا للنظر والاعتبار (۹) وميزانا للبحث والافتكار، وصيقلا (١٠) للذهن، ومشحذا (۱۱) لقوة الفكر . والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض (۱۲) بالنسبة إلى الشعر، والنحو بالإضافة إلى الإعراب، إذ كما لا يعرف منزحف (۱۳) الشعر من موزونه إلا بميزان العروض، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه وصحيحه وسقيمه إلا بهذا الكتاب . فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار فاعلم أنه فاسد العيار (١٤) غير مأمون الغوائل والأغوار (١٥)
خطئه إلا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه وصحيحه وسقيمه إلا بهذا الكتاب . فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار فاعلم أنه فاسد العيار (١٤) غير مأمون الغوائل والأغوار (١٥) (۱) مستحصلة : يقال : حصل الشيء : خلصه وميزه من غيره، أو : أدركه وناله. (۲) الاغترار : يقال : اغتر فلان : غفل، واغتر بالشيء : خدع به . (۳) ذروة كل شيء : أعلاه . (٤) الشاكلة : السجية والطبع ؛ قال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] . والشاكلة : الخاصرة ؛ ويقال : أصاب شاكلة الصواب . (٥) السراب : ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر كالماء في المفاوز يلصق بالأرض؛ قال تعالى: ﴿أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾ [النور: ٣٩]. (٦) المزلة : موضع الزلل (الأنزلاق). (۷) مثارات الضلال : مهيجاتها ؛ يقال : أثاره إثارة، وإثارا : هيجه ونشره. (۸) تلبيسات الخيال : تخليطاته ؛ يقال : لبس عليه الأمر خلطه ؛ وألبس عليه الأمر: اشتبه واختلط، والتبس عليه الأمر : أشكل واختلط (9) الاعتبار : الاتعاظ ؛ يقال : اعتبر بالشيء : اتعظ ؛ وقيل : الاعتبار: التفكير . (١٠) الصيقل ، والصقال : من صناعته الصقل ؛ يقال : صقل السيف ونحوه صقلا، وصقالا: جلاه، ومنه : صقل كلامه : هذبه ونمقه . (۱۱) المشحذ : آلة الشحد : المسن . (۱۲) العروض : علم يبحث فيه عن أحوال الأوزان المعتبرة، أو هو ميزان الشعر، به يعرف مكسوره من موزونه. (علم العروض والقافية، عبد العزيز عتيق : (٧). (۱۳) المنزحف من الشعر : الذي طرأ عليه الزحاف وهو عند العروضيين تغيير يلحق ثاني السبب الخفيف أو الثقيل . (١٤) العيار : كل ما تقدر به الأشياء من كيل أو وزن، أو ما اتخذ أساسا للمقارنة . (١٥) الغوائل: جمع الغائلة : الداهية، أو الفساد والشر . الأغوار : جمع الغور : كل منخفض من الأرض، ومن كل شيء: قعره وعمقه .
(١٤) العيار : كل ما تقدر به الأشياء من كيل أو وزن، أو ما اتخذ أساسا للمقارنة . (١٥) الغوائل: جمع الغائلة : الداهية، أو الفساد والشر . الأغوار : جمع الغور : كل منخفض من الأرض، ومن كل شيء: قعره وعمقه . ۱۹ أغراض الكتاب والباعث الثاني : الاطلاع على ما أودعناه كتاب «تهافت الفلاسفة»، فإنا ناظرناهم بلغتهم وخاطبناهم على حكم اصطلاحاتهم التي تواطأوا (۱) عليها في المنطق. وفي هذا الكتاب تنكشف معاني تلك الاصطلاحات؛ فهذا أخص الباعثين، والأول أعمهما وأهمهما . أما كونه أهم فلا يخفى عليك وجهه، وأما كونه أعم فمن حيث يشمل جدواه جميع العلوم النظرية : العقلية منها والفقهية، فإنا سنعرفك أن النظر في الفقهيات لا يباين النظر في العقليات، وفي ترتيبه وشروطه وعياره، بل في مآخذ المقدمات فقط . ولما كانت الهمم في عصرنا مائلة من العلوم إلى الفقه بل مقصورة عليه، حتى حدانا (۲) ذلك إلى أن صنفنا في طرق المناظرة فيها «مآخذ الخلاف أولا، ولباب (۳) النظر ثانيا، وتحصين (٤) المآخذ ثالثا، وكتاب «المبادي والغايات رابعا، وهو الغاية القصوى في البحث الجاري على منهاج النظر العقلي في ترتيبه وشروطه، وإن فارقه في مقدماته. رغبنا ذلك أيضا في أن نورد في منهاج الكلام في هذا الكتاب أمثلة فقهية فتشمل فائدته، وتعم سائر الأصناف جدواه وعائدته (٥) . ولعل الناظر بالعين العوراء نظر الطعن والإزراء (٦)، ينكر انحرافنا عن العادات في تفهيم العقليات القطعية بالأمثلة الفقهية الظنية، فليكف عن غلوائه (۷) في طعنه وإزرائه، وليشهد على نفسه بالجهل بصناعة التمثيل وفائدتها، فإنها لم توضع إلا لتفهيم الأمر الخفي بما هو الأعرف عند المخاطب المسترشد، ليقيس مجهوله إلى ما هو معلوم عنده فيستقر المجهول في نفسه . فإن كان الخطاب مع نجار لا يحسن إلا النجر (۸) وكيفية استعمال آلاته، وجب على مرشده ألا يضرب له المثل إلا من صناعة النجارة، ليكون ذلك أسبق إلى فهمه وأقرب إلى مناسبة عقله، وكما لا يحسن إرشاد المتعلم إلا بلغته لا يحسن إيصال المعقول إلى فهمه إلا بأمثلة هي أثبت في معرفته؛ فقد عرفناك غاية هذا الكتاب وغرضه تعريفا مجملا
النجارة، ليكون ذلك أسبق إلى فهمه وأقرب إلى مناسبة عقله، وكما لا يحسن إرشاد المتعلم إلا بلغته لا يحسن إيصال المعقول إلى فهمه إلا بأمثلة هي أثبت في معرفته؛ فقد عرفناك غاية هذا الكتاب وغرضه تعريفا مجملا (۱) تواطأ القوم على الأمر : توافقوا عليه؛ أو اصطلحوا. (۲) حدانا : قادنا ، ساقنا . (۳) لباب كل شيء : خالصه . (٤) تحصين الشيء : منعه وصيانته ووقايته . (٥) الجدوى العطية . العائدة : المعروف والصلة . (٦) طعن فيه، وعليه بلسانه، أو بقوله طعنا ، وطعنانا : ثلبه وعابه واعترض عليه. الإزراء : يقال : زرى عليه، وأزرى : عابه وعتب عليه، ومنه : أزرى بالشيء إزراء : تهاون به وقصر . (۷) الغلواء : الغلو : المبالغة أو التشدد أو تجاوز الحد في الأمر. (۸) النجر : تسوية الخشب وصناعته .
ض عليه. الإزراء : يقال : زرى عليه، وأزرى : عابه وعتب عليه، ومنه : أزرى بالشيء إزراء : تهاون به وقصر . (۷) الغلواء : الغلو : المبالغة أو التشدد أو تجاوز الحد في الأمر. (۸) النجر : تسوية الخشب وصناعته . معيار العلم في فن المنطق ۲٠ فلنزد له شرحا وإيضاحا لشدة حاجة النظار إلى هذا الكتاب . لعلك تقول أيها المنخدع بما عندك من العلوم الذهنية المستهتر بما تسوق إليه البراهين العقلية ما هذا التفخيم والتعظيم ؟ وأي حاجة بالعاقل إلى معيار وميزان؟ فالعقل هو القسطاس المستقيم والمعيار القويم ، فلا يحتاج العاقل بعد كمال عقله إلى تسديد وتقويم، فلتتئد ولتتثبت فيما تستخف به من غوائل(۱) الطرق العقلية، ولتتحقق قبل كل شيء أن فيك حاكما (۲) حسيا وحاكما وهميا (۳) وحاكما عقليا، والمصيب من هؤلاء الحكام هو الحاكم العقلي، والنفس في أول الفطرة أشد إذعانا وانقيادا للقبول من الحاكم الحسي والوهمي، لأنهما سبقا في أول الفطرة إلى النفس وفاتحاها بالاحتكام عليها، فألفت احتكامهما وأنست بهما قبل أن أدركها الحاكم العقلي، فاشتد عليها الفطام عن مألوفها والانقياد لما هو كالغريب من مناسبة جبلتها (٤) ، فلا تزال تخالف حاكم العقل وتكذبه وتوافق حاكم الحس والوهم وتصدقهما إلى أن تضبط بالحيلة التي سنشرحها في الكتاب . وإن أردت أن تعرف مصداق ما تقوله في تخرص(٥) هذين الحاكمين واختلالهما، فانظر إلى حاكم الحس كيف يحكم إذا نظرت إلى الشمس عليها بأنها في عرض مجر، وفي الكواكب بأنها كالدنانير المنثورة على بساط أزرق، وفي الظل الواقع على الأرض للأشخاص المنتصبة بأنه واقف بل على شكل الصبي في مبدأ نشئه بأنه واقف، وكيف عرف العقل ببراهين لم يقدر الحسن على المنازعة فيها، أن قرص الشس أكبر من كرة الأرض بأضعاف مضاعفة، وكذلك الكواكب، وكيف هدانا إلى أن الظل الذي نراه واقفا هو متحرك على الدوام لا يفتر، وأن طول الصبي في مدة النشء غير واقف بل هو في النمو على الدوام والاستمرار، ومترق إلى الزيادة ترقيا خفي التدريج يكل الحس (٦) عن دركه، ويشهد العقل به . وأغاليط الحس من هذا الجنس تكثر فلا تطمع في استقصائها، واقنع بهذه النبذة اليسيرة من أنبائه لتطلع بها على إغوائه . وأما الحاكم الوهمي فلا تغفل عن تكذيبه بموجود لا إشارة إلى جهته،
دركه، ويشهد العقل به . وأغاليط الحس من هذا الجنس تكثر فلا تطمع في استقصائها، واقنع بهذه النبذة اليسيرة من أنبائه لتطلع بها على إغوائه . وأما الحاكم الوهمي فلا تغفل عن تكذيبه بموجود لا إشارة إلى جهته، (1) الغوائل : الدواهي والشرور . (۲) الحاكم : الملكة النفسية التي تصدر الحكم. (۳) الوهمي : المتخيل . (٤) الجلة : الخلقة . (٥) تخرص فلان : تكذب بالباطل . (٦) كل الحس : ضعف وفتر .
جود لا إشارة إلى جهته، (1) الغوائل : الدواهي والشرور . (۲) الحاكم : الملكة النفسية التي تصدر الحكم. (۳) الوهمي : المتخيل . (٤) الجلة : الخلقة . (٥) تخرص فلان : تكذب بالباطل . (٦) كل الحس : ضعف وفتر . أغراض الكتاب ۲۱ وإنكاره شيئا لا يناسب أجسام العالم بانفصال واتصال، ولا يوصف بأنه داخل العالم ولا خارجه . .. ولولا كفاية العقل شر الوهم في تضليله هذا لرسخ (۱) في نفوس العلماء من الاعتقادات الفاسدة في خالق الأرض والسماء، ما رسخ في قلوب العوام والأغبياء. ولا نفتقر إلى هذا الإبعاد في تمثيل تضليله وتخييله، فإنه يكذب فيما هو أقرب إلى المحسوسات مما ذكرناه، لأنك إن عرضت عليه جسما واحدا فيه حركة وطعم ولون ورائحة واقترحت عليه أن يصدق بوجود ذلك في محل واحد على سبيل الاجتماع، كاع (۲) عن قبوله وتخيل أن بعض ذلك مضام للبعض ومجاور له . وقدر التصاق كل واحد بالآخر في مثال ستر رقيق ينطبق على ستر آخر، ولم يمكن في جبلته أن يفهم تعدده إلا بتقدير تعدد المكان، فإن الوهم إنما يأخذ من الحس والحس في غاية الأمر يدرك التعدد والتباين بتباين المكان والزمان؛ فإذا رفعا جميعا عسر عليه التصديق بأعداد متغايرة بالصفة والحقيقة حالة فيما هو في حيز واحد . فهذا وأمثاله من أغاليط الوهم يخرج عن حد الإحصاء والحصر ، والله تعالى هو المشكور على ما وهب من العقل الهادي من الضلالة، المنجي عن ظلمات الجهالة، المخلص بضياء البرهان، عن ظلمات وساوس الشيطان . فإن أردت مزيد استظهار في الإحاطة بخيانة هذين الحاكمين، فدونك واستقراء ما ورد في الشرع من نسبة هذه التمويهات (٤) إلى الشيطان وتسميتها وسواسا وإحالتها عليه، وتسمية ضياء العقل هداية ونورا ونسبته إلى الله تعالى وملائكته في قوله : الله نور السموات والأرض (٥) ولما كان مظنة الوهم والخيال الدماغ وهما منبعا الوسواس، قال أبو بكر رحمة الله عليه لمن كان يقيم الحد (٦) على بعض الجناة(۷) : اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس، ولما كانت الوساوس الخيالية والوهمية ملتصقة بالقوة المفكرة التصاقا يقل من يستقل بالخلاص منها حتى كان ذلك كامتزاج الدم بلحومنا وأعضائنا ، قال له : ( إن الشيطان ليجري من ابن آدم
رأس فإن الشيطان في الرأس، ولما كانت الوساوس الخيالية والوهمية ملتصقة بالقوة المفكرة التصاقا يقل من يستقل بالخلاص منها حتى كان ذلك كامتزاج الدم بلحومنا وأعضائنا ، قال له : ( إن الشيطان ليجري من ابن آدم (1) رسخ الشيء : ثبت واستقر . (۲) كاع عن الشيء : خافه وجبن عنه . (۳) مضام من انضم الشيء، أو تضام: اجتمع بعضه إلى بعض . (٤) موه الحديث : زخرفه ومزجه من الحق والباطل. (٥) سورة النور، الآية ٣٥. (٦) الحد (في اصطلاح الشرع) : عقوبة مقدرة وجبت على الجاني مثل : الرجم للزاني، والجلد لشارب الخمر، والقطع للسارق .. (۷) الجناة : المذنبون .
لحديث : زخرفه ومزجه من الحق والباطل. (٥) سورة النور، الآية ٣٥. (٦) الحد (في اصطلاح الشرع) : عقوبة مقدرة وجبت على الجاني مثل : الرجم للزاني، والجلد لشارب الخمر، والقطع للسارق .. (۷) الجناة : المذنبون . معيار العلم في فن المنطق ۲۲ مجرى الدم ) (۱) وإذا لاحظت بعين العقل هذه الأسرار التي نبهتك عليها استيقنت شدة حاجتك إلى تدبير حيلة في الخلاص من خلال هذين الحاكمين . فإن قلت : فما الحيلة في الاحتياط مع ما وصفتمونه من شدة الرباط بهذه المغويات؛ فتأمل لطف حيل العقل فيه فإنه استدرج (۲) الحس والوهم إلى أمور يساعدانه على دركها من المشاهدات الموافقة للموهوم والمعقول، وأخذ منها مقدمات يساعده الوهم عليها ، ورتبها ترتيبا لا ينازع فيه، واستنتج منها بالضرورة نتيجة لم يسع الوهم التكذيب بها، إذ كانت مأخوذة من الأمور التي لا يتخلف الوهم والعقل عن القضاء بها، وهي العلوم التي لم يختلف فيها الناس من الضروريات والحسيات واستسلمها من الحس والوهم وارتهنها منهما، فصدقا بأن النتيجة اللازمة منها صادقة حقيقية، ثم نقلها العقل بعينها على ترتيبها إلى ما ينازع الوهم فيه وأخرج منها نتائج . فلما كذب الوهم بها وامتنع عن قبولها هان على العقل مؤونته (۳)، فإن المقدمات التي وضعها كان الوهم يصدق بها على الترتيب الذي رتبه لانتاج النتيجة، فكأن الوهم قد سلم لزوم النتيجة منها فتحقق الناظر أن إباء (٤) الوهم عن قبول النتيجة بعد التصديق بالمقدمات والتصديق بصحة الترتيب المنتج لقصور في طباعه وجبلته عن درك هذه النتيجة، لا لكون هذه النتيجة كاذبة لأن ترتيب المقدمات منقول من موضع ساعد الوهم على التصديق بها. فإذن غرضنا في هذا الكتاب أن نأخذ من المحسوسات والضروريات الجبلية معيارا للنظر، حتى إذا نقلناه إلى الغوامض لم نشك في صدق ما يلزم منها. ولعلك الآن تقول : فإن تم للنظار ما ذكرتموه فلم اختلفوا في المعقولات، وهلا اتفقوا عليها اتفاقهم على النظريات الهندسية والحسابية التي يساعد الوهم العقل فيها ؟ فجوابك من وجهين : أحدهما : أن ما ذكرناه أحد مثارات الضلال لا كلها، ووراء ذلك في النظر في العقليات عقبات مخطرة يعز في العقلاء من يتخطاها فيسلم منها، وإذا أحطت
ية والحسابية التي يساعد الوهم العقل فيها ؟ فجوابك من وجهين : أحدهما : أن ما ذكرناه أحد مثارات الضلال لا كلها، ووراء ذلك في النظر في العقليات عقبات مخطرة يعز في العقلاء من يتخطاها فيسلم منها، وإذا أحطت (1) الأدب المفرد، البخاري : ٤٣٨/١. (۲) استدرجه: خدعه حتى حمله على أن يدرج، واستدرج الله العبد: أمهله ولم يباغته، ومنه: استدرج الشيء إلى الشيء : أدناه منه على التدريج . (۳) المؤونة (لغة): القوت. (٤) الإباء: الرفض أو الترفع ؛ يقال : أبى علي إباء : استعصي، وأبى الشيء: كرهه ولم يرضه، أو ترفع عنه .
أمهله ولم يباغته، ومنه: استدرج الشيء إلى الشيء : أدناه منه على التدريج . (۳) المؤونة (لغة): القوت. (٤) الإباء: الرفض أو الترفع ؛ يقال : أبى علي إباء : استعصي، وأبى الشيء: كرهه ولم يرضه، أو ترفع عنه . أغراض الكتاب ۲۳ بمجامع شروط البرهان المنتج لليقين، لم تستبعد أن تقصر قوة أكثر البشر عن درك حقائق المعقولات الخفية . الثاني : أن القضايا الوهمية لما انقسمت إلى ما يصدق وإلى ما يكذب وكانت الكاذبة منها شديدة الشبه بالصادقة اعترض فيها قضايا اعتاص (۱) على النفس تمييزها عن الكاذبة، ولم يقو عليها إلا من أيده الله بتوفيقه وأكرمه بسلوك منهاج الحق بطريقه؛ فانقسمت العقليات إلى ما هان دركها على الأكثر؛ وإلى ما استعصى على عقول الجماهير إلا على الشذاذ (۲) من أولياء الله تعالى المؤيدين بنور الحق الذين لا تسمح الأعصار (۳) الطويلة بوجود الآحاد منهم، فضلا عن العدد الكثير الجم. ولعلك الآن تحسب نفسك واحدا من غمار (٥) الناس فتتلو على نفسك سورة اليأس، وتزعم أني متى أكون واحد الدهر (٦)، فريد العصر، مؤيدا بنور الحق متخلصا عن نزغات (۷) الشيطان مستوليا على ما وصفته من شروط البرهان؛ فالركون (۸) إلى الدعة (۹) أولى بي والقناعة بالاعتقاد الموروث من الآباء أسلم لي من أن أركب متن الخطر ولست أثق بنيل قاصية الوطر (١٠)، فيقال في مثالك، إن خطر هذا ببالك : ما أنت إلا كإنسان لاحظ رتبة سلطان الزمان وما ساعده من الشوكة (١١) والعدة والنجدة (۱۲) والثروة والأشياع (۱۳) والأتباع، والأمر المتبع المطاع، واستبعد أن ينال رتبته أو يقارب درجته، ولكن اقتدر أن ينال رتبة الوزارة أو رتبة الرئاسة أو منزلة أخرى دونها فقال : الصواب لي بعد العجز عن الغاية
۱۲) والثروة والأشياع (۱۳) والأتباع، والأمر المتبع المطاع، واستبعد أن ينال رتبته أو يقارب درجته، ولكن اقتدر أن ينال رتبة الوزارة أو رتبة الرئاسة أو منزلة أخرى دونها فقال : الصواب لي بعد العجز عن الغاية (۱) اعتاص عليه الأمر : التوى فخفي وصعب . (۲) الشذاذ : المنفردون، الواحد : شاة. (۳) الأعصار، والعصور : الدهور والأزمنة. (٤) الجم : الكثير من كل شيء. (٥) عمار الناس : جمعهم المزدحم المتكاثف . (٦) واحد الدهر، وفريد العصر : لا مثيل له ولا شبيه في دهره أو عصره . (۷) نزغات الشيطان وساوسه وما يحمل به الإنسان على المعاصي . (۸) ركن إليه ركنا، وركونا : مال إليه وسكن ؛ أو اعتمد عليه . (۹) الدعة: الخفض في العيش والراحة . (۱۰) القاصية : البعيدة الوطر : البغية، أو الحاجة فيها مأرب وهمة . (۱۱) الشوكة : القوة والبأس . (۱۲) النجدة : الشجاعة في القتال، أو سرعة الإغاثة. (۱۳) الأشياع : الأتباع والأنصار .
فض في العيش والراحة . (۱۰) القاصية : البعيدة الوطر : البغية، أو الحاجة فيها مأرب وهمة . (۱۱) الشوكة : القوة والبأس . (۱۲) النجدة : الشجاعة في القتال، أو سرعة الإغاثة. (۱۳) الأشياع : الأتباع والأنصار . معيار العلم في فن المنطق ٢٤ القصوى، والذروة العليا التي هي درجة سلطان الدنيا أن أقنع بصناعة الكنس التي هي صناعة آبائي، فالكناس ليس يعجز عن خبز يتناوله وثوب يستره اقتداء بقول الشاعر (١) : [من البسيط] دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (٢) وهذا الخسيس القاصر النظر، لو أنعم الفكر وتأمل واعتبر، علم أن بين درجة الكناس والسلطان منازل فلا كل من يعجز عن الدرجات العلى ينبغي أن يقنع بالدركات السفلى، بل إذا انتهض مترقيا عن رتبة الخساسة، فما يترقى إليه بالإضافة إلى ما يترقى عنه رياسة - فهكذا ينبغي أن تعتقد درجات السعادة بين العلماء، فما منا إلا له مقام معلوم لا يتعداه، وطور (۳) محدود لا يتخطاه، ولكن ينبغي أن يشوف (٤) إلى أقصى مرقاه (٥) ، وأن يخرج من القوة إلى الفعل كل ما تحتمله قواه. فإن قلت : إني فهمت الآن شدة الحاجة إلى هذا الكتاب بما أوضحته من التحقيق، ثم اشتدت رغبتي بما أوردته من التشويق، واتضح لي غايته وثمرته، فأوضح لي مضمونه . . موضوع علم المنطق فاعلم أن مضمونه تعليم كيفية الانتقال من الصور الحاصلة في ذهنك إلى الأمور الغائبة عنك . فإن هذا الانتقال له هيئة وترتيب إذا روعيت أفضت إلى المطلوب، وإن أهملت قصرت عن المطلوب، والصواب من هيئته وترتيبه شديد الشبه بما ليس بصواب. فمضمون هذا العلم على سبيل الإجمال هذا، وأما على سبيل التفصيل فهو أن المطلوب هو العلم والعلم ينقسم إلى العلم بذوات الأشياء، كعلمك بالإنسان والشجر والسماء وغير ذلك . ويسمى هذا العلم تصورا،
ما ليس بصواب. فمضمون هذا العلم على سبيل الإجمال هذا، وأما على سبيل التفصيل فهو أن المطلوب هو العلم والعلم ينقسم إلى العلم بذوات الأشياء، كعلمك بالإنسان والشجر والسماء وغير ذلك . ويسمى هذا العلم تصورا، (۱) هو الحطيئة، جرول بن أوس العبسي : شاعر مخضرم مقدم، عرف بكثرة الهجاء وشدته. توفي نحو سنة ٤٥ ه / نحو ٦٦٥م. (طبقات الشعراء، ابن سلام : ١٠٤ ؛ خزانة الأدب، البغدادي : ٤٠٩/١). (۲) البيت من قصيدة قالها الحطيئة في هجاء الزبرقان بن بدر التميمي، وهو صحابي من رؤساء قومه (ت ٤٥ه / ٦٦٥م) . (الأغاني : ٢/ ١٥٤ ؛ لباب الآداب : ٢٨٦). وفي «اللباب»: «فاقعد فأنت لعمري طاعم كاسي». (۳) الطور : الحد والقدر . (٤) شاف فلان شوفا : أشرف ونظر ؛ وتشوف إلى الشيء : تطلع ، وتشوف أمرا : طمح له .. (٥) المرقى : الرقي، أو موضعه، أو ما يرقى به .
٨٦). وفي «اللباب»: «فاقعد فأنت لعمري طاعم كاسي». (۳) الطور : الحد والقدر . (٤) شاف فلان شوفا : أشرف ونظر ؛ وتشوف إلى الشيء : تطلع ، وتشوف أمرا : طمح له .. (٥) المرقى : الرقي، أو موضعه، أو ما يرقى به . وإلى العلم بنسبة هذه الذوات المتصورة بعضها إلى بعض إما بالسلب أو بالإيجاب، كقولك : الإنسان حيوان والإنسان ليس بحجر، فإنك تفهم الإنسان والحجر فهما تصوريا لذاتهما، ثم تحكم بأن أحدهما مسلوب عن الآخر أو ثابت له، ويسمى هذا تصديقا لأنه يتطرق إليه التصديق والتكذيب. فالبحث النظري بالطالب إما أن يتجه إلى تصور أو إلى تصديق، والموصل إلى التصور يسمى قولا شارحا فمنه حد ومنه رسم (۱) ، والموصل إلى التصديق يسمى حجة، فمنه قياس ومنه استقراء وغيره. ومضمون هذا الكتاب تعريف مبادئ القول الشارح لما أريد تصوره حدا كان أو رسما، وتعريف مبادئ الحجة الموصلة إلى التصديق قياسا كانت أو غيره مع التنبيه على شروط صحتهما ومثار الغلط فيهما. فإن قلت: كيف يجهل الإنسان العلم التصوري حتى يفتقر إلى الحد؟ قلنا : بأن يسمع الإنسان اسما لا يفهم معناه كمن قال : ما الخلاء وما الملاء (٢) وما الملك وما الشيطان وما العقار (۳)؟ فتقول : العقار هو الخمر، فإن لم يفهمه باسمه المعروف أفهمه بحده. وقيل : إن الخمر شراب معتصر من العنب مسكر، فيحصل له علم تصوري بذات الخمر. وأما العلم التصديقي فبأن يجهل الإنسان مثلا أن للعالم صانعا، فيقول : هل للعالم صانع ؟ فتقول : نعم للعالم صانع وتعرفه صدق ذلك بالحجة والبرهان على ما سنوضحه، فهذا مضمون الكتاب. وإن أردت أن تعلم فهرست الأبواب، فاعلم أنا قسمنا القول في مدارك العلوم إلى كتب أربعة : کتاب مقدمات القياس، وكتاب القياس، وكتاب الحد، وكتاب أقسام الوجود وأحكامه. کتاب مقدمات القياس
، فهذا مضمون الكتاب. وإن أردت أن تعلم فهرست الأبواب، فاعلم أنا قسمنا القول في مدارك العلوم إلى كتب أربعة : کتاب مقدمات القياس، وكتاب القياس، وكتاب الحد، وكتاب أقسام الوجود وأحكامه. کتاب مقدمات القياس لنذكر مقدمة يعرف بها وجه انقسام النظر في القياس إلى أدنى وإلى أقصى فنقول : المطلب الأقصى في هذا القسم هو البرهان المحصل للعلم اليقيني، والبرهان نوع من القياس إذ القياس اسم عام، والبرهان اسم خاص لنوع منه، والقياس لا ينتظم إلا بمقدمتين، وكل مقدمة لا تنتظم إلا بمخبر عنه يسمى موضوعا وخبر يسمى محمولا، وكل موضوع أو محمول يذكر في قضية فهو لفظ (۱) الرسم في علم المنطق : تعريف الشيء بخصائصه . (۲) الملاء : (في الفلسفة : هو جسم من جهة ما تمانع أبعاده دخول جسم آخر فيه . (۳) العقار : من أسماء الخمر ، سميت بذلك لأنها عاقرت العقل، وعاقرت الدن، أي لزمته ؛ وقيل : لأنها تعقر شاربها . يدل لا محالة على معنى ؛ فالقياس مركب، وكل ناظر في شيء مركب، فطريقه أن يحلل المركب إلى المفردات، ويبتدئ بالنظر في الآحاد ، ثم في المركب، فلزم من النظر في القياس النظر فيما ينحل إليه القياس من المقدمات، ومن النظر في المقدمات النظر في المحمول والموضوع اللذين منهما تتألف المقدمات، ومن النظر في المحمول والموضوع النظر في الألفاظ والمعاني المفردة التي بها يتم المحمول والموضوع، ولزم من النظر في المقدمات النظر في شروطها؛ فإن كل مركب من مادة وصورة يجب النظر في مادته وصورته . وما هذا إلا كمن يريد بناء بيت فحقه أن يهتم بإفراز المواد التي منها يتركب كاللبن (۱) والطين والخشب، ثم يشتغل بالتصوير وكيفية التنضيد (۲) والتركيب؛ فكذلك النظر في القياس، فهذا بيان الحاجة إلى هذه الأقسام، ولنأخذ بعده في المقصود.
بيت فحقه أن يهتم بإفراز المواد التي منها يتركب كاللبن (۱) والطين والخشب، ثم يشتغل بالتصوير وكيفية التنضيد (۲) والتركيب؛ فكذلك النظر في القياس، فهذا بيان الحاجة إلى هذه الأقسام، ولنأخذ بعده في المقصود. (1) اللبن : المضروب من الطين يبنى به من دون أن يطبخ . (۲) نضد الشيء تنضيدا ، ونضده نضدا : ضم بعضه إلى بعض متسقا . الفن الأول في الألفاظ
ياس، فهذا بيان الحاجة إلى هذه الأقسام، ولنأخذ بعده في المقصود. (1) اللبن : المضروب من الطين يبنى به من دون أن يطبخ . (۲) نضد الشيء تنضيدا ، ونضده نضدا : ضم بعضه إلى بعض متسقا . الفن الأول في الألفاظ الفن الأول : من كتاب مقدمات القياس في دلالة الألفاظ وبيان وجوه دلالتها ونسبتها إلى المعاني وبيانه بسبعة تقسيمات : القسمة الأولى : أن نقول : الألفاظ تدل على المعاني من ثلاثة أوجه متباينة : الوجه الأول: الدلالة من حيث المطابقة كالاسم الموضوع بإزاء الشيء(١)، وذلك كدلالة لفظ الحائط على الحائط . والآخر أن تكون بطريق التضمن وذلك كدلالة لفظ البيت على الحائط ودلالة لفظ الإنسان على الحيوان، وكذلك دلالة كل وصف أخص على الوصف الأعم الجوهري . الثالث (۲) : الدلالة بطريق الالتزام والاستتباع كدلالة لفظ السقف على الحائط ؛ فإنه مستتبع له استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته، ودلالة الإنسان على قابل صنعة الخياطة وتعلمها، والمعتبر في التعريفات دلالة المطابقة والتضمن. فأما دلالة الالتزام فلا لأنها ما وضعها واضع اللغة بخلافهما، لأن المدلول فيها غير محدود ولا محصور، إذ لوازم الأشياء ولوازم لوازمها لا تنضبط ولا تنحصر فيؤدي إلى أن يكون اللفظ دليلا على ما لا يتناهى من المعاني وهو محال. القسمة الثانية للفظ بالنسبة إلى عموم المعنى وخصوصه : واللفظ ينقسم إلى جزئي وكلي والجزئي ما يمنع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة في مفهومه، كقولك زيد وهذا الشجر وهذا الفرس، فإن المتصور من لفظ زيد شخص معين لا يشاركه غيره في كونه مفهوما من لفظ زيد . والكلي هو الذي لا يمنع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فيه، فإن امتنع امتنع بسبب خارج عن نفس مفهومه ومقتضى لفظه، كقولك الإنسان والفرس والشجر وهي أسماء الأجناس والأنواع والمعاني
كونه مفهوما من لفظ زيد . والكلي هو الذي لا يمنع نفس تصور معناه عن وقوع الشركة فيه، فإن امتنع امتنع بسبب خارج عن نفس مفهومه ومقتضى لفظه، كقولك الإنسان والفرس والشجر وهي أسماء الأجناس والأنواع والمعاني (۱) بإزاء الشيء : بمحاذاته . (۲) هذه الأوجه الثلاثة هي نفسها التي حددها ابن سينا حين تحدث عن دلالة اللفظ على المعنى . الملل والنحل: ١٩١/٢).
ك الإنسان والفرس والشجر وهي أسماء الأجناس والأنواع والمعاني (۱) بإزاء الشيء : بمحاذاته . (۲) هذه الأوجه الثلاثة هي نفسها التي حددها ابن سينا حين تحدث عن دلالة اللفظ على المعنى . الملل والنحل: ١٩١/٢). الكلية العامة، وهو جار في لغة العرب في كل اسم أدخل عليه الألف واللام لا في معرض الحوالة على معلوم معين سابق، كالرجل فهو اسم جنس، فإنك قد تطلق وتريد به رجلا معينا عرفه المخاطب من قبل فتقول: أقبل الرجل، فتكون الألف واللام فيه للتعريف أي الرجل الذي جاءني من قبل. فإذا لم تكن مثل هذه القرينة، كان اسم الرجل اسما كليا يشترك في الاندراج (۱) تحته كل شخص من أشخاص الرجال . فإن قلت : فإذا قلنا : الشكل الكروي المحيط باثني عشر برجا فلك، ولم يكن في الوجود شكل بهذه الصفة إلا واحد فكيف يكون الاسم كليا والمسمى واحد، وقد دخل الألف واللام المقتضى لاستغراق (۲) الجنس عليه؟ فيقال لك : إن هذا كلي لأنا لسنا نشترط أن يكون الداخل تحته موجودا بالفعل، بل يجوز أن يكون موجودا بالقوة والإمكان ولو قدر وجوده لكان داخلا فيه لا محالة، وهو قبل الوجود داخل لا كاسم زيد فإنه يمتنع وقوع الشركة فيه بالفعل والقوة جميعا . فإن قلت : فإذا قلنا : الإله الحق هكذا فكيف يكون هذا كليا ويمتنع وقوع الشركة فيه بالفعل والقوة جميعا، وكذلك قولنا : الشمس على أصل من لا يجوز وجود شمس أخرى فإنه يتعين الداخل تحته تعين شخص زيد في التصور من لفظ زيد؟ فيقال لك : اللفظ كلي وامتناع وقوع الشركة فيه ليس لنفس مفهوم اللفظ وموضوعه بل لمعنى خارج عنه، وهو استحالة وجود إلهين للعالم، ولم نشترط في كون اللفظ كليا إلا أن لا يمنع من وقوع الشركة فيه نفس مفهوم اللفظ وموضوعه، فقد حصل لك من السؤالين وجوابهما أن الكلي ثلاثة أقسام: قسم توجد فيه الشركة بالفعل كقولنا : الإنسان إذا كانت الأشخاص منه موجودة، وقسم توجد الشركة فيه بالقوة كقولنا : الإنسان إذا اتفق أن لم يبق في الوجود إلا شخص واحد، والكرة المحيطة باثني عشر برجا إذ ليس في الوجود إلا واحد، وقسم لا شركة فيه لا بالفعل ولا بالقوة كالإله، وهو مع ذلك كلي لأن المنع ليس هو من موضوع اللفظ ومحموله بخلاف لفظ زيد . فائدة فقهية : قد اختلف الأصوليون (۳) في أن الاسم المفرد إذا اتصل به
لوجود إلا واحد، وقسم لا شركة فيه لا بالفعل ولا بالقوة كالإله، وهو مع ذلك كلي لأن المنع ليس هو من موضوع اللفظ ومحموله بخلاف لفظ زيد . فائدة فقهية : قد اختلف الأصوليون (۳) في أن الاسم المفرد إذا اتصل به (۱) الاندراج : يقال : اندرج الشيء في الشيء : دخل في ثناياه . (۲) استغرق الشيء استغراقا : استوعبه . (۳) الأصوليون : مفردها أصولي : نسبة إلى أصول العلوم، وهي قواعدها التي تبنى عليها الأحكام؛ فيقال : أصول الفقه أصول اللغة، . . . .
الشيء في الشيء : دخل في ثناياه . (۲) استغرق الشيء استغراقا : استوعبه . (۳) الأصوليون : مفردها أصولي : نسبة إلى أصول العلوم، وهي قواعدها التي تبنى عليها الأحكام؛ فيقال : أصول الفقه أصول اللغة، . . . . الألف واللام هل يقتضي الاستغراق، وهل ينزل منزلة العموم كقول القائل : الدينار أفضل من الدرهم والرجل خير من المرأة، فظن الظانون أنه من حيث كونه اسما فردا لا يقتضي الاستغراق لمجرده، ولكن فهم العموم بقرينة التسعير (١) وقرينة التفضيل للذكر على الأنثى، إنما هو لعلمنا بنقصان الدرهمية عن الدينارية ونقصان الأنوثة عن الذكورة. وأنت إذا تأملت ما ذكرناه في تحقيق معنى الكلي، فهمت زلل هؤلاء بجهلهم أن اللفظ الكلي يقتضي الاستغراق بمجرده ولا يحتاج إلى قرينة زائدة فيه، فإن قلت : ومن أين وقع لهم هذا الغلط ؟ فستفهم ذلك من القسمة الثالثة . القسمة الثالثة : في بيان رتبة الألفاظ من مراتب الوجود: اعلم أن المراتب فيما نقصده أربعة واللفظ في الرتبة الثالثة، فإن للشيء وجودا في الأعيان ثم في الأذهان، ثم في الألفاظ ثم في الكتابة، فالكتابة دالة على اللفظ واللفظ دال على المعنى الذي في النفس، والذي في النفس هو مثال الموجود في الأعيان. فما لم يكن للشيء ثبوت في نفسه لم يرتسم في النفس مثاله. ومهما ارتسم في النفس مثاله فهو العلم به، إذ لا معنى للعلم إلا مثال يحصل في النفس مطابق لما هو مثال له في الحس وهو المعلوم، وما لم يظهر هذا الأثر في النفس لا ينتظم لفظ يدل به على ذلك الأثر، وما لم ينتظم اللفظ الذي ترتب فيه الأصوات والحروف لا ترتسم كتابة للدلالة عليه. والوجود في الأعيان والأذهان لا يختلف بالبلاد والأمم، بخلاف الألفاظ والكتابة فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح. وعند هذا نقول : من زعم أن الاسم المفرد لا يقتضي الاستغراق ظن أنه موضوع بإزاء الموجود في الأعيان فإنهما أشخاص معينة إذ الدينار الموجود شخص معين، فإن جمعت أشخاص سميت دنانير ، ولم يعرف أن الدينار الشخصي المعين يرتسم منه في النفس أثر هو مثاله وعلم به وتصور له، وذلك المثال يطابق ذلك الشخص وسائر أشخاص الدنانير الموجودة والممكن وجودها، فتكون الصورة الثابتة في النفس من حيث مطابقتها لكل دينار يفرض صورة كلية لا شخصية ؛ فإن اعتقدت أن اسم الدينار دليل على الأثر في النفس لا على المؤثر وذلك الأثر كلي، كان الاسم كليا لا محالة، وما قدمناه من الترتيب يعرفك أن الألفاظ لها دلالات على ما في النفوس، وما في النفوس مثال لما في الأعيان وسيأتي مزيد بيان للمعاني الكلية المرتسمة في النفوس بسبب مشاهدة الأشخاص الجزئية في كتاب أحكام الوجود ولواحقه»(۲) (۱) سخر الشيء تسعيرا : حدد سعره ، والسعر : ما يقوم عليه الثمن. (۲) هو الكتاب الرابع والأخير من هذا المصنف .
معاني الكلية المرتسمة في النفوس بسبب مشاهدة الأشخاص الجزئية في كتاب أحكام الوجود ولواحقه»(۲) (۱) سخر الشيء تسعيرا : حدد سعره ، والسعر : ما يقوم عليه الثمن. (۲) هو الكتاب الرابع والأخير من هذا المصنف . القسمة الرابعة للفظ : قسمته من حيث إفراده وتركيبه : اعلم أن اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب (۱) ، والمركب ينقسم إلى مركب ناقص وإلى تام، فهي ثلاثة أقسام : الأول : هو المفرد وهو الذي لا يراد بالجزء منه دلالة على شيء أصلا حين هو جزؤه، كقولك: عيسى إنسان فإن جزئي عيسى وهما «عي وسا» وجزئي إنسان وهما إن وسان ما يراد بشيء منهما للدلالة على شيء أصلا. فإن قلت : فما قولك في عبد الملك ؟ فاعلم أنه أيضا مفرد إذا جعلته اسما علما كقولك زيد، وعند ذلك لا تريد بعبد دلالة على معنى ولا بالملك دلالة على معنى. فكل منهما من حيث هو جزؤه لا يدل على شيء، فيكونان كأجزاء اسم زيد وهما اسمان في الصورة جعلا اسما واحدا كبعلبك ومعد يكرب، فإن اتفق أن يكون المسمى به عبدا للملك تحقيقا فيكون هذا الإسم مطلقا عليه من وجهين : أحدهما في تعريف صفته في عبودية الملك فيكون قولك عبد الملك وصفا له فيكون مركبا لا مفردا؛ فافهم هذه الدقائق فإن مثار الأغاليط في النظريات تنشأ من إهمالها . والمركب التام : هو الذي كل لفظ منه يدل على معنى، والمجموع يدل دلالة تامة بحيث يصح السكوت عليه، فيكون من اسمين ويكون من اسم وفعل . والمنطقي يسمي الفعل كلمة والمركب الناقص بخلافه. فقولك: زيد يمشي والناطق حيوان مركب تام ، وقولك : في الدار أو الإنسان؛ مركب ناقص لأنه مركب من اسم وأداة لا من اسمين ولا من اسم وفعل، فإن مجرد قولك: «زيد في» أو «زيد لا لا يدل على المعنى الذي يراد الدلالة عليه في المحاورة ما لم يقل زيد في الدار أو زيد لا يظلم، فإنه بذلك الاقتران والتتميم يدل دلالة تامة بحيث يصح السكوت عليه . القسمة الخامسة : للفظ المفرد في نفسه : اللفظ إما اسم أو فعل أو حرف . ولنذكر حد كل واحد على شرط المنطقيين لتنكشف أقسامه، فنقول : الاسم : صوت دال بتواطؤ (۲) مجرد عن الزمان، والجزء من أجزائه لا يدل على انفراده، ويدل على معنى محصل . ولما كان الحد مركبا من الجنس
عل أو حرف . ولنذكر حد كل واحد على شرط المنطقيين لتنكشف أقسامه، فنقول : الاسم : صوت دال بتواطؤ (۲) مجرد عن الزمان، والجزء من أجزائه لا يدل على انفراده، ويدل على معنى محصل . ولما كان الحد مركبا من الجنس (۱) قال ابن سينا : ينقسم اللفظ إلى مفرد ومركب، فالمفرد ما يدل على معنى وجزء من أجزائه لا يدل على جزء من أجزاء ذلك المعنى بالذات، أي حين هو جزء له ؛ والمركب : هو الذي يدل على معنى وله أجزاء منها يلتئم مسموعه، ومن معانيها يلتئم معنى الجملة. (الملل والنحل: .(۱۹۱ (۲) التواطؤ : التوافق والاصطلاح .
على جزء من أجزاء ذلك المعنى بالذات، أي حين هو جزء له ؛ والمركب : هو الذي يدل على معنى وله أجزاء منها يلتئم مسموعه، ومن معانيها يلتئم معنى الجملة. (الملل والنحل: .(۱۹۱ (۲) التواطؤ : التوافق والاصطلاح . والفصول، وتذكر الفصول للاحترازات كان قولنا : صوت: جنسا، وقولنا : دال : فصلا يفصله عن العطاس والنحنحة والسعال وأمثالها، وقولنا : بتواطؤ يفصله عن نباح الكلب؛ فإنه صوت دال على ورود وارد لكن لا بتواطؤ، وقولنا مجرد عن الزمان احترازا عن الفعل نحو قولنا : يقوم وقام وسيقوم ؛ فإن كل واحد صوت دال بتواطؤ . وقولنا : الجزء من أجزائه لا يدل على انفراده احترازا عن المركب التام كقولنا : زيد حيوان، فإن هذا يسمى خبرا وقولا لا اسما . وقولنا : يدل على معنى محصل احترازا عن الأسماء التي ليست محصلة كقولنا : لا إنسان، فإنه لا يسمى اسما مع وجود جميع أجزاء الحد فيه سوى هذا الاحتراز، فإن قولنا : لا إنسان قد يدل على الحجر والسماء والبقر، وبالجملة على كل شيء ليس بإنسان فليس له معنى محصل، إنما هو دليل على نفي الإنسان لا على إثبات شيء. وأما الفعل : وهو الكلمة فإنه صوت دال بتواطؤ على الوجه الذي ذكرناه في الاسم، إنما يباينه في أنه يدل على معنى وقوعه في زمان كقولنا : قام ويقوم، وليس يكفي في كونه فعلا أن يدل على الزمان فحسب؛ فإن قولنا : أمس واليوم وغدا وعام أول ومضرب الناقة ومقدم الحاج يدل على الزمان، وليس بفعل، حيث أن الفعل يدل على معنى وزمان يقع فيه المعنى فيكون الفعل أبدا دليلا على معنى محمول على غيره، فإذن الفرق بين الاسم والفعل تضمن معنى الزمان فقط (۱). وأما الحرف : وهو الأداة فهو كل ما يدل على معنى لا يمكن أن يفهم بنفسه ما لم يقدر اقتران غيره به مثل من وعلى وما أشبه ذلك. وقد أوجزت هذه الحدود فقيل في الاسم : إنه لفظ مفرد يدل على معنى من غير أن يدل على زمان وجود ذلك المعنى من الأزمنة الثلاثة، ثم منه ما هو محصل كزيد ومنه ما هو غير محصل كما إذا اقترن به حرف سلب فقيل : لا إنسان . والكلمة : هي لفظة مفردة تدل على معنى وعلى الزمان الذي ذلك المعني موجود فيه لموضوع ما غير معين، والحرف أو الأداة ما لا يدل على معنى إلا باقترانه بغيره . القسمة السادسة : في نسبة الألفاظ إلى المعاني : اعلم أن الألفاظ من المعاني على أربعة منازل : المشتركة والمتواطئة والمترادفة والمتزايلة أما المشتركة (۲) : فهي اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة
القسمة السادسة : في نسبة الألفاظ إلى المعاني : اعلم أن الألفاظ من المعاني على أربعة منازل : المشتركة والمتواطئة والمترادفة والمتزايلة أما المشتركة (۲) : فهي اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة (1) أي في الاسم. (۲) هي الألفاظ التي سماها أرسطو المتفقة في الاسم المختلفة في الجوهر. بالحد والحقيقة إطلاقا متساويا كالعين تطلق على العين الباصرة، وينبوع الماء، وقرص الشمس، وهذه مختلفة الحدود والحقائق. وأما المتواطئة (١) : فهي التي تدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمرو، ودلالة اسم الحيوان على الإنسان والفرس والطير لأنها متشاركة في معنى الحيوانية والاسم بإزاء ذلك المعنى المشترك المتواطئ، بخلاف العين الباصرة وينبوع الماء . وأما المترادفة : فهي الأسماء المختلفة الدالة على معني يندرج تحت حد واحد كالخمر والراح والعقار؛ فإن المسمى بهذه يجمعه حد واحد وهو المائع المسكر المعتصر من العنب والأسامي مترادفة عليه . وأما المتزايلة : فهي الأسماء المتباينة التي ليس بينها شيء من هذه النسب كالفرس والذهب والثياب ؛ فإنها ألفاظ مختلفة تدل على معان مختلفة بالحد والحقيقة، والمشترك ينبغي أن يجتنب استعماله في المخاطبات فضلا عن البراهين، وأما المتواطئة فتستعمل في الجميع لا سيما البراهين . إرشاد إلى مزلة قدم في الفرق بين المشتركة والمتواطئة والتباس إحداهما بالأخرى
الحقيقة، والمشترك ينبغي أن يجتنب استعماله في المخاطبات فضلا عن البراهين، وأما المتواطئة فتستعمل في الجميع لا سيما البراهين . إرشاد إلى مزلة قدم في الفرق بين المشتركة والمتواطئة والتباس إحداهما بالأخرى فإن المشتركة في الاسم هي: المختلفان في المعنى المتفقان في الاسم، حيث لا يكون بينهما اتفاق وتشابه في المعنى البتة، وتقابلها المتواطئة وهي : المشتركان في الحد والرسم المتساويان فيه بحيث لا يكون الاسم لأحدهما بمعنى إلا وهو للآخر بذلك المعنى، فلا يتفاوتان بالأولى والأخرى والتقدم والتأخر والشدة والضعف كاسم الإنسان لزيد وعمرو، واسم الحيوان للفرس والثور، وربما يدل اسم واحد على شيئين بمعنى واحد في نفسه، ولكن يختلف ذلك المعنى بينهما من جهة أخرى ولنسمه اسما مشككا، وقد لا يكون المعنى واحدا ولكن يكون بينهما مشابهة ولنسمه متشابها . أما الأول : فكالوجود للموجودات؛ فإنه معنى واحد في الحقيقة ولكن يختلف بالإضافة إلى المسميات، فإنه للجوهر قبل ما هو للعرض ولبعض الأعراض قبله لبعض آخر ، فهذا بالتقدم والتأخر . وأما المقول بالأولى والأخرى فكالوجود أيضا فإنه لبعض الأشياء من ذاته ولبعضها من غيره، وما له الوجود من ذاته أولى (۱) هي عند أرسطو : ذات الاسم العام الواحد، وذات الجوهر العام الواحد، مثل: الحيوان، يطلق على الإنسان والأسد.
والأخرى فكالوجود أيضا فإنه لبعض الأشياء من ذاته ولبعضها من غيره، وما له الوجود من ذاته أولى (۱) هي عند أرسطو : ذات الاسم العام الواحد، وذات الجوهر العام الواحد، مثل: الحيوان، يطلق على الإنسان والأسد. ۳۳ الفن الأول : في الألفاظ وأحرى بالاسم، وأما المقول بالشدة والضعف فيتصور فيما يقبل الشدة والضعف كالبياض للعاج (۱) والثلج، فإنه لا يقال عليهما بالتواطؤ المطلق المتساوي، بل أحدهما أشد فيه من الآخر . أما الحيوان لزيد وعمرو، والفرس والثور فلا يتطرق إليه شيء من هذا التفاوت بحال، فقد ظهر بهذا الفرق أنه قسم آخر، والمشكك قد يكون مطلقا كما سبق، وقد يكون بحسب النسبة إلى مبدأ واحد كقولنا : طبي للكتاب والمبضع (۲) والدواء، أو لانتسابه إلى غاية واحدة كقولنا : صحي للدواء والرياضة والفصد (۳). وقد يكون إلى مبدأ وغاية واحدة كقولنا لجميع الأشياء : إنها الإلهية. وأما الذي لا يجمعهما معنى واحد ، ولكن بينهما تشابه ما كالإنسان على صورة متشكلة من الطين بصورة الإنسان وعلى الإنسان الحقيقي، فليس هذا بالتواطؤ إذ يختلفان بالحد ، فحد هذا حيوان ناطق مائت، وحد ذلك شكل صناعي يحاكي به صورة حيوان ناطق مائت؛ وكذلك القائمة للحيوان وللسرير حده في أحدهما أنه عضو طبيعي يقوم عليه الحيوان ويمشي به، وفي الآخر أنه جسم صناعي مستدير في أسفل السرير ليقله ولكن نجد بينهما شبها في شكل أو حال. ومثل هذا الاسم يكون موضوعا في أحدهما وضعا متقدما، ويكون منقولا إلى الآخر، فإن أضيف إليهما سمي متشابه الاسم، وإن أضيف إلى المتقدم منهما سمي موضوعا، وإن أضيف إلى الأخير سمي منقولا ؛ ثم هذا الضرب من التشابه على ثلاثة أقسام : الأول أن يكون في صفة قارة ذاتية كصورة الإنسان. والثاني أن يكون في صفة إضافية غير ذاتية كاسم المبدأ لطرف الخط والعلة. والثالث أن يكون التشابه جاريا في أمر بعيد كالكلب لنجم مخصوص ولحيوان، إذ لا تشابه بينهما إلا في أمر بعيد مستعار لأن النجم رئي كالتابع للصورة التي كالإنسان، ثم وجد الكلب أتبع الحيوانات للإنسان فسمي باسمه. ومثل هذا ينبغي أن يلحق بالمشترك المحض، فإنه لا عبرة بمثل هذا الاشتباه فقد صارت الأسامي بهذه القسمة ستة : متباينة، ومترادفة، ومتواطئة، ومشتركة، ومشككة، ومتشابهة؛ لأن العقل إذا قسم الشيء إلى ستة أقسام فيحتاج إلى ست عبارات في التفهيم (٤) إرشاد إلى مزلة قدم في المتباينات ولا يخفى أن الموضوعات إذ تباينت مع تباين الحدود، فالأسامي متباينة (1) العاج : ناب الفيل . (۲) المبضع : المشرط . (۳) الفصد : شق عرق المريض وإخراج مقدار من الدم بقصد علاجه . (٤) لم يرد عند أرسطو غير اثنين من هذه الأسماء هما : المتواطئة والمشتركة .
ود، فالأسامي متباينة (1) العاج : ناب الفيل . (۲) المبضع : المشرط . (۳) الفصد : شق عرق المريض وإخراج مقدار من الدم بقصد علاجه . (٤) لم يرد عند أرسطو غير اثنين من هذه الأسماء هما : المتواطئة والمشتركة . معيار العلم في فن المنطق متزايلة كالفرس والحجر، ولكن قد يتحد الموضوع ويتعدد الاسم بحسب اختلاف اعتبارات، فيظن أنها مترادفة ولا تكون كذلك ؛ فمن ذلك أن يكون أحد الاسمين له من حيث موضوعه، والآخر من حيث له وصف كقولنا: سيف وصارم؛ فإن الصارم دل على موضوع موصوف بصفة الحدة بخلاف السيف، ومن ذلك أن يدل كل واحد على وصف للموضوع الواحد كالصارم والمهند(۱)، فإن أحدهما يدل على حدته والآخر على نسبته، ومن ذلك أن يكون أحدهما بسبب وصف، والآخر بسبب وصف الوصف كالناطق والفصيح . ومن المتباينة المشتق والمنسوب مع المشتق منه والمنسوب إليه كالنحو والنحوي، والحديد والحداد، والمال والمتمول، والعدل والعادل، فإن العادل لو سمي عدلا كما سميت العدالة عدلا كان ذلك من قبيل ما يقال باشتباه الاسم (۲) ، ولكن غيرت الصيغة وبقيت المادة والمعنى الأول وزيد فيه ما دل على زيادة المعنى فسمي مشتقا . القسمة السابعة : للفظ المطلق بالاشتراك على مختلفات : اعلم أن اللفظ المطلق على معان مختلفة ثلاثة أقسام: مستعارة ومنقولة ومخصوصة باسم المشترك . أما المستعارة: فهي أن يكون اسم دالا على ذات الشيء بالوضع ودائما من أول الوضع إلى الآن، ولكن يلقب به في بعض الأحوال لا على الدوام شيء آخر لمناسبته للأول على وجه من وجوه المناسبات من غير أن يجعل ذاتيا للثاني وثابتا عليه ومنقولا إليه كلفظ الأم، فإنه موضوع للوالدة ويستعار للأرض يقال: إنها أم البشر، بل ينقل إلى العناصر الأربعة فتسمى أمهات على معنى أنها أصول. والأم أيضا أصل للولد . فهذه المعاني التي استعير لها لفظ الأم لها أسماء خاصة بها. وإنما تسمى بهذه الأسامي في بعض الأحوال على طريق الاستعارة، وخصص باسم المستعار لأن العارية (۳) لا تدوم وهذا أيضا يستعار في بعض الأحوال. وأما المنقولة : فهي أن ينقل الاسم عن موضوعه إلى معنى آخر ويجعل اسما له ثابتا دائما، ويستعمل أيضا في الأول فيصير مشتركا بينهما كاسم الصلاة والحج ولفظ الكافر والفاسق، وهذا يفارق المستعار بأنه صار ثابتا في المنقول إليه دائما (۱) الصارم : القاطع . المهند : المصنوع في الهند ؛ يقال في السيف : مهند وهندي، وهندواني . (۲) الألفاظ المشتقة عند أرسطو هي ذات اللقب المشتق من أسمائها، مثل: بليغ من البلاغة، وعليم من العلم . (۳) العارية : العارة : ما تعطيه غيرك على أن يرده أو يعيده إليك ؛ ويقال في المثل : «كل عارة مستردة» .
۲) الألفاظ المشتقة عند أرسطو هي ذات اللقب المشتق من أسمائها، مثل: بليغ من البلاغة، وعليم من العلم . (۳) العارية : العارة : ما تعطيه غيرك على أن يرده أو يعيده إليك ؛ ويقال في المثل : «كل عارة مستردة» . الفن الأول : في الألفاظ ويفارق المخصوص باسم المشترك بأن المشترك هو الذي وضع بالوضع الأول مشتركا للمعنيين لا على أنه استحقه أحد المسميين، ثم نقل عنه إلى غيره إذ ليس لشيء من ينبوع الماء والدينار وقرص الشمس والعضو الباصر سبق إلى استحقاق اسم العين، بل وضع للكل وضعا متساويا بخلاف المستعار والمنقول. والمستعار ينبغي أن يجتنب في البراهين دون المواعظ والخطابيات والشعر، بل هي أبلغ باستعماله فيها. وأما المنقول فيستعمل في العلوم كلها لمسيس الحاجة إليه إذ واضع اللغة لما لم يتحقق عنده جميع المعاني لم يفردها بالأسامي، فاضطر غيره إلى النقل. فالجوهر وضعه واضع اللغة لحجر يعرفه الصيرفي والمتكلم نقله إلى معنى حصله في نفسه، وهو أحد أقسام الموجودات وهذا مما يكثر استعماله في العلوم والصناعات . وأما المشتركة : فلا يؤتى بها في البراهين خاصة ولا في الخطابيات إلا إذا كانت معها قرينة، وهي أيضا أقسام : فمنها ما يقع في أحوال الصيغة كالاسم الذي يتحد فيه بناء الفاعل والمفعول نحو المختار فإنك تقول زيد مختار والعلم مختار، وأحدهما بمعنى الفاعل، والآخر بمعنى المفعول وكالمضطر وأشباهه. ومنها ما يقع على عدة أمور متشابهة في الظاهر مختلفة في الحقيقة لا يكاد يوقف على وجه مخالفتها، كالحي الذي يطلق على الله وعلى الإنسان وعلى النبات والنور الذي يطلق على المدرك بالبصر المضاد للظلام، وعلى العقل الهادي إلى غوامض الأمور . فإن قال قائل : فما مثال المستعار ؟ قلنا : مثاله استعارة أطراف الحيوان لغير الحيوان كقولهم : رأس المال، وجه النهار، عين الماء، حاجب الشمس، أنف الجبل، ريق المزن (۱) ، يد الدهر، جناح الطريق، كبد السماء، وكقولهم: بين سمع الأرض وبصرها، وكقولهم : أبدى للشر ناجذيه (۲)، ودارت رحى (۳) الحرب، وشابت مفارق الجبال، وكقولهم : الشيب عنوان الموت، والرشوة رشا الحاجة(٤)، العيال سوس المال (٥) ، الوحدة قبر الحي الإرجاف زند الفتنة (٦)، الشمس (۱) المزن : السحاب يحمل الماء، الواحدة : مزنة؛ قال تعالى : أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ [الواقعة : ٦٩] . (۲) الناجد : الضرس؛ ويقال : عض على ناجذه: صبر على صعاب الأمور، وعض في الأمر بناجذه : أتقنه . (۳) الرحى : الأداة التي يطحن بها ؛ ودارت رحى الحرب: نشبت ورحى الحرب: حومتها. (٤) الرشوة : ما يعطى لقضاء مصلحة . الرشا (الرشاء) : حبل الدلو ونحوها . (٥) العيال سوس المال : أي : أكلته . (٦) الإرجاف: الخوض في الأخبار السيئة المثيرة للفتن والاضطرابات . الزند : العود الأعلى الذي تقدح به النار، والأسفل هو الزندة .
. الرشا (الرشاء) : حبل الدلو ونحوها . (٥) العيال سوس المال : أي : أكلته . (٦) الإرجاف: الخوض في الأخبار السيئة المثيرة للفتن والاضطرابات . الزند : العود الأعلى الذي تقدح به النار، والأسفل هو الزندة . معيار العلم في فن المنطق قطيفة (۱) مباحة للمساكين. ومن استعارات القرآن لتنذر أم القرى ومن حولها (۲) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة (٣) . والصبح إذا تنفس (٤) . فأذاقها الله لباس الجوع والخوف (٥) . كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله (٦) ، أحاط بهم سرادقها ﴾ (٧) . فما بكت عليهم السماء والأرض ) (۸) . واشتعل الرأس شيبا (۹) فصب عليهم ربك سوط عذاب (١٠) ولما سكت عن موسى الغضب (۱۱) ونظائره مما يكثر، وهذه الاستعارات بنوع مناسبة بين المستعار والمستعار منه، فإن قيل : فما معنى المجاز؟ قلنا: قد يراد به ما يقتضي الحقيقة، وفي الإطلاق خلافه كقوله: ﴿ وسئل القرية (١٢) إذ المسؤول بالحقيقة أهل القرية لا نفس القرية ؛ فهذه أمور لفظية من أهملها ولم يحكمها في مبدأ نظره كثر غلطه ولم يدر من أين أتى . (1) القطيفة: كساء له أهداب ؛ وقيل : نسيج من الحرير أو القطن صفيق أوبر، تتخذ منه ثياب وفرش . (۲) سورة الأنعام، الآية : ۹۲؛ سورة الشورى، الآية: ٧. (۳) سورة الإسراء، الآية : ٢٤. (٤) سورة التكوير، الآية : ١٨. (٥) سورة النحل، الآية : ۱۱۲. (٦) سورة المائدة، الآية : ٦٤. (۷) سورة الكهف، الآية : ۲۹. (۸) سورة الدخان، الآية : ۲۹. (۹) سورة مريم، الآية: ٤. (۱۰) سورة الفجر، الآية : ١٣. (۱۱) سورة الأعراف، الآية : ١٥٤. (۱۲) سورة يوسف، الآية : ۸۲.
(٦) سورة المائدة، الآية : ٦٤. (۷) سورة الكهف، الآية : ۲۹. (۸) سورة الدخان، الآية : ۲۹. (۹) سورة مريم، الآية: ٤. (۱۰) سورة الفجر، الآية : ١٣. (۱۱) سورة الأعراف، الآية : ١٥٤. (۱۲) سورة يوسف، الآية : ۸۲. الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض والفرق بين هذا الفن والذي قبله أن الأول نظر في اللفظ من حيث يدل على المعاني - وهذا نظر في المعنى من حيث هو ثابت في نفسه، وإن كان يدل عليه باللفظ إذ لا يمكن تعريف المعاني إلا بذكر الألفاظ. ويتضح الغرض من هذا الفن بأنواع من القسمة . المحسوس والمعقول القسمة الأولى في نسبة الموجودات إلى مداركنا فليعلم أن نظرنا في حصر الموجودات وحقائقها، وهي منقسمة إلى محسوسة وإلى معلومة بالاستدلال لا تباشر ذاتها بشيء من الحواس . فالمحسوسات هي المدركات بالحواس الخمس كالألوان، ويتبعها معرفة الأشكال والمقادير ، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بالسمع، وكالطعوم بالذوق، والروائح بالشم والخشونة والملاسة، واللين والصلابة، والبرودة والحرارة، والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس؛ فهذه الأمور ولواحقها تباشر بالحس أي تتعلق بها القوة المدركة من الحواس في ذاتها. ومنها ما يعلم وجوده ويستدل عليه بآثاره ولا تدركه الحواس الخمس : السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ولا تناله. ومثاله هذه الحواس نفسها فإن معنى أي واحدة منها هي القوة المدركة، والقوة المدركة لا تحس بحاسة من الحواس ولا يدركها الخيال أيضا . وكذلك القدرة والعلم والإرادة بل الخوف والخجل والعشق والغضب، وسائر هذه الصفات نعرفها من غيرنا معرفة يقينية بنوع من الاستدلال لا بتعلق شيء من حواسنا بها. فمن كتب بين أيدينا عرفنا قطعا قدرته وعلمه بنوع من الكتابة وإرادته استدلالا بفعله، ويقيننا الحاصل بوجود هذه المعاني كيقيننا الحاصل بحركات يده المحسوسة وانتظام سواد الحروف على البياض، وإن كان هذا مبصرا
فمن كتب بين أيدينا عرفنا قطعا قدرته وعلمه بنوع من الكتابة وإرادته استدلالا بفعله، ويقيننا الحاصل بوجود هذه المعاني كيقيننا الحاصل بحركات يده المحسوسة وانتظام سواد الحروف على البياض، وإن كان هذا مبصرا معيار العلم في فن المنطق وتلك المعاني غير مبصرة بل أكثر الموجودات معلوم بالاستدلال عليها بآثارها ولا تحس، فلا ينبغي أن يعظم عندك الإحساس وتظن أن العلم المحقق هو الإحساس والتخيل، وأن ما لا يتخيل لا حقيقة له؛ فإنك لو طالبت نفسك بالنظر إلى ذات القدرة والعلم وجدت الخيال يتصرف فيه بتشكيل وتلوين وتقدير، وأنت تعلم أن تصرف الخيال خطأ، وأن حقيقة القدرة المستدل عليها بالفعل أمر مقدس عن الشكل واللون والتحيز والقدر، ولا ينبغي أن تنكر دلالة العقل على أمور يأباها الخيال . وننبهك الآن على منشأ هذا الالتباس ؛ فتأمل أن المدركات الأول للإنسان في مبدأ فطرته : حواسه، فكانت مستولية عليه، ثم الأغلب من جملتها الإبصار الذي يدرك الألوان بالقصد الأول والأشكال على سبيل الاستتباع، ثم الخيال يتصرف في المحسوسات، وأكثر تصرفه في المبصرات فيركب من المرئيات أشكالا مختلفة آحادها مرئية، والتركيب من جهته، فإنك تقدر أن تتخيل فرسا له رأس إنسان وطائرا له رأس فرس، ولكن لا يمكن أن تتصور أحادا سوى ما شاهدته البتة، حتى أنك لو أردت أن تتخيل فاكهة لم تشاهد لها نظيرا لم تقدر عليه، وإنما غايتك أن تأخذ شيئا مما شاهدته فتغير لونه مثلا كتفاحة سوداء، فإنك قد رأيت شكل التفاحة والسواد فركبتهما أو ثمرة كبيرة مثل بطيخة، فلا تزال تركب من آحاد ما شاهدت لأن الخيال يتبع الإبصار ولكنه يقدر على التركيب والتفصيل فقط، ولا يزال الخيال متحركا في التركيب والتفصيل مستوليا عليك بذلك، فمهما حصل لك معلوم بالاستدلال انبعث الخيال محدقا نظره نحوه طالبا حقيقته بما هو حقيقة الأشياء عنده، ولا حقيقة عنده إلا للون أو الشكل فيطلب الشكل واللون، وهو ما يدركه البصر من الموجودات حتى لو تأملت في ذات الرائحة تأملا خياليا طلب الخيال للرائحة شكلا ولونا ووضعا وقدرا ، كاذبا فيه وجاريا على مقتضى جبلته . والعجب أنك إذ تأملت في شكل متلون لم يطلب الخيال منه طعمه ورائحته وهما حظا الشم والذوق، وإذا تأملت في ذات الطعم والرائحة طلب الخيال حظ البصر وهو اللون والشكل، مع أن الخيال يتصرف في مدركات الحواس الخمس جميعا ولكن لما كان إلفه لمدركات البصر أشد وأكثر، صار طلبه لحظ البصر أغلب وأبلغ . فإذا عرضت على نفسك علمك بصانع العالم وأنه موجود لا في جهة طلب الخيال له لونا وقدر له قربا وبعدا واتصالا بالعالم وانفصالا إلى غير ذلك مما شاهده في الأشكال المتلونة، ولم يطلب له طعما ورائحة. ولا فرق بين الطعم والرائحة واللون والشكل، فالكل من مدركات الحواس. فإذا عرفت انقسام
لونا وقدر له قربا وبعدا واتصالا بالعالم وانفصالا إلى غير ذلك مما شاهده في الأشكال المتلونة، ولم يطلب له طعما ورائحة. ولا فرق بين الطعم والرائحة واللون والشكل، فالكل من مدركات الحواس. فإذا عرفت انقسام الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض الموجودات إلى محسوسات وإلى معلومات بالعقل ولا تباشر بالحس والخيال، فأعرض عن الخيال رأسا وعول على مقتضى العقل فيه، فقد ظهر لك انقسام الموجود إلى محسوس وغيره . الخاص والعام القسمة الثانية للموجودات باعتبار نسبة بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص : اعلم أن معنى من المعاني الموجودة، وحقيقة من الحقائق الثابتة إذا نسبتها إلى غيرها من تلك المعاني والحقائق، وجدتها بالإضافة إليه إما أعم وإما أخص وإما مساويا، وإما أعم من وجه وأخص من وجه، فإنك إذا أضفت الإنسان إلى الحيوان وجدته أخص منه، وإن أضفت الحيوان إلى الحساس وجدته مساويا له لا أعم ولا أخص، وإن نسبت الأبيض إلى الحيوان وجدته أعم من وجه فإنه يشمل الجص (۱) والكافور (۲) وجملة من الجمادات، وأخص من وجه فإنه يقصر عن تناول الغراب والزنوج وجملة من الحيوانات . فإذن جملة الحقائق تناسبها بهذا الاعتبار لا تعدو هذه الوجوه الأربعة، فقس على ما ذكرناه ما لم نذكره . العيني واللاعيني القسمة الثالثة : للموجودات باعتبار التعين وعدم التعين : اعلم أن الموجودات تنقسم إلى موجودات شخصية معينة وتسمى أعينا وأشخاصا وجزئيات، وإلى أمور غير متعينة وتسمى الكليات والأمور العامة . فأما الأعيان (۳) الشخصية فهي الأمور المدركة أولا بالحواس كزيد وعمرو، وهذا الفرس وهذه الشجرة وهذه السماء وهذا الكوكب وأمثالها، وكذا هذا البياض وهذه القدرة، فإن التعين يدخل على الأعراض والجواهر جميعا . ثم هذه الأشخاص كزيد وهذا الفرس وهذه الشجرة وهذا البياض لا تشترك في أعيانها، إذ عين هذا الشخص ليس هو عين الشخص الآخر، إلا أنها تتشابه بأمور كتشابه هذه الثلاثة في الجسمية وتشابه الفرس والإنسان دون الشجر في الحيوانية، فما به التشابه للأشياء يسمى الكليات والأمور (۱) الجص : من مواد البناء . (۲) الكافور : شجر من الفصيلة الغارية، يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل يميل لونها إلى البياض، رائحتها عطرية، وطعمها مر . (۳) الأعيان: جمع عين، وهي: حاسة البصر، أو نبع الماء، أو الشخص الرفيع المنزلة، أو الشيء المدرك بحاسة البصر .
الغارية، يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل يميل لونها إلى البياض، رائحتها عطرية، وطعمها مر . (۳) الأعيان: جمع عين، وهي: حاسة البصر، أو نبع الماء، أو الشخص الرفيع المنزلة، أو الشيء المدرك بحاسة البصر . معيار العلم في فن المنطق العامة، وقد يتشابه زيد وعمرو بعد التشابه في الجسمية والحيوانية والإنسانية في الطول والبياض أيضا، فيكون الطول الذي به التشابه وكذا البياض أمرا عاما شاملا لهما شمولا واحدا، لا على أن بياض هذا هو بياض ذاك وطول هذا طول ذاك بعينه، ولكن على معنى سننبه عليه عند تحقيقنا لمعنى الكلي وثبوته في العقل، وهو من أدق ما ينبغي أن يدرك في المعقولات . الذاتي والعرضي القسمة الرابعة : في نسبة بعض المعاني إلى بعض : اعلم أنك تقول : هذا الإنسان أبيض، وهذا الإنسان حيوان، وهذا الإنسان ولدته أنثى، فقد حملت عليه البياض والحيوانية والولادة وجعلته موصوفا بهذه الأوصاف الثلاثة، ونسبة هذه الثلاثة إليه متفاوتة : فإن البياض يتصور أن يبطل من الإنسان ويبقى إنسانا فليس وجوده شرطا لإنسانيته ولنسم هذا عرضيا مفارقا . وأما الحيوانية فضرورية للإنسان، فإنك إن لم تفهم الحيوان وامتنعت عن فهمه لم تفهم الإنسان بل مهما فهمت الإنسان قد فهمت حيوانا مخصوصا، فكانت الحيوانية داخلة في مفهومك بالضرورة ويلقب هذا بلقب آخر للتمييز وهو الذاتي المقوم . وأما كونه مولودا من أنثى وكونه متلونا مثلا فليس نسبته إليه كنسبة الحيوانية، إذ يجوز أن يحصل في العقل معنى الإنسان بحده وحقيقته مع الغفلة عن كونه مولودا، ومن شرطه الامتناع عن اعتقاد كونه غير حيوان، وأما تميزه عن البياض فهو أن البياض قد يفارق وكونه مولودا لا يفارقه قط، وكذلك كونه متلونا بالجملة لا يفارقه وإن فارقه كونه أبيض على الخصوص، فالمتلونية ليست داخلة في ماهية الإنسان دخول الحيوانية، فنلخصص هذا القسم بلقب وهو اللازم ؟ فإن الذاتي المقوم وإن كان أيضا لازما ولكن له خاصية التقويم، فيخصص اسم اللازم بهذا القسم . فقد استفدت من هذا التحقيق أن كل معنى ينسب إلى شيء، فإما أن يكون ذاتيا له مقوما لذاته أي قوام ذاته به، وإما أن يكون غير ذاتي مقوم ولكنه لازم غير مفارق، وإما أن يكون لا ذاتيا ولا لازما ولكن عرضيا . ولعلك تقول : الفرق بين العرضي المفارق وبين الذاتي واضح ولكن الفرق بين الذاتي المقوم وبين اللازم الذي ليس بمقوم ربما يشكل فهل لك معيار يرجع إليه؟ فنقول : المتكلمون سموا اللوازم توابع الذات، وربما سموها توابع الحدوث، حتى زعمت المعتزلة منهم أن توابع الحدوث لا تتعلق بها قدرة القادر، ولكنها تتبع الحدوث، وربما مثلوا ذلك بتحيز الجوهر، ولسنا نخوض فيه، والغرض إظهار
لمون سموا اللوازم توابع الذات، وربما سموها توابع الحدوث، حتى زعمت المعتزلة منهم أن توابع الحدوث لا تتعلق بها قدرة القادر، ولكنها تتبع الحدوث، وربما مثلوا ذلك بتحيز الجوهر، ولسنا نخوض فيه، والغرض إظهار ٤١ الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض معيار لإدراك الفرق بين الذاتي واللازم وله معياران : الأول : أن كل ما يلزم ولا يرتفع في الوجود إن أمكن أن يرتفع بالوهم والتقدير وبقي الشيء معه مفهوما فهو لازم، فإنا نفهم كون الإنسان إنسانا وكون الجسم جسما وإن رفعنا من وهمنا اعتقاد كونهما مخلوقين مثلا وكونهما مخلوقين لازم لهما ، ولو رفعنا من وهمنا كون الإنسان حيوانا لم نقدر على فهم الإنسان. فمن ضرورة فهم الإنسان أن لا يسلب الحيوانية وليس من ضرورته أن لا يسلب المخلوقية، فإذن ما لا يرتفع في الوجود والوهم جميعا فهو ذاتي، وما يرتفع في الوجود والوهم فهو عرضي، وما يقبل الارتفاع في الوهم دون الوجود فهو لازم غير ذاتي، إلا أن هذا المعيار مع أنه كثير النفع في أغلب المواضع غير مطرد في الجميع فإن من اللوازم ما هو ظاهر اللزوم للشيء، بحيث لا يقدر على رفعه في الوهم أيضا، فإن الإنسان يلازمه كونه متلونا ملازمة ظاهرة لا يقدر الإنسان على رفعه في الوهم وهو لازم لا ذاتي، ولذلك إذا حددنا الإنسان لم يدخل فيه التلون مع أن الحد لا يخلو عن جميع الذاتيات المقومة كما سيأتي في كتاب الحدود. وكذلك كون كل عدد إما مساو لغيره أو مفاوت (۱)، فإنه لازم ليس بذاتي، وربما لا يقدر الإنسان على رفعه في الوهم، نعم من اللوازم ما يقدر على رفعه ككون المثلث مساوي الزاويتين القائمتين فإنه لازم لا يعرف لزومه للمثلث بغير وسط بل بوسط ، فلم يكن هذا مطردا فنعدل إلى المعيار الثاني عند العجز عن الأول ونقول : إن كل معنى إذا أحضرته في الذهن مع الشيء الذي شككت في أنه لازم له أو ذاتي، فإن لم يمكنك أن تفهم ذات الشيء إلا أن يكون قد فهمت له ذلك المعنى أولا، كالحيوان والإنسان فإنك إذا فهمت ما الإنسان وما الحيوان فلا تفهم الإنسان إلا وقد فهمت أولا أنه حيوان فاعلم أنه ذاتي. وإن أمكنك أن تفهم ذات الشيء دون أن تفهم المعنى أو أمكنك الغفلة عن المعنى بالتقدير، فاعلم أنه غير ذاتي . ثم إن كان يرتفع وجوده إما سريعا كالقيام والقعود للإنسان أو بطيئا ككونه شابا فاعلم أنه عرضي مفارق، وإن كان لا يفارقه أصلا ككون الزوايا من المثلث مساوية لقائمتين فهو لازم، ورب لازم للشخص كأزرق العين أو أسود البشرة في الزنجي، فهو لا يفارق في الوجود للإنسان الزنجي، فهو بالإضافة إلى ذلك الشخص لا يبعد أن يسمى لازما، وإن كان لزومه بالاتفاق لا بالضرورة في الجنس، إذ يمكن وجود إنسان ليس كذلك، ولو أمكنت حيلة في إزالة زرقة العين
ي، فهو لا يفارق في الوجود للإنسان الزنجي، فهو بالإضافة إلى ذلك الشخص لا يبعد أن يسمى لازما، وإن كان لزومه بالاتفاق لا بالضرورة في الجنس، إذ يمكن وجود إنسان ليس كذلك، ولو أمكنت حيلة في إزالة زرقة العين (1) يقال : تفاوت الشيئان : اختلفا في التقدير، أو تباينا في القيمة والفضل .