المكتبة

معيار العلم

أبو حامد الغزالي · 1100
221 مقطع — صفحة 2 من 5 (51–100)
#502,141 حرف

أن يسمى لازما، وإن كان لزومه بالاتفاق لا بالضرورة في الجنس، إذ يمكن وجود إنسان ليس كذلك، ولو أمكنت حيلة في إزالة زرقة العين (1) يقال : تفاوت الشيئان : اختلفا في التقدير، أو تباينا في القيمة والفضل . ٤٢ معيار العلم في فن المنطق وسواد البشرة لبقي هذا الإنسان إنسانا، ولو قدرت حيلة لإخراج زوايا المثلث عن كونها مساوية لقائمتين لم يبق المثلث وبطل وجوده، فلتدرك هذه الدقيقة في الفرق بين اللازم الضروري وبين اللازم الوجودي . الكليات الخمسة القسمة الخامسة : للذاتي في نفسه وللعرضي في نفسه : لما كان المقوم مخصوصا باسم الذاتي في اصطلاح النظار صار ما يقابله يسمى عرضيا، مفارقا كان أو لازما ، فيقال : عرضي لازم وعرضي مفارق؛ فالعرضي بهذا المعنى وهو الذي ليس بمقوم ينقسم بالإضافة إلى ما هو عرضي له إلى ما يعمه وغيره، وإلى ما يختص به ولا يوجد لغيره فيسمى خاصة، سواء كان لازما أو لم يكن، وسواء كان ما نسب إليه نوعا أخيرا أو لم يكن، وسواء عم جميع ذلك الجنس أو وجد لبعضه كالمشي والأكل، فإنه بالإضافة إلى الحيوان خاصة، إذ لا يوجد لغير الحيوان، وإن كان لا يوجد كل وقت للحيوان فإن أضفته إلى الإنسان كان عرضا عاما، وكذلك الصهيل للفرس، والضحك للإنسان من الخواص، فما ليس مخصوصا بما نسب إليه بل وجد له ولغيره سمي عرضا عاما ، ولا تظن أنا نريد بالعرض ما نريد بالعرض الذي يقابل الجوهر، فإن هذا العرض قد يكون جوهرا كالأبيض للإنسان، فإن معنى الأبيض هنا جوهر ذو بياض، ومدلول اللفظ جوهر لا كالبياض، فإنه عرض فلا تغفل عن هذه الدقيقة فتغلظ فينقسم العرضي قسمة أخرى إلى ما يسمى أعراضا ذاتية وإلى ما لا يسمى ذاتية، فإن الموجود يتحرك، والجسم يتحرك، والإنسان يتحرك، ولكنا نقول: الموجود ليس يتحرك لكونه موجودا بل لمعنى أخص منه وهو الجسمية، والإنسان لا تعتريه ) الحركة لأنه إنسان بل لمعنى أعم منه وهو كونه جسما، فإذن الحركة من الأعراض الذاتية للجسم أي تلحقه وتعتريه من حيث إنه جسم لا لمعنى أعم منه ولا أخص منه بل لذاته، والصحة والسقم يوصف بكل منهما الحيوان، وهو من الأعراض الذاتية للحيوان، إذ لا يلحقه لمعنى أعم منه فإنه لا يعتريه من حيث إنه موجود أو جسم، ولا لما هو أخص منه لأنه لا يعتريه من حيث إنه فرس أو ثور أو إنسان، بل لما هو أعم منها وهو كونه حيوانا. وكذلك الزوجية والفردية للعدد فما يجري هذا المجرى يسمى أعراضا ذاتية، فلا ينبغي أن يلتبس عليك الذاتي بالمعنى الأول وهو المقوم بالذاتي بالمعنى الثاني وهو غير مقوم، فهذه قسمة العرضي. (۱) اعتراه الأمر، وعراه : ألم به وأصابه .

#512,249 حرف

ية للعدد فما يجري هذا المجرى يسمى أعراضا ذاتية، فلا ينبغي أن يلتبس عليك الذاتي بالمعنى الأول وهو المقوم بالذاتي بالمعنى الثاني وهو غير مقوم، فهذه قسمة العرضي. (۱) اعتراه الأمر، وعراه : ألم به وأصابه . ٤٣ الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض أما الذاتي المقوم فينقسم إلى ما لا يوجد شيء أعم منه وهو داخل في الماهية، أي يمكن أن يذكر في جواب ما هو ويسمى جنسا وإلى ما يوجد أعم منه دون ما هو أخص منه، ويمكن أن يذكر في جواب ما هو ويسمى نوعا، وإلى ما يذكر في جواب أي شيء هو ويسمى فصلا . فإذن انقسم الذاتي إلى الجنس والنوع والفصل، والعرضي إلى الخاصة والعرض العام بالقسمة المذكورة، فتكون الجملة خمسة، فإذن الكليات بهذا الاعتبار خمسة، ويسميها المنطقيون الخمسة المفردة، والأقسام الثلاثة للذاتي فيها مواضع اشتباه فلنوردها في معرض الأسئلة. فإن قال قائل : إذا كان الأعم من الذاتيات يسمى جنسا، والأخص يسمى نوعا، فالذي هو بين الأخص والأعم كالحيوان الذي هو بين الجسم، فإنه أعم من الحيوان وبين الإنسان فإنه أخص من الحيوان ما اسمه؟ قلنا : هذا يسمى نوعا بالإضافة إلى ما فوقه وجنسا بالإضافة إلى ما تحته . فإن قلت : قاسم النوع للمتوسط وللنوع الأخير الذي هو الإنسان بالتواطؤ(١) أو باشتراك الاسم؟ فاعلم أنه بالاشتراك، فإن الإنسان يسمى نوعا بمعنى أنه لا يقبل التقسيم بعد ذلك إلا بالشخص والعدد كزيد وعمرو، أو بالأحوال العرضية كالطويل والقصير وغيره. وأما الحيوان فتسميته نوعا بمعنى آخر وهو أنه يوجد ذاتي أعم منه، والإنسان سمي نوعا بمعنى أنه لا يوجد ذاتي أخص منه، بل كل ما أوردته مما هو أخص فهو عرضي لا ذاتي فهما معنيان متباينان. فإن قال قائل : فالموجود والشيء أعم من الجسم والحيوان فهل تسمونه جنسا ؟ قلنا : لا حجر في التسميات والاصطلاحات بعد فهم المعاني، والأولى في الاصطلاحات النزول على عادة من سبق من النظار، وقد خصصوا اسم الجنس بمعنى داخل في الماهية يجوز أن يجاب به عن سؤال السائل عن الماهية، فيذكر في جواب ما هو، وإذا أشير إلى الشيء وقيل : ما هو لم يحسن أن يقال : إنه موجود أو شيء، بل الوجود كالعرضي بالإضافة إلى الماهية المعقولة، إذ يجوز أن تحصل ماهية الشيء في العقل مع الشك في أن تلك الماهية هل لها وجود في الأعيان أم لا؟ فإن ماهية المثلث أنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع، ويجوز أن يحصل في نفوسنا هذه الماهية ولا يكون للمثلث وجود، ولو كان الوجود داخلا في الماهية مقوما لحقيقة الذات لما تصور فهم المثلث وحصول ماهيته في العقل مع عدمه، فإن مقومات الذات . تدخل مع الذات في العقل، فكما لا يتصور أن تحصل صورة الإنسان وحده في (1) التواطؤ : التوافق والاصطلاح.

#522,154 حرف

في الماهية مقوما لحقيقة الذات لما تصور فهم المثلث وحصول ماهيته في العقل مع عدمه، فإن مقومات الذات . تدخل مع الذات في العقل، فكما لا يتصور أن تحصل صورة الإنسان وحده في (1) التواطؤ : التوافق والاصطلاح. ٤٤ معيار العلم في فن المنطق العقل إلا أن يكون كونه حيوانا حاضرا، ولا ماهية المثلث إلا أن يكون كونه شكلا حاضرا فكذلك لا ينبغي أن تحصل صورة الشيء وحده في العقل، إلا أن يكون كونه موجودا حاضرا في العقل، إن كان الوجود مقوما للذات كالحيوانية للإنسان والشكلية للمثلث، وليس الأمر كذلك. وعلى الجملة وجود الشيء أما في الأعيان فيستدعي حضور جميع الذاتيات المقومة، وأما في الأذهان وهو مثال الوجود في الأعيان مطابق له وهو معنى العلم إذ لا معنى للعلم بالشيء إلا بثبوت صورة الشيء وحقيقته ومثاله في النفس، كما تثبت صورة الشيء في المرآة مثلا إلا أن المرآة لا تثبت فيها إلا أمثلة المحسوسات والنفس مرآة تثبت فيها أمثلة المعقولات، فيستدعي حضور جميع الذاتيات المقومة مرة أخرى . فإن قال قائل : فقد عرفت الفرق بين الجنس وبين ما هو عام عموم الجنس وليس بجنس، فبماذا يعرف الفرق بين الفصل والنوع؟ قلنا: الفصل ذاتي لا يذكر في جواب ما هو بل يذكر في جواب أي شيء هو ، فإنه يشار إلى الخمر مثلا فيقال: ما هو ؟ فيذكر في الجواب : شراب ؛ فلا يحسن بعده أن يقال : ما هو؟ بل : أي شراب هو ؟ فيقال : مسكر ؛ فالمسكر فصل أي يفصله عن غيره وهو الذي يسميه الفقهاء احترازا ، إلا أن الاحتراز قد يكون بالذاتي وقد يكون بغير الذاتي، وقد يخصص اسم الفصل عند الإطلاق بالذاتي . فلو قيل: أي شيء هو؟ وأجيب بأنه أحمر يقذف بالزبد؛ فربما انفصل به عن غيره وحصل به الاحتراز ولكن يكون ذلك فصلا غير ذاتي . وأما المسكر ففصل ذاتي للشراب، وكذلك الناطق للحيوان . وعلى الجملة الجنس والفصل عبارة عن الحقيقة نفسها تفصيلا كقولك : شراب مسكر وحيوان ناطق ؛ والنوع عبارة عنها إجمالا كقولك: إنسان وفرس وجمل سواء النوع الإضافي والحقيقي، والفصل عبارة عن شيء ذي حقيقة كقولك : ناطق وحساس ومسكر أي شيء ذو نطق وذو حس وذو إسكار، فكان الشيء الذي ورد عليه الوصف ب «ذو» وما بعدها لم يذكر بالفصول القائلة ناطق وحساس ومسكر . وسيأتي لهذا مزيد بيان في كتاب الحد الموصل إلى تصور حقائق الأشياء، إذ لا يتم الحد إلا بذكر الجنس والفصل . الماهية القسمة السادسة في أصناف الحقائق المذكورة في جواب السائل عن الماهية : اعلم أن قول القائل في الشيء ما هو طلب لماهية الشيء، ومن عرف الماهية وذكرها فقد أجاب . والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء،

#532,195 حرف

ة السادسة في أصناف الحقائق المذكورة في جواب السائل عن الماهية : اعلم أن قول القائل في الشيء ما هو طلب لماهية الشيء، ومن عرف الماهية وذكرها فقد أجاب . والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء، ٤٥ الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض فينبغي أن يذكر المجيب جميع الذاتيات المقومة للشيء حتى يكون مجيبا، وذلك بذكر حده، فلو ترك بعض الذاتيات لم يتم جوابه . فإذا أشار إلى خمر وقال : ما هو ؟ فقولك : شراب ليس بجواب مطابق لأنك أخللت ببعض الذاتيات وأتيت بما هو الأعم، بل ينبغي أن تذكر المسكر . وإذا أشار إلى إنسان وقال : ما هو؟ فتقول : إنه إنسان؛ فإن قال : ما هو الإنسان؟ فجوابك : إنه حيوان ناطق مائت؛ وهو تمام حده، والمقصود أنه يجب أن تذكر ما يعمه وغيره وما يخصه، لأن الشيء هو باجتماع ذلك وبه تتحصل ذاته، فإذا ثبت هذا الأصل فالمذكور في جواب ما هو ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها : ما هو بالخصوصية المطلقة وذلك بذكر الحد لتعريف ماهية الشيء المذكور كما إذا قيل لك : ما الخمر ؟ فتق تقول : شراب مسكر معتصر من العنب؛ وهذا يختص بالخمر ويطابقه ويساويه فلا هو أعم منه ولا هو أخص منه، بل ينعكس كل واحد منهما على الآخر، وهو مع المساواة جامع لجميع الذاتيات المقومة من الجنس والفصول، وهكذا نسبة كل حد شيء إلى اسمه . الثاني : ما هو بالشركة المطلقة مثل ما إذا سئلت عن جماعة فيها فرس وإنسان وثور: ما هي؟ فعند ذلك لا يحسن إلا أن تقول حيوان؛ فأما الأعم من ذلك وهو الجسم فليس تمام الماهية المشتركة بينها، بل هو جزء الماهية فإن الجسم جزء من ماهية الحيوان، إذ الحيوان هو جسم ذو نفس حساس متحرك، هذا حده وإنما الإنسان والفرس ونحوه أخص دلالة مما يشمل الجملة، وقد جعل الجملة كشيء واحد فأخص ماهية مشتركة لها حيوان . الثالث : ما يصلح أن يذكر على الخصوصية والشركة جميعا، فإنك إذا سئلت عن جماعة هم زيد وعمرو وخالد: ما هم؟ كان الذي يصلح أن يجاب به على الشرط المذكور : إنهم أناس . وكذلك إذا سئل عن زيد وحده : ما هو؟ لا أن يقال : من هو ؟ كان الجواب الصحيح : إنه إنسان لأن الذي يفضل في زيد على كونه إنسانا من كونه طويلا أبيض ابن فلان، أو كونه رجلا أو امرأة أو صحيحا أو سقيما أو كاتبا أو عالما أو جاهلا ، كل ذلك أعراض ولوازم لحقته الأمور اقترنت به في أول خلقته أو طرأت عليه بعد تشوه (۱) ، ولا يمتنع علينا أن نقدر أضدادها بل زوالها منه، ويكون هو ذلك الإنسان بعينه. وليس كذلك نسبة الحيوانية إلى الإنسانية، ولا نسبة الإنسانية إلى الحيوانية، إذ لا يمكن أن يقال : قد اقترن به في (1) نشوه : نشوءه : حدوته وتجدده .

#542,320 حرف

نقدر أضدادها بل زوالها منه، ويكون هو ذلك الإنسان بعينه. وليس كذلك نسبة الحيوانية إلى الإنسانية، ولا نسبة الإنسانية إلى الحيوانية، إذ لا يمكن أن يقال : قد اقترن به في (1) نشوه : نشوءه : حدوته وتجدده . ٤٦ معيار العلم في فن المنطق رحم أمه سبب جعله إنسانا لو لم يكن لكان فرسا أو حيوانا آخر، وهو ذلك الحيوان بعينه، بل إن لم يكن إنسانا لم يكن أصلا حيوانا لا ذاك بعينه ولا غيره، فإذن الإنسان هو الذاتي الأخير وهو الذي يسمى نوعا أخيرا. فإن قال قائل : لم لا يجوز في القسم الثاني أن يقال: حساس ومتحرك بالإرادة بدل الحيوان وهو ذاتي مساو للحيوان؟ قلنا : ذلك غير سديد على الشرط المطلوب، لأن المفهوم من الحساس والمتحرك على سبيل المطابقة هو مجرد أنه شيء له قوة حس أو حركة، كما أن مفهوم الأبيض أنه شيء له بياض؛ فأما ما ذلك الشيء وما حقيقة ذاته فغير داخل في مفهوم هذه الألفاظ إلا على سبيل الالتزام حتى لا يعلم من اللفظ بل من طريق عقلي يدل على أن هذا لا يتصور إلا لجسم ذي نفس. فإذا سئل عن جسم : ما هو ؟ فقلت : أبيض؛ لم تكن مجيبا، وإن كنا نعلم من وجه آخر أن البياض لا يحل إلا جسما، ولكن نقول دلالة الأبيض على الجسم بطريق الالتزام، وقد قدمنا أن المعتبر في دلالة الألفاظ طريق المطابقة والتضمن، ولذلك لا يجوز الجواب عن الماهية بالخواص البعيدة، وإن كانت تدل بطريق الالتزام فلا يحسن أن يقال في جواب من يسأل عن ماهية الإنسان أنه الضحاك، وفي جواب من يسأل عن ماهية المثلث أنه المساوية زواياه لقائمتين، وإن كان يدل بطريق الالتزام. فإن قال قائل : قد ادعيتم أن الماهية مهما حضرت في العقل كان جميع أجزائها حاضرا، وليس كذلك، فإنا إذا علمنا الحادث فإنما نعلم شيئا واحدا مع أن أجزاء ذاته كثيرة، إذ معناه وجود بعد العدم ففيه العلم بالوجود وبعدم ذلك الوجود، ويكون العدم سابقا، وكون الوجود متأخرا وفيه العلم بالتقدم والتأخر وفيه العلم بالزمان لا محالة ؛ فهذه المعلومات كلها لا بد من حضورها في الذهن حتى تتم أجزاء حد الحادث، والناظر في الحادث لا تخطر له هذه التفاصيل وهو عالم به . فالجواب أن جميع الذاتيات المقومة للماهية لا بد أن تدخل مع الماهية في التصور، ولكن قد لا تخطر بالبال مفصلة، فكثير من المعلومات لا تخطر بالبال مفصلة، ولكنها إذا أخطرت تمثلت وعلم أنها كانت حاصلة، فإن العالم بالحادث إن لم يكن عالما بهذه الأجزاء وقدر أنه لم يعلم إلا الحادث ثم قيل له : هل علمت وجودا أو عدما أو تقدما أو تأخرا ؟ فلو قال : ما علمت؛ كان كاذبا فيه. ومن عرف الإنسان فقيل له : هل عرفت حيوانا أو جسما أو حساسا أو شيئا ذا طول وعرض وعمق وهو حد الجسم ؟ فقال : ما عرفته؛ كان كاذبا. فنفهم من هذا أن هذه المعاني معلومة حاضرة في الذهن إلا أنها لا تتفصل إلا إذا أخطرت مفضلة، وإذا

#552,155 حرف

ل له : هل عرفت حيوانا أو جسما أو حساسا أو شيئا ذا طول وعرض وعمق وهو حد الجسم ؟ فقال : ما عرفته؛ كان كاذبا. فنفهم من هذا أن هذه المعاني معلومة حاضرة في الذهن إلا أنها لا تتفصل إلا إذا أخطرت مفضلة، وإذا ٤٧ الفن الثاني : في مفردات المعاني الموجودة ونسبة بعضها إلى بعض فصلت علم أن المعاني كانت معلومة من قبل ؛ فافهم هذا فإنه دقيق في نفسه فقد نبهنا على مثارين للشبهة في هذه القسمة بصيغة السؤال والجواب . التعريف بالكليات الخمسة تكملة لهذه الجملة برسوم المفردات الخمس وترتيبها : أما الرسوم الجارية مجرى الحدود فالجنس يرسم بأنه كلي يحمل على أشياء مختلفة الذوات والحقائق في جواب ما هو والفصل يرسم بأنه كلي يحمل على الشيء في جواب أي شيء هو في جوهره والنوع بأحد المعنيين يرسم بأنه كلي يحمل على أشياء لا تختلف إلا بالعدد في جواب «ما هو، وبالمعنى الثاني يرسم بأنه كلي يحمل عليه الجنس وعلى غيره حملا ذاتيا أوليا، والخاصة ترسم بأنها كلية تحمل على ما تحت حقيقة واحدة فقط حملا غير ذاتي ، والعرض العام يرسم بأنه كلي يطلق على حقائق مختلفة ثم اعلم أن هذه الذاتيات التي هي أجناس وأنواع تترتب متصاعدة إلى أن تنتهي إلى جنس الأجناس، وهو الجنس العالي الذي ليس فوقه جنس، وتترتب متنازلة حتى تنحط إلى النوع الأخير الذي إن نزلت منه انتهت إلى الأشخاص والأعراض، ولا بد من انتهاء الجنس العالي في التنازل إلى نوع أخير إذ ليس يخرج عن النهاية، ولا بد من ارتفاع النوع الأخير في التصاعد إلى جنس عال لا يمكن مجاوزته إلا بذكر العوارض واللوازم . فأما الذاتيات فتنتهي لا محالة والأنواع الأخيرة كثيرة، والأجناس العالية التي هي أعلى الأجناس زعم المنطقيون أنها عشرة : واحد جوهر وتسعة أعراض وهي : الكم والكيف والمضاف والأين ومتى والوضع وله وأن يفعل وأن ينفعل). فالجوهر : مثل قولنا : إنسان وحيوان وجسم، والكم مثل قولنا : ذو ذراع وذو ثلاثة أذرع والكيف : مثل قولنا : أبيض وأسود، والمضاف : مثل قولنا : ضعف ونصف وابن وأب والأين مثل قولنا : في السوق وفي الدار، ومتى : مثل قولنا : في زمان كذا ووقت كذا، والوضع: مثل قولنا: متكئ وجالس، وأن يفعل مثل قولنا : يحرق ويقطع ، وأن ينفعل : مثل قولنا : يحترق ويتقطع، وله : مثل قولنا : متنعل (۱) ومتطلس (۲) ومتسلح . وقد تجتمع هذه العشرة في شخص واحد في سياق كلام واحد كما تقول : إن الفقيه الفلاني الطويل الأسمر ابن فلان الجالس في بيته في سنة كذا يعلم ويتعلم وهو متطلس. فهذه (۱) تنعل فلان : لبس النعل . (۲) تطلس فلان : امحى أو خفي ، وتطلس بالطالسان أو الطيلسان : لبسه .

#561,403 حرف

كما تقول : إن الفقيه الفلاني الطويل الأسمر ابن فلان الجالس في بيته في سنة كذا يعلم ويتعلم وهو متطلس. فهذه (۱) تنعل فلان : لبس النعل . (۲) تطلس فلان : امحى أو خفي ، وتطلس بالطالسان أو الطيلسان : لبسه . ٤٨ معيار العلم في فن المنطق أجناس الموجودات والألفاظ الدالة عليها بواسطة آثارها في النفس، أعني ثبوت صورها في النفس وهي العلم بها فلا معلوم إلا وهو داخل في هذه الأقسام، ولا لفظ إلا وهو دال على شيء من هذه الأقسام . فأما الأعم من جميعها فهو الموجود، وقد ذكرنا أنه ليس جنسا وينقسم بالقسمة الأولى إلى الجوهر والعرض، والعرض ينقسم إلى هذه الأقسام التسعة، فيكون المجموع عشرة، ولهذا مزيد تفصيل وتحقيق سيساق إليك في كتاب أقسام الوجود وأحكامه، فإنه بحث عن انقسام الموجودات، والله أعلم. ٤٩ الفن الثالث : في تركيب المعاني المفردة، أو القضايا اعلم أن المعاني إذا ركبت حصل منها أصناف كالاستفهام (۱) والالتماس (۲) والتمني (۳) والترجي (٤) والتعجب (٥) والخبر (٦) . وغرضنا من جملة ذلك الصنف الأخير وهو الخبر، لأن مطلبنا البراهين المرشدة إلى العلوم وهي نوع من القياس المركب من المقدمات التي كل مقدمة منها خبر واحد يسمى قضية. والخبر هو الذي يقال لقائله : إنه صادق أو كاذب فيه بالذات لا بالعرض، وبه يحصل الاحتراز عن سائر الأقسام إذ المستفهم عما يعلمه قد يقال له لا تكذب، فإنه يعرض به إلى التباس الأمر عليه. وكذلك من يقول : يا زيد ويريد غيره لأنه يعتقد أن زيدا في الدار، فإذا قيل له : لا تكذب لم يكن ذلك تكذيبا في النداء بل في خبر اندرج تحت النداء ضمنا ، فإذا نظرنا في هذا الفن : في القضية وبيانها، بذكر أحكامها وأقسامها .

#571,090 حرف

: يا زيد ويريد غيره لأنه يعتقد أن زيدا في الدار، فإذا قيل له : لا تكذب لم يكن ذلك تكذيبا في النداء بل في خبر اندرج تحت النداء ضمنا ، فإذا نظرنا في هذا الفن : في القضية وبيانها، بذكر أحكامها وأقسامها . (1) الاستفهام هو طلب فهم شيء لم يتقدم لك علم به بأداة من إحدى أدواته (هل، من، (۲) الالتماس : الطلب ؛ يقال : التمس الشيء: طلبه. (۳) التمني : هو طلب حصول شيء محبوب لا يرجى حصوله، إما لكونه مستحيلا، وإما لكونه بعيد التحقق والحصول . (٤) الترجي: هو طلب الممكن المرغوب فيه، أو توقع الأمر المحبوب، وغير المحبوب، وأهم أدواته : لعل، عسى . (٥) التعجب: هو صيغة للتعبير عن الدهشة والانفعالات إزاء أمر ما بواحد من شكليه : ما أكرم فلان، أو أكرم به . (٦) الخبر : هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، والقول لذاته : لتدخل فيه الأخبار الواجبة الصدق كأخبار الله سبحانه وتعالى، وأخبار رسله؛ والواجبة الكذب كأخبار المتنبئين في دعوى النبوة، والبديهيات المقطوع بصدقها أو كذبها . فكل هذه إذا نظر إليها لذاتها من دون اعتبارات أخرى احتملت أحد الأمرين؛ أما إذا نظر فيها إلى خصوصية في المخبر أو في الخبر، تكون متعينة لأحدهما . ٥٠ معيار العلم في فن المنطق القضية الحملية والقضية الشرطية المتصلة، والقضية الشرطية المنفصلة

#581,992 حرف

اعتبارات أخرى احتملت أحد الأمرين؛ أما إذا نظر فيها إلى خصوصية في المخبر أو في الخبر، تكون متعينة لأحدهما . ٥٠ معيار العلم في فن المنطق القضية الحملية والقضية الشرطية المتصلة، والقضية الشرطية المنفصلة القسمة الأولى : إن القضية باعتبار ذاتها تنقسم إلى جزأين مفردين: أحدهما خبر، والآخر مخبر عنه، كقولك : زيد قائم، فإن زيدا مخبر عنه والقائم خبر، وكقولك : العالم حادث، فالعالم مخبر عنه والحادث خبر. وقد جرت عادة المنطقيين بتسمية الخبر محمولا والمخبر عنه موضوعا (١) ، عا (۱) ، فلننزل على اصطلاحهم فلا مشاحة في الألفاظ . ثم إذا قلنا : الشكل محمول على المثلث، فإن كل مثلث شكل فلسنا نعني به أن حقيقة المثلث حقيقة الشكل، ولكن معناه أن الشيء الذي يقال له مثلث فهو بعينه يقال له شكل، سواء كان حقيقة ذلك الشيء كونه مثلثا أو كونه شكلا أو كونه أمرا ثالثا، فإنا إذا أشرنا إلى إنسان وقلنا : هذا الأبيض طويل، فحقيقة المشار إليه كونه إنسانا لا هذا الموضوع وهو الأبيض ولا هذا المحمول وهو الطويل. وإذا قلنا : هذا الإنسان أبيض، فالموضوع هو الحقيقة. فإذن لسنا نعني بالمحمول إلا القدر الذي ذكرناه من غير اشتراط ، فلنفهم حقيقته فهذا أقل ما تنقسم إليه القضية الحملية . والقضايا باعتبار وجوه تركيبها ثلاثة أصناف : الأول : الحملي، وهو الذي حكم فيه بأنه معنى محمول على معنى أو ليس بمحمول عليه كقولنا : العالم حادث العالم ليس بحادث؛ فالعالم موضوع والحادث محمول يسلب مرة ويثبت أخرى. وقولنا : ليس هو حرف سلب، إذا زيد على مجرد ذكر ذات الموضوع والمحمول صار المحمول مسلوبا عن الموضوع . الصنف الثاني : ما يسمى شرطيا متصلا كقولنا : إن كان العالم حادثا فله محدث، سمي شرطيا لأنه شرط وجود المقدم لوجود التالي بكلمة الشرط، وهو إن وإذا وما يقوم مقامهما . فقولنا : إن كان العالم حادثا يسمى مقدما، وقولنا: فله محدث، يسمى تاليا، وهو الذي قرن به حرف الجزاء الموازي للشرط. والتالي يجري مجرى المحمول ولكن يفارقه من وجه، وهو أن المحمول ربما يرجع في الحقيقة إلى نفس الموضوع، ولا يكون شيئا مفارقا له ولا متصلا به على سبيل اللزوم والتبعية، كقولنا : الإنسان حيوان والحيوان محمول وليس مفارقا، ولا ملازما تابعا . وأما قولنا : فله محدث، فهو شيء آخر لزم اتصاله وإقرانه بوصف الحدوث، لا أنه يرجع إلى نفس العالم . والشرطية المتصلة إذا حللتها رجعت بعد

#59323 حرف

ولنا : الإنسان حيوان والحيوان محمول وليس مفارقا، ولا ملازما تابعا . وأما قولنا : فله محدث، فهو شيء آخر لزم اتصاله وإقرانه بوصف الحدوث، لا أنه يرجع إلى نفس العالم . والشرطية المتصلة إذا حللتها رجعت بعد (1) يسمي البلاغيون الخبر (المحمول) مسندا، والمخبر عنه (الموضوع): مسندا إليه. ويسمي النحويون الموضوع مبتدأ، والمحمول خبرا.

#602,176 حرف

وصف الحدوث، لا أنه يرجع إلى نفس العالم . والشرطية المتصلة إذا حللتها رجعت بعد (1) يسمي البلاغيون الخبر (المحمول) مسندا، والمخبر عنه (الموضوع): مسندا إليه. ويسمي النحويون الموضوع مبتدأ، والمحمول خبرا. الفن الثالث : في تركيب المعاني المفردة، أو القضايا حذف حرفي الجزاء والشرط منها إلى حمليتين، ثم ترجع كل حملية إلى محمول مفرد وموضوع مفرد، فالشرطية أكثر تركيبا لا محالة إذ لا تنحل في أول الأمر إلى البسائط، بل تنحل إلى الحمليات أولا ثم إلى البسائط ثانيا . الصنف الثالث : ما يسمى شرطيا منفصلا كقولنا: العالم إما حادث وإما قديم، فهما قضيتان حمليتان جمعتا وجعلت إحداهما لازمة الانفصال للأخرى، وكانت فيما قبل الشرطي المتصل لازمة الاتصال ولأجله سمي منفصلا. والمتكلمون يسمون هذا سبرا وتقسيما . ثم هذا المنفصل قد يكون محصورا في جزأين كما ذكرنا، وقد يكون في ثلاثة أو أكثر كقولنا هذا العدد إما مثل هذا العدد أو أقل أو أكثر، فهو مع كونه ذا ثلاثة محصور. وربما تكثر الأجزاء بحيث لا يكون داخلا في الحصر كقولنا : هذا إما أسود أو أبيض، وفلان إما بمكة أو ببغداد . ثم ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : ما يمنع الجمع والخلو جميعا كقولنا : العالم إما حادث أو قديم، فإنه يمنع اجتماع القدم والحدوث والخلو من أحدهما ، أي لا يجوز كلاهما ويجب أحدهما لا محالة . والثاني : ما يمنع الجمع دون الخلو، كما إذا قال قائل : هذا حيوان وشجر، فتقول : هو إما حيوان وإما شجر أي لا يجتمعان جميعا، وإن جاز أن يخلو عنهما بأن يكون حمارا مثلا . والثالث : ما يمنع الخلو ولا يمنع الجمع كما إذا أخذت بدل أحد الجزأين لازمه لا نفسه، بأن قلت مثلا : إما أن يكون زيد في البحر وإما ألا يغرق، فإن هذا يمنع الخلو ولا يمنع الجمع، إذ يجوز أن يكون في البحر ولا يغرق، ولا يجوز أن يخلو من أحد القسمين؛ وسببه أنك أخذت نفي الغرق الذي هو لازم كونه في البر وهو أعم منه، فإن الذي في البحر أيضا قد لا يغرق، وكان أصل التقسيم يقتضي أن يقال : إما أن يكون في البحر وإما أن يكون في البر، فكان يمتنع به الجمع والخلو جميعا، ولكن عدم الغرق لازم لكونه في البر ثم ليس مساويا بل هو أعم فلم يبعد أن يتناول كونه في البحر فيؤدي إلى الاجتماع. فهذه أمور متشابهة لا بد من تحقيق الفرق بينها. فلا معنى لنظر العقل إلا درك انقسام الأمور المتشابهة في الظاهر، ودرك اجتماع الأمور المفترقة في الظاهر، فإن الأشياء تختلف في أمور وتشترك في أمور ، وإنما شأن العقل أن يميز بين ما يشترك فيه وما يفترق فيه، وذلك بهذه التقسيمات التي نحن في سياقها، فهذا وجه قسمة القضايا باعتبار

#611,420 حرف

تماع الأمور المفترقة في الظاهر، فإن الأشياء تختلف في أمور وتشترك في أمور ، وإنما شأن العقل أن يميز بين ما يشترك فيه وما يفترق فيه، وذلك بهذه التقسيمات التي نحن في سياقها، فهذا وجه قسمة القضايا باعتبار معيار العلم في فن المنطق أجزائها في الحل والتركيب إلى أصنافها من الحمل والاتصال والانفصال . القضية السالبة والقضية الموجبة القسمة الثانية للقضية باعتبار نسبة محمولها إلى موضوعها بنفي أو إثبات : اعلم أن كل قضية من هذه الأصناف الثلاثة تنقسم إلى سالبة وموجبة، ونعني بهما النافية والمثبتة، فالإيجاب الحملي مثل قولنا : الإنسان حيوان، ومعناه أن الشيء الذي نفرضه في الذهن إنسانا، سواء كان موجودا أو لم يكن موجودا، يجب أن نفرضه حيوانا ونحكم عليه بأنه حيوان من غير زيادة وقت وحال، بل على ما يعم الموقت ومقابله والمقيد ومقابله، بل قولنا : إنه حيوان في كل حال أو حيوان في بعض الأحوال كلامان متصلان بزيادتين على مطلق قولنا : إنه حيوان، هذا ما اللفظ صريح فيه وإن كان لا يبعد أن يسبق إلى الفهم العموم بحكم العادة، لا سيما إذا انضمت إليه قرينة حال الموضوع . وأما السلب الحملي فهو مثل قولنا : الإنسان ليس بحيوان . وأما الإيجاب المتصل فهو مثل قولنا : إن كان العالم حادثا فله محدث، والسلب ما يسلب هذا اللزوم، والاتصال كقولنا : ليس إن كان العالم محدثا فله محدث. والإيجاب المنفصل مثل قولنا : هذا العدد إما مساو لذلك العدد أو مفاوت له والسلب ما يسلب هذا الانفصال وهو قولنا : ليس هذا العدد إما مساويا لذلك العدد أو مفاوتا له . ومقصود هذا التقسيم منع الخلو، فالسلب له هو الذي يسلب منع الخلو ويشير إلى إمكانه . القضية غير المحصلة أو المعدولة

#62909 حرف

سلب ما يسلب هذا الانفصال وهو قولنا : ليس هذا العدد إما مساويا لذلك العدد أو مفاوتا له . ومقصود هذا التقسيم منع الخلو، فالسلب له هو الذي يسلب منع الخلو ويشير إلى إمكانه . القضية غير المحصلة أو المعدولة فإن قال قائل : قولنا : زيد غير بصير سالبة أو موجبة؛ فإن كانت موجبة فما الفرق بينه وبين قولنا : زيد ليس بصيرا؟ وإن كانت سالبة فما الفرق بينه وبين قولنا : زيد أعمى وهي موجبة؟ ولا معنى لقولنا : غير بصير إلا معنى هذا الإيجاب، ولذلك لا يتبين في الفارسية فرق بين قولنا : «زید کوراست» وبين قولنا : «زید نابیناست» وكذا قولنا : زيد نادانست» إذ المفهوم منه أنه جاهل والصيغة صيغة النفي . قلنا : هذا موضع مزلة قدم والاعتناء ببيانه واجب، فإن من لا يميز بين السالب والموجب كثر غلطه في البراهين، فإنا سنبين أن القياس لا ينتظم من مقدمتين سالبتين بل لا بد أن يكون إحداهما موجبة حتى ينتج . ومن القضايا ما صيغتها صيغة السلب ومعناها معنى الإيجاب فلا بد من تحقيقها؛ فنقول: قولنا : زيد غير بصير قضية موجبة كترجمته بالفارسية، وكأن

#632,118 حرف

تظم من مقدمتين سالبتين بل لا بد أن يكون إحداهما موجبة حتى ينتج . ومن القضايا ما صيغتها صيغة السلب ومعناها معنى الإيجاب فلا بد من تحقيقها؛ فنقول: قولنا : زيد غير بصير قضية موجبة كترجمته بالفارسية، وكأن الفن الثالث : في تركيب المعاني المفردة، أو القضايا الغير مع البصير جعلا شيئا واحدا وعبر به عن الأعمى، فالغير بصير بجملته معنى واحدا يوجب مرة فيقال : زيد غير بصير، ويسلب أخرى فيقال : زيد ليس غير بصير؛ ولنخصص هذا الجنس من الموجبة باسم آخر، وهو المعدولة أو غير المحصلة وكأنها عدل (۱) بها عن قانونها فأبرزت في صيغة سلب وهي إيجاب، وتصيير حرف السلب مع المسلوب ككلمة واحدة كثيرة في الفارسية، مثل نادان ونابينا وناتوان بدل عن الأعمى والجاهل والعاجز . وأمارة (۲) كونها موجبة في الفارسية أنها تردف بصيغة الإثبات، فيقال : فلان «نابيناست»، وإذا سلبت قيل: «بينانيست» فيكون الحكم بصيغة السلب، وكانت المطابقة بين اللفظ والمعنى في اللغة تقتضي ثلاثة ألفاظ في كل قضية : واحد للموضوع وواحد للمحمول، وواحد لربط المحمول بالموضوع كما في الفارسية (٣)، لكن في اللغة العربية اقتصر كثيرا على لفظين فقيل مثلا : زيد بصير، والأصل أن يقال : زيد هو بصير بزيادة حرف الرابطة، فإذا قدم حرف الرابطة على غير فقيل : زيد هو غير بصير، صار زيد من جانب موضوعا، وغير بصير من جانب آخر محمولا، ولفظ هو متخلل بينهما رابطا لأحدهما بالآخر فيكون إيجابا؛ فإن أردت السلب قلت : زيد ليس هو بصيرا، فيكون البصير هو المحمول، وليس هو حرف سلب والرابطة بين السلب والمحمول، وكذلك تقول : زيد ليس هو غير بصير، فتكون الرابطة قبل أجزاء المحمول متصلة به، فهذا وجه التنبيه على هذه الدقيقة (٤) فإن قيل : فقولنا غير بصير وقولنا أعمى متساويان، أو أحدهما أعم من الآخر. قلنا : هذا يختلف باللغات، وربما يظن أن قولنا : غير بصير أعم حتى يصح أن يوصف به الجماد، وأما الأعمى فلا يمكن أن يوصف به إلا من يمكن أن يكون له البصر، وبيان ذلك محال على اللغة، فلا يخلط بالفن الذي نحن بصدده وإنما غرضنا تمييز السلب عن الإيجاب، فإن الإيجاب لا يمكن إلا على ثابت متمثل في وجود أو وهم . وأما النفي فيصح عن غير الثابت سواء كان كونه غير ثابت واجبا أو غير واجب . (۱) عدل بها : ميل أو حيد . (۲) الأمارة: العلامة . (۳) تلحظ هنا معرفة الغزالي باللغة الفارسية، وقدرته على المقارنة بينها وبين اللغة العربية في المسألة التي يبحثها . (٤) الدقيقة : مؤنث الدقيق : الأمر الغامض الخفي المعنى الذي لا يفهمه إلا الأذكياء .

#64259 حرف

ة . (۳) تلحظ هنا معرفة الغزالي باللغة الفارسية، وقدرته على المقارنة بينها وبين اللغة العربية في المسألة التي يبحثها . (٤) الدقيقة : مؤنث الدقيق : الأمر الغامض الخفي المعنى الذي لا يفهمه إلا الأذكياء . معيار العلم في فن المنطق ٥٤ القضية الكلية والقضية الجزئية

#652,092 حرف

قارنة بينها وبين اللغة العربية في المسألة التي يبحثها . (٤) الدقيقة : مؤنث الدقيق : الأمر الغامض الخفي المعنى الذي لا يفهمه إلا الأذكياء . معيار العلم في فن المنطق ٥٤ القضية الكلية والقضية الجزئية القسمة الثالثة للقضية باعتبار عموم موضوعها أو خصوصه: اعلم أن موضوع القضايا إما شخصي فتكون شخصية كقولنا : زيد كاتب زيد ليس بكاتب، وإما كلي فتكون كلية . والكلية إما مهملة كقولنا : الإنسان في خسر (۱)، الإنسان ليس في خسر . وسميناها مهملة لأنه لم يتبين فيها وجود المحمول لكلية الموضوع أو لبعضه، وإما محصورة وهي التي بين فيها أن الحكم لكله كقولنا : كل إنسان حيوان، أو ذكر أنه لبعضه كقولنا : بعض الحيوان إنسان فإذن القضية بهذا الاعتبار أربعة : شخصية، ومهملة، ومحصورة كلية، ومحصورة جزئية. والقضية تقسم إلى هذه الأقسام، سالبة كانت أو موجبة، شرطية كانت أو حملية، متصلة كانت الشرطية أو منفصلة، واللفظ الحاصر يسمى سورا، كقولنا في الموجبة الكلية : كل إنسان حيوان، وقولنا في الموجبة الجزئية بعض الحيوان إنسان، وكقولنا في السالبة الكلية : لا واحد من الناس بحجر، وكقولنا في السالبة الجزئية : ليس بعض الناس كاتبا، أو ليس كل إنسان كاتبا، فإن فحواهما واحد . فإن قلت : فالألف واللام إذا كانتا للاستغراق فقول القائل: الإنسان في خسر كلية، فكيف سميناها مهملة؟ فاعلم أنه إن ثبت ذلك في لغة العرب وجب طلب المهمل من لغة أخرى، وإن لم يثبت فهو مهمل إذ يحتمل الكل ويحتمل الجزء، وتكون قوة المهمل قوة الجزئي لأنه بالضرورة يشتمل عليه. وأما العموم فمشكوك فيه، وليس من ضرورة ما يصدق جزئيا ألا يصدق كليا، فليحذر عن المهملات في الأقيسة إذا كان المطلوب منها نتيجة كلية، كما يقول الفقيه مثلا : المكيل ربوي والجص مكيل فكان ربويا، فيقال : قولك المكيل مهمل ، فإن أردت الكل فممنوع وإن أردت به الجزء فينتج أن بعض المكيل ربوي، فإذا قلت : بعض المكيل ربوي والجص مكيل فكان ربويا، لم يلزمه النتيجة إذ يحتمل أن يكون من البعض الآخر الذي ليس بربوي . فإن قلت : فكيف يكون الحصر والإهمال في الشرطيات؟ فافهم أنك مهما قلت: كلما كان الشيء حادثا فله محدث، أو قلت دائما : إما أن يكون الشيء حادثا أو قديما، فقد حصرت الحصر الكلي الموجب. وإذا قلت ليس البتة إذا كان الشيء موجودا فهو في جهة وليس البتة إذا كان البيع صحيحا فهو لازم، فقد سلبت الاتصال وحصرت . وسائر نظائر هذا يمكنك قياسها عليه . (۱) هذا من قول الله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر [العصر: ١].

#662,142 حرف

إذا كان الشيء موجودا فهو في جهة وليس البتة إذا كان البيع صحيحا فهو لازم، فقد سلبت الاتصال وحصرت . وسائر نظائر هذا يمكنك قياسها عليه . (۱) هذا من قول الله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر [العصر: ١]. الفن الثالث : في تركيب المعاني المفردة، أو القضايا ٥٥ القسمة الرابعة للقضية باعتبار جهة نسبة المحمول إلى الموضوع بالوجوب أو الجواز أو الامتناع : اعلم أن المحمول في القضية لا يخلو إما أن تكون نسبته إلى الموضوع نسبة الضروري الوجود في نفس الأمر ، كقولك: الإنسان حيوان، فإن الحيوان محمول على الإنسان ونسبته إليه نسبة الضروري الوجود، وإما أن تكون نسبته إليه نسبة الضروري العدم كقولنا : الإنسان حجر فإن الحجرية محمولة، ونسبتها إلى الإنسان نسبة الضروري العدم، وإما ألا يكون ضروريا لا وجوده ولا عدمه كقولنا : الإنسان كاتب الإنسان ليس بكاتب، ولنسم هذه النسبة مادة الحمل، فالمادة ثلاثة : الوجوب والإمكان والامتناع . والقضية بهذا الاعتبار إما مطلقة وإما مقيدة، والمقيدة ما نص فيها بأن المحمول للموضوع ضروري أو ممكن أو موجود على الدوام لا بالضرورة (١). والمطلق ما لم يتعرض فيه إلى شيء من ذلك، فإن هذه الأمور زائدة على ما يقتضيه مجرد الحمل والقضية الضرورية تنقسم إلى ما لا شرط فيه كقولنا : الله حي، فإنه لم يزل ولا يزال كذلك، وإلى ما شرط فيه وجود الموضوع كقولنا : الإنسان حي، فإنه ما دام موجودا فهو كذلك، فوجود الموضوع مشروط فيه ولا يفارق هذا المشروط الضروري الأول في جهة الضرورة، وإنما يفارق في دوام الموضوع لذاته أزلا وأبدا ووجوب وجوده لنفس حقيقته، ولنسم هذا بالضروري المطلق. فأما الضروري المشروط فثلاثة : الأول : ما يشترط فيه دوام وجود الموضوع ومثاله ما تقدم. الثاني : ما شرط فيه دوام كون الموضوع موصوفا بعنوانه كقولنا : كل متحرك متغير، فإنه متغير ما دام متحركا لا ما دام ذات المتحرك موجودا فحسب. والفرق بين هذا وبين قولنا : الإنسان حي أن الشرط في الحي ذات الإنسان، والشرط ههنا ليس هو ذات المتحرك فقط ، بل ذات المتحرك له ذات وجوهر من كونه فرسا أو سماء أو ما شئت أن تسميه ويلحقه أنه متحرك، وذاك الذات هو غير المتحرك، وليس الإنسان كذلك . الثالث : ما يشترط فيه وقت مخصوص إما معين أو غير معين، فإن قولنا : القمر بالضرورة منخسف مقيد بوقت معين، وهو وقت وقوعه في ظل الأرض محجوبا بذلك عن ضوء الشمس، وقولنا : الإنسان بالضرورة متنفس فمعناه أنه في بعض الأوقات، وذلك الوقت غير متعين (۱) فرض أرسطو على القضية إدخال ألفاظ واجب، وممكن وممتنع، وتجنب الغزالي فعل ذلك .

#672,305 حرف

ه في ظل الأرض محجوبا بذلك عن ضوء الشمس، وقولنا : الإنسان بالضرورة متنفس فمعناه أنه في بعض الأوقات، وذلك الوقت غير متعين (۱) فرض أرسطو على القضية إدخال ألفاظ واجب، وممكن وممتنع، وتجنب الغزالي فعل ذلك . معيار العلم في فن المنطق ٥٦ فإن قال قائل : وهل يتصور دائم غير ضروري؟ قلنا : نعم. أما في الأشخاص فظاهر كالزنجي، فإنك قد تقول : إنه أسود البشرة ما دام موجود البشرة وليس السواد لبشرته ضروريا ولكنه قد اتفق وجوده لها على الدوام، ولنسم هذه القضية وجودية . وأما في الكليات فكقولنا : كل كوكب إما شارق أو غارب، فإنه في كل ساعة كذلك وليس ذلك ضروريا في وجود ذاته إذ ليس كالحيوان للإنسان فافهم. القسمة الخامسة للقضية باعتبار نقيضها : اعلم أن فهم النقيض في القضية تمس إليه الحاجة في النظر، فربما لا يدل البرهان على شيء ولكن يدل على إبطال نقيضه، فيكون كأنه قد دل عليه . وربما يوضع في مقدمات القياس شيء فلا يعرف وجه دلالته ما لم يرد إلى نقيضه، فإذا لم يكن النقيض معلوما لم تحصل هذه الفوائد، وربما يظن أن معرفة ذلك ظاهرة وليس كذلك، فإن التساهل فيه مثار الغلط في أكثر النظريات والقضيتان المتناقضتان هما المختلفتان بالإيجاب والسلب، على وجه يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فإنا إذا قلنا : العالم حادث وكان صادقا كان قولنا العالم ليس بحادث كاذبا، وكذا قولنا: قديم إذا عنينا بالقديم نفي الحادث؛ فمهما دللنا على أحدهما فقد دللنا على الآخر، ومهما قلنا : أحدهما فكأنا قد قلنا الآخر، فهما متلازمان على هذا الوجه ولكن للتناقض شروط ثمانية ، فإذا لم تراع الشروط لم يحصل التناقض : الأول : أن تكون إحدى القضيتين سالبة والأخرى موجبة، كقولنا: العالم حادث، العالم ليس بحادث ؛ فإنا إن قلنا : العالم حادث العالم حادث، فلا يتناقضان . الثاني : أن يكون موضوع المقدمتين واحدا فإذا تعدد لم يتناقضا، كقولنا : العالم حادث والباري ليس بحادث، فإنهما لا يتناقضان وإنما يشكل هذا في لفظ مشترك، فإنا نقول: العين أصفر العين ليس بأصفر، ونريد بإحداهما الدينار وبالآخر العضو الباصر. ونقول في الفقه : العين أصفر العين ليس بأصفر، ونريد بإحداهما الدينار وبالآخر العضو الباصر. ونقول في الفقه : الصغيرة مولى عليها في بضعها» (۱) الصغيرة ليس مولى عليها في بضعها، ونريد بإحداهما الثيب (۲)، وبالأخرى البكر على منهاج إرادة الخاص بالعام، ويكون الموضوع متعددا فلا يحصل التناقض . الثالث: أن يكون المحمول واحدا، فإن قولنا : الإنسان مخلوق، الإنسان ليس بحجر لا يتناقضان، ويشكل ذلك في المحمول المشترك، كقولنا : المكره (1) مولى عليها : أي يقوم بتزويجها ولي مجبر . البضع : الزواج، أو العقد، أو المهر، أو الفرج . (۲) الثيب : التي سبق أن تزوجت (غير العذراء) .

#682,257 حرف

حجر لا يتناقضان، ويشكل ذلك في المحمول المشترك، كقولنا : المكره (1) مولى عليها : أي يقوم بتزويجها ولي مجبر . البضع : الزواج، أو العقد، أو المهر، أو الفرج . (۲) الثيب : التي سبق أن تزوجت (غير العذراء) . الفن الثالث : في تركيب المعاني المفردة، أو القضايا على القتل مختار والمكره على القتل ليس بمختار ولكنه مضطر، ولا يتناقضان فإن المختار يطلق على معنيين مختلفين فهو مشترك، فقد يراد به القادر على الترك وقد يراد به الذي يقدم على الشيء لشهوته وانبعاث داعية من ذاته. ومهما كان اللفظ مشتركا كان الموضوع أو المحمول أكثر من واحد في الحقيقة، وفي الظاهر يظن أنه واحد والعبرة للحقيقة لا لظاهر اللفظ . الرابع : ألا يكون المحمول في جزأين مختلفين من الموضوع كقولنا: النوبي أبيض، النوبي ليس بأبيض أي هو أبيض الأسنان وليس بأبيض البشرة. وفي الفقه نقول: «السارق مقطوع السارق ليس بمقطوع أي مقطوع اليد ليس بمقطوع الرجل والأنف . الخامس : ألا يختلف ما إليه الإضافة في المضافات، كقولنا: الأربعة نصف الأربعة ليست نصفا أي هي نصف الثمانية وليست نصف العشرة، فلا تناقض . وكذلك قولنا : زيد أب زيد ليس بأب، أي أب لعمرو، وليس بأب لخالد. وفي الفقه نقول : المرأة مولى عليها المرأة ليس مولى عليها أي مولى في البضع لا في المال، وقد يضاف إلى البضع كلاهما ولا تناقض من جهة اشتراك لفظ المحمول، فإن أبا حنيفة (١) يقول : مولى عليها إذ يتولى الولي نكاحها شرعا استحبابا أو إيجابا، وليس مولى عليها أي تستقل بنفسها ولا تجبر على العقد. وهذه المعاني يجب مراعاتها لا للنقيض فقط، ولكن لجميع أنواع القياس أيضا. وعلى ذلك فقول بعض فقهاء الشافعية : المرأة مولى عليها فلا تلي أمر نفسها، نتيجة غير لازمة فإن أبا حنيفة يقول : قولكم إنها مولى عليها إن أردتم به أنها لا تلي أمر نفسها أو الولي يجبرها، فهذا عين المطلوب في محل النزاع، فجعله مقدمة في القياس مصادرة وإن أريد به أن الولي يتولى عقدها استحبابا أو إيجابا، فلا يلزم من هذا ألا ينعقد عقدها إذا تعاطته على خلاف الاستحباب . السادس : ألا يكون نسبة المحمول إلى الموضوع على جهتين مختلفتين، كقولنا: الماء في الكوز مرو مطهر وليس بمرو ولا مطهر، ونريد أنه مرو بالقوة وليس بمرو بالفعل، ولاختلاف جهة الحمل لم يتناقض الحكمان. ومن ذلك قوله تعالى : ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . وهو نفي للرمي وإثبات له، ولكن (۱) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي : إمام الحنفية الفقيه، المجتهد، المحقق، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة . ولد ونشأ بالكوفة، وتوفي في السجن ببغداد سنة ١٥٠ه / ٧٦٧م. (تاریخ بغداد : ۳۲۳/۱۳؛ البداية والنهاية : ١١٠/١٠). (۲) سورة الأنفال، الآية: ١٧.

#692,219 حرف

ية الفقيه، المجتهد، المحقق، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة . ولد ونشأ بالكوفة، وتوفي في السجن ببغداد سنة ١٥٠ه / ٧٦٧م. (تاریخ بغداد : ۳۲۳/۱۳؛ البداية والنهاية : ١١٠/١٠). (۲) سورة الأنفال، الآية: ١٧. ليست جهة النفي جهة الإثبات فلم يتناقضا، وهذا أيضا مما يغلط كثيرا في الفقهيات . السابع : ألا يكون في زمانين مختلفين كقولنا : الصبي له أسنان، ونعني به بعد الفطام والصبي لا أسنان له ونعني به في أول الأمر . ونقول في الفقه : الخمر كانت حراما، ونعني به في الأعصار السابقة، وكانت حلالا، ونعني به قبل نزول التحريم. وبالجملة ينبغي ألا تخالف إحدى القضيتين الأخرى إلا في الكيف فقط، فتسلب إحداهما ما أوجبته الأخرى على الوجه الذي أوجبته. وعن الموضوع الذي وضعته بعينه على ذلك النحو وفي ذلك الوقت وبتلك الجهة فإذ ذاك يقتسمان الصدق والكذب، فإن تخلف شرط جاز أن يشتركا في الصدق أو في الكذب . الثامن : وهذا في القضية التي موضوعها كلي على الخصوص، فإنه يزيد في التي موضوعها كلي أن تختلف القضيتان بالجزئية والكلية مع الاختلاف في السلب والإيجاب، حتى يلزم التناقض لا محالة، وإلا أمكن أن تصدقا جميعا كالجزئيتين في مادة الإمكان مثل قولنا : بعض الناس كاتب بعض الناس ليس بكاتب، وربما كذبتا جميعا كالكليتين في مادة الإمكان كقولنا : كل إنسان كاتب وليس واحد من الناس كاتبا ؛ فالتناقض إنما يتم في المحصورات بعد الشروط التي ذكرناها إن كانت إحدى القضيتين كلية والأخرى جزئية، ليكون تناقضها ضروريا، ولنمتحن المواد كلها ولنضع الموجبة أولا كلية فنقول : كل إنسان حيوان، ليس بعض الناس بحيوان؛ كل إنسان كاتب ليس بعض الناس بكاتب ؛ كل إنسان حجر، ليس بعض الناس بحجر ؛ فنجد لا محالة إحدى القضيتين صادقة والأخرى كاذبة. ولنمتحن السالبة الكلية فنقول : ليس واحد من الناس حيوانا، بعض الناس حيوان؛ ليس واحد من الناس بحجر ، بعض الناس حجر ؛ ليس واحد من الناس بكاتب، بعض الناس كاتب؛ فبالضرورة تقتسمان الصدق والكذب في جميع المواد. فإن قيل: فالكليتان في مادة الوجوب والامتناع أيضا تقتسمان الصدق والكذب قلنا : نعم ولكن لا يعرف ذلك إلا بعد معرفة نسبة المحمول إلى الموضوع أنه ضروري أم لا . وإذا راعيت الشرط الذي ذكرناه علمت التناقض قطعا، وإن لم تعرف تلك النسبة فإنه كيفما كان الأمر يلزم التناقض . القسمة السادسة للقضية باعتبار عكسها : اعلم أنا نعني بالعكس أن يجعل المحمول من القضية موضوعا والموضوع محمولا مع حفظ الكيفية وبقاء الصدق بحاله، فإن لم يبق الصدق سمي انقلابا لا انعكاسا والقضايا في عنصرها أربعة : الأولى : السالبة الكلية وتنعكس مثل نفسها بالضرورة فإنك تقول : لا إنسان

#702,119 حرف

لقضية موضوعا والموضوع محمولا مع حفظ الكيفية وبقاء الصدق بحاله، فإن لم يبق الصدق سمي انقلابا لا انعكاسا والقضايا في عنصرها أربعة : الأولى : السالبة الكلية وتنعكس مثل نفسها بالضرورة فإنك تقول : لا إنسان واحد طائر ويلزم أنه لا طائر واحد إنسان، ونقول : لا طاعة واحدة معصية فيلزم أنه لا معصية واحدة طاعة، ولزوم هذا ظاهر ولكن تحريره أنه إن لم يلزم أنه لا طائر واحد إنسان، فإنما لا يلزم لأنه يمكن أن يكون بعض الطائر إنسانا، فإن أمكن ذلك بطل قولنا : لا إنسان واحد طائر لأن ذلك الطائر يكون إنسانا، فيكون ذلك الإنسان طائرا، فيرتفع الصدق من قولنا : لا إنسان واحد طائر، وقد وضعتها صادقة . والثانية : الموجبة الكلية وتنعكس موجبة جزئية، فقولنا : كل إنسان حيوان ينعكس إلى أن بعض الحيوان إنسان، ولا ينعكس كليا لأن المحمول وهو الحيوان يمكن أن يكون أعم من الموضوع، فيفضل طرف منه عن الموضوع الذي هو الإنسان في مثالنا، فلا يمكن أن يقال : كل حيوان إنسان إذ من الحيوانات غير الإنسان كالفرس ونحوه من سائر الأنواع الأخرى . والثالثة: السالبة الجزئية، وهي لا تنعكس أصلا، فإنا نقول : حيوان ما ليس بإنسان فهو صادق وعكسه إنسان ما ليس بحيوان غير صادق، ولا قولنا : كل إنسان ليس بحيوان يصح أن يكون عكسا لهذه، فلا تنعكس لا إلى كلية ولا إلى جزئية . والرابعة : الموجبة الجزئية وتنعكس مثل نفسها، أعني موجبة جزئية فقولنا : بعض الناس كاتب يلزم منه أن بعض الكاتب إنسان فإن قلت: إنه يلزم منه أن كل كاتب إنسان؛ فاعلم أن ذلك ليس يلزم من الإيجاب الجزئي من حيث إنه إيجاب جزئي، بل من حيث عرفت من خارج أنه لا كاتب سوى الإنسان، وإلا فمن الموجبة الجزئية ما لا يصدق انعكاسه كليا إذ تقول بعض الإنسان أبيض ولا يمكنك أن تقول كل أبيض إنسان، بل اللازم بعض الأبيض إنسان. ولأجل كون الأمثلة مغلطة في ذلك عدل المنطقيون من الأمثلة المكشوفة إلى المبهمات وأعلموها بالحروف المعجمة (١) ، وجعلوا المحمول معرفا بالباء والموضوع بالألف، وقالوا: كل (اب) أي هما شيئان مبهمان مختلفان سميناهما بهذين الاسمين، فيلزم منه بعض (ب ا) فقولنا : لا شيء من (اب) يلزم منه بعض (ب) (1) وإيضاح ذلك بين فلسنا نطنب، وإنما افتقرنا إلى معرفة العكس، فإن بعض المقاييس يظهر وجه إنتاجها بالعكس، وربما ينتج القياس شيئا ومطلوبنا عكسه، فيستبين بهذا أنه مهما أنتج القياس لنا سالبة كلية فقد أنتج أيضا عكسها، وكذا في سائر الأقسام، والله أعلم بالصواب . (1) يقال : عجم الحرف، والكتاب عجما : إزال إبهامه بالنقط والشكل .

#711,146 حرف

يئا ومطلوبنا عكسه، فيستبين بهذا أنه مهما أنتج القياس لنا سالبة كلية فقد أنتج أيضا عكسها، وكذا في سائر الأقسام، والله أعلم بالصواب . (1) يقال : عجم الحرف، والكتاب عجما : إزال إبهامه بالنقط والشكل . كتاب القياس اعلم أنا إذا فرغنا من مقدمات القياس وهو بيان المعاني المفردة ووجوه دلالة الألفاظ عليها، وكيفية تأليف المعاني بالتركيب الخبري المشتمل على الموضوع والمحمول المسمى قضية وأحكامها وأقسامها، فجدير بنا أن نخوض في بيان القياس فإنه التركيب الثاني، لأنه نظر في تركيب القضايا ليصير قياسا كما كان الأول نظرا في تركيب المعاني ليصير قضية. وهذا هو التركيب الواجب في المركبات. فباني البيت ينبغي له أن يسعى أولا للجمع بين المفردات، أعني الماء والتراب والتبن، فيجمعها على شكل مخصوص ليصير لبنا، ثم يجمع اللبنات فيركبها تركيبا ثانيا ؛ كذلك ينبغي أن يكون صنيع الناظر في كل مركب، وكما أن اللبن لا يصير لبنا إلا بمادة وصورة المادة التراب وما فيه، والصورة هو التربيع الحاصل بحصره في قالبه، كذلك القياس المركب له مادة وصورة، المادة هي المقدمات اليقينية الصادقة، فلا بد من طلبها ومعرفة مداركها، والصورة هي تأليف المقدمات على نوع من الترتيب مخصوص ولا بد من معرفته؛ فانقسم النظر فيه إلى أربعة فنون : المادة والصورة والمغلطات في القياس، وفصول متفرقة هي من اللواحق .

#721,648 حرف

فلا بد من طلبها ومعرفة مداركها، والصورة هي تأليف المقدمات على نوع من الترتيب مخصوص ولا بد من معرفته؛ فانقسم النظر فيه إلى أربعة فنون : المادة والصورة والمغلطات في القياس، وفصول متفرقة هي من اللواحق . النظر الأول في صورة القياس والقياس أحد أنواع الحجج، والحجة هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته من العلوم التصديقية، وهي ثلاثة أقسام : قياس واستقراء وتمثيل . والقياس أربعة أنواع : حملي وشرطي متصل وشرطي منفصل وقياس خلف، ولنسم الجميع أصناف الحجة . وحد القياس (١) : أنه قول مؤلف إذا سلم ما أورد فيه من القضايا لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارا وإذا أوردت القضايا في الحجة سميت عند ذلك مقدمات . وتسمى قضايا قبل الوضع، كما أن القول اللازم عنه يسمى قبل اللزوم مطلوبا وبعد اللزوم نتيجة. وليس من شرط في أن يسمى قياسا أن يكون مسلم القضايا بل من شرطه أن يكون بحيث إذا سلمت قضاياه لزم منها النتيجة، وربما تكون القضايا غير واجبة التسليم ونحن نسميه قياسا لكونه بحيث لو سلم للزمت النتيجة . فلنبدأ بالحملي من أنواع القياس والحجج . الصنف الأول : القياس الحملي القسمة الأولى له باعتبار أجزائه : قد يسمى قياسا اقترانيا، وقد يسمى جزميا . وهو مركب من مقدمتين مثل قولنا : كل جسم مؤلف، وكل مؤلف محدث فيلزم منه أن كل جسم محدث؛ فهذا القياس مركب من مقدمتين، وكل مقدمة تشتمل على موضوع ومحمول، فيكون مجموع الآحاد التي تنحل إليه هذه المقدمات أربعة، إلا أن واحدا منها يتكرر فالمجموع إذن ثلاثة وهو أقل ما ينحل إليه قياس، إذ أقل ما يلتئم منه القياس مقدمتان، وأقل ما ينتظم منه المقدمة معنيان: أحدهما موضوع والآخر محمول. ولا بد أن يكون واحد مكررا مشتركا في المقدمتين، فإنه (۱) عرف ابن سينا القياس بقوله : هو قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لزم عنها بذاتها قول آخر غيرها اضطرارا». وإذا كان بينا لزومه يسمى قياسا كاملا، وإذا احتاج إلى بيان فهو غير كامل . الملل والنحل : ١٩٦/٢).

#732,079 حرف

نه (۱) عرف ابن سينا القياس بقوله : هو قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لزم عنها بذاتها قول آخر غيرها اضطرارا». وإذا كان بينا لزومه يسمى قياسا كاملا، وإذا احتاج إلى بيان فهو غير كامل . الملل والنحل : ١٩٦/٢). إن لم يكن كذلك تباينت المقدمتان ولم يتداخلا ولم تلزم من ازدواجهما النتيجة . فإذا قلت : كل جسم مؤلف ولم تتكلم في المقدمة الثانية عن الجسم ولا عن المؤلف، بل قلت مثلا : كل إنسان حيوان لم تلزم نتيجة من المقدمتين. فإذا عرفت انقسام كل قياس إلى ثلاثة أمور مفردة فاعلم أن هذه المفردات تسمى حدودا، ولكل واحد من الحدود الثلاثة اسم مفرد ليتميز عن غيره. أما الحد المشترك فيسمى الحد الأوسط، وأما الآخران فيسمى أحدهما الحد الأكبر والآخر الأصغر . والأصغر هو الذي يكون موضوعا في النتيجة، والأكبر هو الذي يكون محمولا فيها. وإنما سمي أكبر لأنه يمكن أن يكون أعم من الموضوع وإن أمكن أن يكون مساويا . وأما الموضوع فلا يتصور أن يكون أعم من المحمول، وإذا وضع كذلك كان الحكم كاذبا كقولك : كل حيوان إنسان، فإنه كاذب وعكسه صادق . ثم لما مست الحاجة إلى تعريف المقدمتين باسمين ولم يمكن أن يشتق اسمهما من الحد الأوسط لأنه مشترك فيهما اشتق اسمهما من الحدين الآخرين فسمي الذي فيه الحد الأكبر، وهو محمول النتيجة مقدمة كبرى، والذي فيه موضوعها، وهو الحد الأصغر، مقدمة صغرى؛ فالقياس الذي أوردناه مثالا فيه ثلاثة حدود : الجسم والمؤلف والمحدث. والمؤلف هو الحد الأوسط، والجسم هو الأصغر، والمحدث هو الحد الأكبر. وقولنا : كل جسم مؤلف هي المقدمة الصغرى، وقولنا : كل مؤلف محدث هي المقدمة الكبرى، واللازم عنه هو التقاء الحدين الواقعين على الطرفين وهو المطلوب أولا والنتيجة آخرا، وهو قولنا: فكل جسم محدث ؛ ومثاله من الفقه : كل مسكر خمر وكل خمر حرام، فكل مسكر حرام، فالمسكر والخمر والحرام حدود القياس والخمر هو الحد الأوسط، والمسكر هو الحد الأصغر، والحرام هو الحد الأكبر، وقولنا : كل مسكر خمر هي المقدمة الصغرى، وقولنا : كل خمر حرام هي المقدمة الكبرى، فهذه قسمة للقياس باعتبار أجزائه المفردة . القسمة الثانية لهذا القياس (الحملي) باعتبار كيفية وضع الحد الأوسط عند الطرفين الآخرين : وهذه الكيفية تسمى شكلا ، والحد الأوسط إما أن يكون محمولا في إحدى المقدمتين موض موضوعا في الأخرى كما أوردناه من المثال، فيسمى شكلا أولا، وإما أن يكون محمولا في المقدمتين جميعا ويسمى الشكل الثاني، وإما أن يكون موضوعا فيهما ويسمى الشكل الثالث.

#741,959 حرف

ا أن يكون محمولا في إحدى المقدمتين موض موضوعا في الأخرى كما أوردناه من المثال، فيسمى شكلا أولا، وإما أن يكون محمولا في المقدمتين جميعا ويسمى الشكل الثاني، وإما أن يكون موضوعا فيهما ويسمى الشكل الثالث. الشكل الأول مثاله ما أوردناه، وحصول النتيجة منه بين، وحاصله يرجع إلى أن الحكم على المحمول حكم على الموضوع بالضرورة، فمهما حكم على الجسم بالمؤلف فكل حكم يثبت للمؤلف فقد ثبت لا محالة للجسم، فإن الجسم داخل في المؤلف، وإذا ثبت الحكم بالحدوث على المؤلف فقد ثبت بالضرورة على الجسم. وإنما احتيج إلى هذا من حيث إن الحكم بالحدوث على الجسم قد لا يكون بينا بنفسه، ولكن يكون الحكم به على المؤلف بينا بنفسه والحكم بالمؤلف على الجسم أيضا بينا، فيتعدى الحكم الذي ليس بينا للجسم إليه بواسطة المؤلف الذي هو بين له، فيكون الوسط سبب التقاء الطرفين وهو تعدي الحكم إلى المحكوم عليه. ومهما عرفت أن الحكم على المحمول حكم على الموضوع، فلا فرق بين أن يكون الموضوع جزئيا أو كليا ، ولا أن يكون المحمول سالبا أو موجبا، فإنك لو أبدلت قولك : كل جسم مؤلف بقولك : بعض الموجود مؤلف لزم من قياسك أن بعض الموجود محدث. ولو أبدلت قولك : كل مؤلف محدث بقولك : كل مؤلف محدث ليس بأزلي، تعدى نفي الأزلية أيضا إلى موضوع المؤلف، كما تعدى إثبات الحدوث من غير فرق ؛ فيكون المنتج من هذا الشكل بحسب هذا الاعتبار أربع تركيبات : الأول: موجبتان كليتان كما سبق . الثاني : موجبتان والصغرى جزئية، كما إذا أبدلت قولك : كل جسم مؤلف بقولك : بعض الموجودات مؤلف . الثالث: موجبة كلية صغرى، وسالبة كلية كبرى، وهو أن تبدل قولك : محدث بقولك : ليس بأزلي . الرابع : موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى، وهو أن تبدل الصغرى بالجزئية والكبرى بالسالبة، فتقول مثلا : موجود ما مؤلف ولا مؤلف واحد أزلي .. فأما ما عدا هذه التركيبات فلا تنتج أصلا لأنك إن فرضت سالبتين فقط لا ينتظم منهما قياس، لأن الحد الأوسط إذا سلبته عن شيء فالحكم عليه بالنفي، أو بالإثبات لا يتعدى إلى المسلوب عنه، لأن السلب أوجب المباينة والثابت على المسلوب لا يتعدى إلى المسلوب عنه، فإنك إن قلت : لا إنسان واحد حجر ولا حجر واحد طائر فلا إنسان واحد طائر، فيرى هذه النتيجة صادقة، وليس صدقها لازما عن هذا القياس فإنك لو قلت : لا إنسان واحد بياض ولا بياض واحد حيوان

#752,091 حرف

تعدى إلى المسلوب عنه، فإنك إن قلت : لا إنسان واحد حجر ولا حجر واحد طائر فلا إنسان واحد طائر، فيرى هذه النتيجة صادقة، وليس صدقها لازما عن هذا القياس فإنك لو قلت : لا إنسان واحد بياض ولا بياض واحد حيوان فلا إنسان واحد حيوان لم تكن النتيجة صادقة. والشكل هو ذلك الشكل بعينه، ولكن إذا سلبت الاتصال بين البياض والإنسان - لا أن بين الأبيض والإنسان مباينة فالحكم على البياض لا يتعدى إلى الإنسان بحال، فإذن لا بد أن يكون في كل قياس موجبة أو ما في حكمها وإن كانت الصيغة صيغة السلب مثلا. ولكن في هذا الشكل على الخصوص يشترط أن تكون الصغرى موجبة ليثبت الحد الأوسط للأصغر، فيكون الحكم على الأوسط حكما على الأصغر، ويجب أن تكون الكبرى كلية حتى ينطوي تحت الأكبر الحد الأصغر لعمومه جميع ما يدخل في الأوسط، فإنك إذا قلت : كل إنسان حيوان وبعض الحيوان فرس، فلا يلزم أن يكون كل إنسان فرس، بل إن حكمت على الحيوان بحكم كلي ككونه جسما فقلت : وكل حیوان جسم، تعدى ذلك إلى الأصغر وهو الإنسان. ولما كانت الأمثلة المفصلة ربما غلطت الناظر عدل المنطقيون إلى وضع المعاني المختلفة المبهمة، وعبروا عنها بالحروف المعجمة ووضعوا بدل الجسم والمؤلف والمحدث في المثال الذي أوردناه الألف والباء والجيم، وهي أوائل حروف أبجد، ووضعوا الجيم الذي هو الثالث حدا أصغر محكوما عليه، والباء حدا أوسط يحكم به على الجيم، والألف حدا أكبر يحكم به على الباء ليتعدى إلى الجيم فقالوا : كل ج ب وكل (ب ا) فكل ألف، وكذا سائر الضروب وأنت إذا أحطت بالمعاني التي حصلناها لم تعجز جيم عن ضرب المثال من الفقهيات والعقليات المفصلة أو المبهمة . الشكل الثاني وهو ما كان الحد الأوسط فيه محمولا على الطرفين، لكن إنما ينتج إذا كان محمولا على أحدهما بالسلب وعلى الآخر بالإيجاب فيشترط اختلاف المقدمتين في الكيفية أعني في السلب والإيجاب، ثم لا تكون النتيجة إلا سالبة، وإذا تحقق ذلك فوجه إنتاجه أنك إذا وجدت شيئين ثم وجدت شيئا ثالثا محمولا على أحد الشيئين بالإيجاب وعلى الآخر بالسلب فيعلم التباين بين الشيئين بالضرورة، فإنهما لو لم يتباينا لكان يكون أحدهما محمولا على الآخر، ولكان الحكم على المحمول حكما على الموضوع، كما سبق في الشكل الأول، وكان لا يوجد شيء يسلب عن كلية أحدهما ثم يوجب لكلية الآخر، فإذن كل شيئين هذه صفتهما فهما متباينان أي يسلب هذا عن ذاك وذاك عن هذا ؛ وتنتظم في هذا الشكل أيضا أربع ترکیبات : الأول : أن تقول : كل جسم مؤلف كما سبق في الأول، ولكن تعكس

#762,213 حرف

ية أحدهما ثم يوجب لكلية الآخر، فإذن كل شيئين هذه صفتهما فهما متباينان أي يسلب هذا عن ذاك وذاك عن هذا ؛ وتنتظم في هذا الشكل أيضا أربع ترکیبات : الأول : أن تقول : كل جسم مؤلف كما سبق في الأول، ولكن تعكس ٦٥ النظر الأول : في صورة القياس المقدمة الثانية السالبة من ذلك الشكل، فتقول : ولا أزلي واحد مؤلف بدل قولك : ولا مؤلف واحد أزلي، فيلزم ما لزم منه لأنا قد قدمنا أن السالبة الكلية تنعكس كنفسها، فلا فرق بين قولك : لا مؤلف واحد أزلي، وهو المذكور في الشكل الأول، وبين قولك : ولا أزلي واحد مؤلف، فينتج هذا أنه لا جسم واحد أزلي، ومحصلة المباينة بين الجسم والأزلي ، إذ وجد المؤلف محمولا على أحدهما مسلوبا على الآخر، فدل ذلك على التباين بالطريق الذي ذكرناه مجملا. وتفصيله أن تنعكس المقدمة الكبرى فيرجع إلى الشكل الأول، وإنما سميت هذه مقاييس الشكل الثاني لأنه يحتاج في بيانها إلى الرد للشكل الأول. الضرب الثاني : هذا هو بعينه ولكن المقدمة الصغرى جزئية، وهو قولك: موجود ما مؤلف ولا أزلي واحد مؤلف، فإذن موجود ما ليس بأزلي وبيانه بعكس المقدمة الكبرى كما سبق . الضرب الثالث : أن تكون الصغرى سالبة إما جزئية وإما كلية وتكون الكبرى موجبة، ولا يمكن تفهيم ذلك بما ضربناه مثلا للشكل الأول إذ لم تكن فيه مقدمة صغرى إلا موجبة، إذ كان هذا شرطا في ذلك الشكل فنغير المثال ونقول : مثال الضرب الثالث قولك : لا جسم واحد منفك عن الأعراض وكل أزلي منفك عن الأعراض، فإذن لا جسم واحد أزلي . فالقياس مؤلف من كليتين صغراهما سالبة وكبراهما موجبة، والنتيجة سالبة كلية والحد الأوسط هو المنفك عن الأعراض، فإنه محمول على الجسم بالسلب وعلى الأزلي بالإيجاب، فأوجب التباين، وبيانه بعكس الصغرى فإنها سالبة كلية تنعكس مثل نفسها، وإذا عكست صار المحمول موضوعا وعاد إلى الشكل الأول الذي الحد المشترك فيه موضوع لإحدى المقدمتين محمول للأخرى . الضرب الرابع : هو الثالث بعينه لكن الصغرى سالبة جزئية كقولك: موجود ما ليس بجسم، وكل متحرك جسم، فبعض الموجودات ليس بمتحرك. ولما كانت السالبة جزئية وهي لا تنعكس لم يمكن أن يرد هذا الضرب إلى الأول بطريق العكس، لكن يرد بطريق الافتراض، وهو أن تحول هذا الجزئي كليا فإذا كان موجود ما ليس بجسم فقد حصل أن بعض الموجودات ليس بجسم، فلنفرضه سوادا مثلا فنقول : كل سواد ليس بجسم فيصير كالضرب الثالث من هذا الشكل، وكان قد رجع الثالث إلى الشكل الأول بالعكس، فكذا هذا، فالمنتج إذن من هذا الشكل هذه التركيبات الأربع وما عداها فلا ، إذ لا ينتج سالبتان أصلا ولا موجبتان في هذا الشكل ينتجان لأن كل شيئين وجد شيء واحد محمولا عليهما لم يوجب

#771,988 حرف

إلى الشكل الأول بالعكس، فكذا هذا، فالمنتج إذن من هذا الشكل هذه التركيبات الأربع وما عداها فلا ، إذ لا ينتج سالبتان أصلا ولا موجبتان في هذا الشكل ينتجان لأن كل شيئين وجد شيء واحد محمولا عليهما لم يوجب ٦٦ معيار العلم في فن المنطق ٦٦ ذلك بينهما، لا اتصالا ولا تباينا، إذ الحيوان يوجد محمولا على الفرس والإنسان، ولا يوجب كون الإنسان فرسا وهو الاتصال. ويوجد محمولا على الكاتب والإنسان ولا يوجب بينهما تباينا حتى لا يكون الإنسان كاتبا والكاتب إنسانا، فإذن لهذا الشكل شرطان: أحدهما أن يختلفا، أعني المقدمتين في الكيفية، والآخر أن تكون الكبرى كلية كما في الشكل الأول . الشكل الثالث هو أن يكون الحد المشترك موضوعا في المقدمتين، وهذا يوجب نتيجة جزئية، فإنك مهما وجدت شيئا واحدا ثم وجدت شيئين كليهما يحملان على ذلك الشيء الواحد، فبين المحمولين اتصال والتقاء لا محالة على ذلك الواحد، فيمكن لا محالة أن يحمل كل واحد منهما على بعض الآخر بكل حال إن لم يمكن حمله على كله، فلذلك كانت النتيجة جزئية، فإنك مهما وجدت إنسانا ما وهو شيء واحد يحمل عليه الجسم والكاتب دل ذلك على أن بين الجسم والكاتب اتصال، حتى يمكن أن يقال لبعض الأجسام كاتب ولبعض الكاتب جسم. وإن كان الكل كذلك ولكن الجزئية لازمة بكل حال وهذا طريق كاف في التفهيم، ولكن نتبع العادة في التفصيل ببيان الأضرب والتعريف بوجه لزوم النتيجة بالرد إلى الشكل الأول، وينتظم في هذا الشكل ستة أضرب منتجة : الضرب الأول : من موجبتين كليتين كقولك : كل متحرك جسم وكل متحرك محدث، فبعض الجسم بالضرورة محدث، وبيانه بعكس الصغرى فإنها تنعكس جزئية ويصير قولنا : كل متحرك جسم إلى قولنا : بعض الجسم متحرك، وينضاف إليه قولنا : كل متحرك محدث فيلزم بعض الجسم محدث لرجوعه إلى الشكل الأول، فإنه مهما عكست مقدمة واحدة صار الموضوع محمولا، وقد كان موضوعا للمقدمة الثانية، فيصير الحد الأوسط محمولا لإحداهما موضوعا للأخرى . الضرب الثاني : من كليتين كبراهما سالبة كقولك : كل أزلي فاعل ولا أزلي واحد جسم، فيلزم منه ليس كل فاعل جسما لأنه يرجع إلى الأول بعكس الصغرى، وتلزم منه هذه النتيجة بعينها فتقول : فاعل ما أزلي ولا أزلي واحد جسم فليس كل فاعل جسما . الضرب الثالث: موجبتان صغراهما جزئية ينتج موجبة جزئية، كقولك: جسم ما فاعل وكل جسم مؤلف فيلزم فاعل ما ،مؤلف، وبيانه بعكس الصغرى وضم

#782,191 حرف

تيجة بعينها فتقول : فاعل ما أزلي ولا أزلي واحد جسم فليس كل فاعل جسما . الضرب الثالث: موجبتان صغراهما جزئية ينتج موجبة جزئية، كقولك: جسم ما فاعل وكل جسم مؤلف فيلزم فاعل ما ،مؤلف، وبيانه بعكس الصغرى وضم ٦٧ النظر الأول : في صورة القياس ٦٧ العكس إلى الكبرى، فيرتد إلى الشكل الأول وتلزم النتيجة، إذ تقول فاعل ما جسم وكل جسم مؤلف فيلزم فاعل ما مؤلف . الضرب الرابع: موجبتان والكبرى جزئية ينتج موجبة جزئية، مثاله : كل جسم محدث وجسم ما متحرك، فيلزم محدث ما متحرك وذلك بعكس الكبرى وجعلها صغرى، فيرجع إلى الأول ثم عكس النتيجة ليخرج لنا عين نتيجتنا، فتقول: متحرك ما جسم وكل جسم محدث، فيلزم أن متحركا ما محدث وتنعكس إلى عين النتيجة الأولى وهي محدث ما متحرك، فهذا قد تبين لك أنه إنما يحقق بعكسين أحدهما عكس المقدمة والآخر عكس النتيجة . الضرب الخامس : يتألف من مقدمتين مختلفتين في الكمية والكيفية جميعا صغراهما موجبة جزئية وكبراهما سالبة كلية ينتج جزئية سالبة، ومثاله قولك: جسم ما فاعل ولا جسم واحد أزلي، فيلزم ليس كل فاعل أزليا لأن الصغرى تنعكس إلى قولك : فاعل ما جسم ، فتضم إلى الكبرى القائلة ولا جسم واحد أزلي فتلزم هذه النتيجة بعينها من الشكل الأول البين بنفسه . الضرب السادس : من مقدمتين مختلفين أيضا في الكمية والكيفية، صغراهما كلية موجبة وكبراهما سالبة جزئية، مثاله : كل جسم محدث وجسم ما ليس بمتحرك، فيلزم محدث ما ليس بمتحرك ولا يمكن بيانه بالعكس؛ لأن الجزئية السالبة لا تنعكس والكلية الموجبة إذا انعكست صارت جزئية، ولا قياس من جزئيتين، فبيانه ليرجع إلى الشكل الأول بتحويل الجزئية إلى كلية بالافتراض، بأن نفرض ذلك البعض الذي ليس بمتحرك أعني بعض الجسم جبلا، ونقول : لا جبل واحد متحرك، وينضاف إليه كل جبل جسم وهو صدق الوصف العنواني على ذات الموضوع، فتأخذ هذه صغرى وتضيف إليها صغيرى هذا الضرب، هكذا : كل جبل جسم وكل جسم محدث، فيلزم كل جبل محدث من أول الأول. ثم تضم هذه النتيجة إلى أولى قضيتي الافتراض، أعني قولك : لا جبل واحد متحرك لينتج من الضرب الثاني من هذا الشكل أن بعض المحدث ليس بمتحرك، وقد ذكرنا أنه يرجع إلى الشكل الأول بعكس الصغرى، فيكون هذا الضرب السادس إنما يرجع إلى الشكل الأول بمرتبتين، فهذه مقاييس هذا الشكل، وله شرطان: أحدهما أن تكون الصغرى موجبة أو في حكمها . الآخر أن تكون إحداهما كلية أيهما كانت، إذ لا ينتظم قياس من جزئيتين على الإطلاق. فإذن المنتج من التأليفات أربعة عشر تأليفا : أربعة من الشكل الأول، وأربعة من الثاني، وستة من الثالث، وذلك بعد إسقاط المهملات فإنها في قوة الجزئية،

#792,137 حرف

ة أيهما كانت، إذ لا ينتظم قياس من جزئيتين على الإطلاق. فإذن المنتج من التأليفات أربعة عشر تأليفا : أربعة من الشكل الأول، وأربعة من الثاني، وستة من الثالث، وذلك بعد إسقاط المهملات فإنها في قوة الجزئية، ٦٨ معيار العلم في فن المنطق ٦٨ وما عدا ذلك فليس بمنتج ولا فائدة لتفصيل ما لا إنتاج له، ومن أراد الإرتياض بتفصيله قدر عليه إذا تأمل فيه . فإن قيل : فكم عدد الاقترانات الممكنة في هذه الأشكال؟ قلنا: ثمانية وأربعون اقترانا، في كل شكل ستة عشر، وذلك لأن المقدمتين المقترنتين إما كليتان أو جزئيتان أو إحداهما كلية والأخرى جزئية، وعلى كل حال فهما إما موجبتان أو سالبتان أو واحدة موجبة والأخرى سالبة، فهذه ستة عشر اقترانا ناتجة من ضرب أربع في أربع، وهي جارية في الأشكال الثلاثة، فتكون الجملة أخيرا ثمانية وأربعون والمنتج أربعة عشر اقترانا فيبقى أربعة وثلاثون. فإن قيل : فما خواص الأشكال ؟ قلنا : أما الذي يعم كل شكل فهو أنه لا بد في اقترانها من موجبة وكلية، فلا قياس عن سالبتين ولا عن جزئيتين . وأما خاصية الشكل الأول فإما في وسطه وهو أن يكون محمولا في المقدمة الأولى موضوعا في الثانية، وإما في مقدماته وهو أن تكون الصغرى موجبة والكبرى كلية، وإما في نتائجه وهو أن ينتج المطالب الأربعة وهي : الإيجاب الكلي، والسلب الكلي، والإيجاب الجزئي، والسلب الجزئي . والخاصية الحقيقية التي لا يشاركه فيها شكل من الأشكال أنه لا يكون فيها (أي مقدماته) سالبة جزئية . وأما الشكل الثاني فخاصيته في وسطه أن يكون محمولا على الطرفين وفي مقدماته ألا يتشابها في الكيفية بل تكون أبدا إحداهما سالبة والأخرى موجبة، وأما في الإنتاج فهو أنه لا ينتج موجبة أصلا بل لا ينتج إلا السالب . وأما الشكل الثالث فخاصيته في الوسط أن يكون موضوعا للطرفين وفي المقدمات أن تكون الصغرى موجبة، وأخص خواصه أنه يجوز أن تكون الكبرى منه جزئية . وأما في الإنتاج فهي أن الجزئية هي اللازمة منه دون الكلية. فإن قيل: فلم سمي ذلك أولا وذاك ثانيا وهذا ثالثا؟ قلنا : سمي ذلك أولا لأنه بين الإنتاج وإنما يظهر الإنتاج فيما عداه بالرد إليه إما بالعكس أو بالافتراض، وإنما كان ذاك ثانيا وهذا ثالثا لأن الثاني ينتج الكلي، والثالث إنما ينتج الجزئي، والكلي أشرف من الجزئي، فكان واليا لما هو أشرف بإطلاق وإنما كان الكلي أشرف لأن المطالب العلمية المحصلة للنفس كمالا إنسانيا مورثا للنجاة والسعادة إنما هي الكليات والجزئيات إن أفادت علما فبالعرض . فإن قيل : فهل لكم في تمثيل المقاييس الأربعة عشر أمثلة فقهية، لتكون

#801,581 حرف

ان الكلي أشرف لأن المطالب العلمية المحصلة للنفس كمالا إنسانيا مورثا للنجاة والسعادة إنما هي الكليات والجزئيات إن أفادت علما فبالعرض . فإن قيل : فهل لكم في تمثيل المقاييس الأربعة عشر أمثلة فقهية، لتكون ٦٩ النظر الأول : في صورة القياس ٦٩ أقرب إلى فهم الفقهاء (۱)؟ قلنا : نعم نفعل ذلك ونكتب فوق كل مقدمة يحتاج لردها إلى الأول بعكس أو افتراض أنه بعكس أو بفرض، ونكتب على الطرف أنه إلى أي قياس يرجع إن شاء الله تعالى، وهذه هي الأمثلة : أمثلة الشكل الأول : ۱ كل مسكر خمر وكل خمر حرام - فكل مسكر حرام . ۲ كل مسكر خمر ولا خمر واحد حلال - فلا مسكر واحد حلال . ٣ - بعض الأشربة خمر وكل خمر حرام - فبعض الأشربة حرام . - بعض الأشربة خمر - ولا خمر واحد حلال - فليس كل شراب حلالا . ٤ أمثلة الشكل الثاني : ۱ - يرجع إلى الضرب الثاني من الأول : كل ثوب فهو مذروع (۲) - ولا ربوي واحد مذروع. بعكس هذه فلا ثوب واحد ربوي . ۲ - يرجع إلى الضرب الثاني من الأول أيضا : لا ربوي واحد مذروع، بعكس هذه وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة وكل ثوب فهو مذروع، فلا ربوي واحد ثوب . ۳ - يرجع إلى الضرب الرابع من الأول : متمول ما مذروع، ولا ربوي واحد مذروع، بعكس هذه، فمتمول ما ليس بربوي. ٤ - يرجع إلى الضرب الرابع من الأول أيضا : متمول ما ليس بربوي (بالافتراض) وكل مطعوم ربوي، فمتمول ما ليس بمطعوم . أمثلة الشكل الثالث : ۱ - يرجع إلى الضرب الثالث من الأول : كل مطعوم ربوي، بعكس هذه، وكل مطعوم مكيل فبعض الربوي مكيل . ۲ - يرجع إلى رابع الأول : كل ثوب متمول، بعكس هذه، ولا ثوب واحد ربوي، فليس كل متمول ربويا. ۳ - يرجع إلى ثالث الأول : مطعوم ما مكيل، بعكس هذه، وكل مطعوم ربوي، فمكيل ما ربوي . (۱) يحاول الغزالي هنا تطبيق المنطق الأرسطي على الفقه الإسلامي، ما دفع بالفقهاء وعلى رأسهم ابن تيمية إلى انتقاده بشدة . (۲) مذروع : مقدر .

#812,004 حرف

أول : مطعوم ما مكيل، بعكس هذه، وكل مطعوم ربوي، فمكيل ما ربوي . (۱) يحاول الغزالي هنا تطبيق المنطق الأرسطي على الفقه الإسلامي، ما دفع بالفقهاء وعلى رأسهم ابن تيمية إلى انتقاده بشدة . (۲) مذروع : مقدر . ۷۰ معيار العلم في فن المنطق ۷۰ ٤ - يرجع إلى ثالث الأول : كل مطعوم ربوي، ومطعوم ما مكيل، بعكس هذه وجعلها صغرى ثم عكس النتيجة، فربوي ما مكيل ... ٥ - يرجع إلى رابع الأول : مذروع ما متمول، بعكس هذه ولا مذروع واحد ربوي، فليس كل متمول ربويا. ٦ - يرجع إلى رابع الأول : كل منقول متمول ومنقول ما ليس بربوي (بالافتراض) فليس كل متمول ربويا. هذا ما أردنا شرحه من أمثلة القياسات الحملية وأقسامها؛ ولنخض في الصنف الثاني . الصنف الثاني : القياس الشرطي المتصل يتركب من مقدمتين : إحداهما مركبة من قضيتين قرن بهما صيغة شرط ، والأخرى حملية واحدة هي المذكورة في المقدمة الأولى بعينها أو نقيضها، ويقرن بها كلمة الاستثناء، مثاله : إن كان العالم حادثا فله صانع . لكنه حادث فإذن له صانع . فقولنا : إن كان العالم حادثا فله صانع، مركب من قضيتين حمليتين قرن بهما حرف الشرط وهو قولنا إن وقولنا : لكن العالم حادث، قضية واحدة حملية قرن بها حرف الاستثناء، وقولنا : فله صانع، نتيجة، وهذا مما يكثر نفعه في العقليات والفقهيات، فإنا نقول : إن كان هذا النكاح صحيحا فهو مفيد للحل، لكنه صحيح فإذن هو مفيد للحل، وإن كان الوتر يؤدى على الراحلة فهو نفل (۱) ، لكنه يؤدى على الراحلة فهو إذن نفل (۲) . والمقدمة الثانية لهذا القياس استثناء لإحدى قضيتي المقدمة الأولى إما المقدم أو التالي والاستثناء إما أن يكون لعين التالي أو لنقيضه أو لعين المقدم أو لنقيضه، والمنتج منه اثنان وهو عين المقدم ونقيض التالي. وأما عين التالي ونقيض المقدم فلا ينتجان، وبيانه أنا نقول : إن كان الشخص الذي ظهر عن بعد إنسانا فهو حيوان، لكنه إنسان فليس يخفى أنه يلزم كونه حيوانا، وهذا استثناء عين المقدم . ونقول : لكنه ليس بحيوان، وهذا استثناء نقيض التالي، فيلزم أنه ليس بإنسان ولزوم هذا أدق مدركا، وهو أن يعرف أنه إذا لم يكن حيوانا لم يكن إنسانا، إذ لو كان إنسانا لكان حيوانا، كما شرطناه في الأول، ويدرك ذلك بأدنى تأمل . فأما (۱) النفل : ما يؤديه المؤمن من صلاة أو صيام غير الفرض. (۲) قال الأئمة والعلماء : تجوز صلاة النافلة على الدابة بلا عذر ، واشترطوا جوازها بالسفر ..

#822,177 حرف

وانا، كما شرطناه في الأول، ويدرك ذلك بأدنى تأمل . فأما (۱) النفل : ما يؤديه المؤمن من صلاة أو صيام غير الفرض. (۲) قال الأئمة والعلماء : تجوز صلاة النافلة على الدابة بلا عذر ، واشترطوا جوازها بالسفر .. ۷۱ النظر الأول : في صورة القياس ۷۱ استثناء نقيض المقدم، وهو أنه ليس بإنسان، فلا ينتج لا نقيض التالي وهو أنه ليس بحيوان، إذ ربما يكون فرسا، ولا عين التالي وهو أنه حيوان فربما يكون حجرا. وكذلك نقول : إن كان هذا المصلي محدثا (۱) فصلاته باطلة، لكنه محدث فيلزم بطلان الصلاة، لكن الصلاة ليست باطلة وهو نقيض التالي، فيلزم أنه ليس بمحدث وهو نقيض المقدم، لكنه ليس بمحدث وهو نقيض المقدم فلا يلزم صحة الصلاة ولا بطلانها. لكن الصلاة باطلة، وهو عين التالي، فلا يلزم لا كونه محدثا ولا كونه متطهرا، وإنما ينتج استثناء عين التالي ونقيض المقدم، إذا ثبت أن التالي مساو للمقدم لا أعم منه ولا أخص، كقولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن الشمس غير طالعة فالنهار ليس بموجود، لكن النهار موجود فالشمس طالعة، لكن النهار غير موجود فالشمس غير · طالعة . واعلم أنه يتطرق إلى مقدمات هذا القياس أيضا السلب والإيجاب، فإنك تقول : إن كان الإله ليس بواحد فالعالم ليس بمنتظم، لكن العالم منتظم فالإله واحد. وقد يكون المقدم أقاويل كثيرة والتالي يلزم الجملة كقولك: إن كان العلم الواحد لا ينقسم وكان كل ما لا ينقسم لا يقوم بمحل منقسم، وكان كل جسم منقسما وكان العلم حالا في النفس، فالنفس إذن ليست بجسم، لكن المقدمات ثابتة ذاتية فالتالي وهو أن النفس ليست بجسم لازم، وكذلك قد يكون المقدم واحدا والتالي قضايا كثيرة إن صح إسلام الصبي فهو إما فرض وإما مباح وإما نفل، ولا يمكن شيء من هذه الأقسام فلا يمكن الصحة. وفي العقليات نقول إن كانت النفس قبل البدن موجودة فهي إما كثيرة وإما واحدة، ولا يمكن لا هذا ولا ذاك فلا يمكن أن تكون قبل البدن موجودة؛ فهذه ضروب الشرطيات المتصلة، والله أعلم . الصنف الثالث : القياس الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الفقهاء والمتكلمون السبر والتقسيم(٢)، ومثاله قولنا : العالم إما قديم وإما محدث، لكنه محدث فهو إذن ليس بقديم. وقولنا: إما قديم وإما محدث مقدمة واحدة، وقولنا : لكنه محدث مقدمة أخرى هي استثناء إحدى قضيتي المقدمة الأولى بعينها، فأنتج نقيض الآخر وينتج فيه أربعة استثناءات، فإنك تقول (1) المحدث : الذي خرج منه ريح أو بول أو غائط . (۲) السبر والتقسيم (في اصطلاح الفقهاء وغيرهم) : حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه، وإلغاء بعضها، ليتعين الباقي للعلية .

#832,361 حرف

نتج فيه أربعة استثناءات، فإنك تقول (1) المحدث : الذي خرج منه ريح أو بول أو غائط . (۲) السبر والتقسيم (في اصطلاح الفقهاء وغيرهم) : حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه، وإلغاء بعضها، ليتعين الباقي للعلية . ۷۲ معيار العلم في فن المنطق ۷۲ لكن العالم محدث فيلزم عنه أنه ليس بقديم أو تقول : لكنه قديم فيلزم أنه ليس بمحدث، أو تقول : لكنه ليس بقديم فيلزم أنه محدث وهو استثناء النقيض، أو تقول : لكنه ليس بمحدث فيلزم منه أنه قديم ؛ فاستثناء عين إحداهما ينتج نقيض الآخر، واستثناء نقيض إحداهما ينتج عين الآخر . وهذا فيما لو اقتصرت أجزاء التعاند على اثنين، فإن كانت ثلاثا أو أكثر ولكنها تامة العناد، فاستثناء عين واحدة ينتج نقيض الآخرين، كقولك : لكنه مساو فيلزم أنه ليس أقل ولا أكثر، واستثناء نقيض واحدة لا ينتج إلا انحصار الحق في الجزأين الآخرين، كقولك: لكنه ليس مساويا، فيلزم أن يكون إما أقل أو أكثر، فإن استثنيت نقيض الاثنين تعين الثالث، فأما إذا لم تكن الأقسام تامة العناد كقولك : هذا إما أبيض وإما أسود، أو زيد إما بالحجاز أو بالعراق، فاستثناء عين الواحد ينتج نقيض الآخر، كقولك: لكنه بالحجاز أو لكنه أسود فينتج نقيض سائر الأقسام ؛ فأما استثناء نقيض الواحد فلا ينتج لا عين الآخر ولا نقيضه، فإنه لا حاصر في الأقسام، فقولنا : ليس بالحجاز لا يوجب أن يكون في العراق، ولا ألا يكون به إلا إذا بان بطلان سائر الأقسام بدليل آخر، فعند ذلك يصير الباقي ظاهر الحصر تام العناد، ولا يحتاج هذا إلى مثال في الفقه فإن أكثر نظر الفقهاء على السبر والتقسيم يدور . ولكن لا يشترط في الفقهيات الحصر القطعي بل الظني فيه كالقطعي في غيره . الصنف الرابع : في قياس الخلف وصورته صورة القياس الحملي، ولكن إذا كانت المقدمتان صادقتين سمي قياسا مستقيما، وإن كانت إحدى المقدمتين ظاهرة الصدق والأخرى كاذبة أو مشكوكا فيها وأنتج نتيجة بينة الكذب ليستدل بها على أن المقدمة كاذبة، سمي قياس خلف . ومثال ذلك قولنا في الفقه (۱) : «كل ما هو فرض فلا يؤدى على الراحلة والوتر فرض فإذن لا يؤدى على الراحلة، وهذه النتيجة كاذبة ولا تصدر إلا من قياس في مقدماته مقدمة كاذبة، ولكن قولنا : كل واجب فلا يؤدى على الراحلة مقدمة ظاهرة الصدق، فبقي أن الكذب في قولنا أن الوتر فرض فيكون (۱) نص الأئمة والفقهاء على أن من كان راكبا على دابة، ولا يمكنه النزول عنها لخوف على نفسه أو ماله، أو لخوف من ضرر يلحقه بالانقطاع عن القافلة، أو كان بحيث لو نزل عنها لا يمكنه العودة إلى ركوبها ونحو ذلك، فإنه يصلي الفرض في هذه الأحوال على ظهر الدابة، إلى أي جهة يمكنه الاتجاه إليها، وتسقط عنه أركان الصلاة التي لا يستطيع فعلها، ولا إعادة عليه . أما عند الأمن والقدرة فإنها لا تصح إلا إذا أتى بها كاملة مستوفية لشروطها وأركانها، كالصلاة على الأرض .

#84962 حرف

بة، إلى أي جهة يمكنه الاتجاه إليها، وتسقط عنه أركان الصلاة التي لا يستطيع فعلها، ولا إعادة عليه . أما عند الأمن والقدرة فإنها لا تصح إلا إذا أتى بها كاملة مستوفية لشروطها وأركانها، كالصلاة على الأرض . ۷۳ النظر الأول : في صورة القياس نقيضه، وهو أنه ليس بفرض ، صادقا وهو المطلوب من المسألة. ونظيره من العقليات قولنا : كل ما هو أزلي فلا يكون مؤلفا، والعالم أزلي فإذن لا يكون مؤلفا، لكن النتيجة ظاهرة الكذب ففي المقدمات كاذبة. وقولنا : الأزلي ليس بمؤلف ظاهر الصدق، فينحصر الكذب في قولنا : العالم أزلي، فإذن نقيضه وهو أن العالم ليس بأزلي صدق، وهو المطلوب ؛ فطريق هذا القياس أن تأخذ مذهب الخصم وتجعله مقدمة، وتضيف إليها مقدمة أخرى ظاهرة الصدق، فينتج من القياس نتيجة ظاهرة الكذب، فتبين أن ذلك لوجود كاذبة في المقدمات. ويجوز أن يسمى هذا قياس الخلف، لأنك ترجع من النتيجة إلى الخلف، فتأخذ مطلوبك من المقدمة التي خلفتها كأنها مسلمة، ويجوز أن يسمى قياس الخلف لأن الخلف هو الكذب المناقض للصدق، وقد أدرجت في المقدمات كاذبة في معرض الصدق، ولا مشاحة في التسمية بعد فهم المعنى .

#851,272 حرف

إلى الخلف، فتأخذ مطلوبك من المقدمة التي خلفتها كأنها مسلمة، ويجوز أن يسمى قياس الخلف لأن الخلف هو الكذب المناقض للصدق، وقد أدرجت في المقدمات كاذبة في معرض الصدق، ولا مشاحة في التسمية بعد فهم المعنى . الصنف الخامس : الاستقراء وهو أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكما في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكلي به. ومثاله في العقليات أن يقول قائل : فاعل العالم جسم، فيقال له : لم؟ فيقول : لأن كل فاعل جسم، فيقال له : لم؟ فيقول : تصفحت أصناف الفاعلين من خياط وبناء وإسكاف(۱) ونجار ونساج (۲) وغيرهم فوجدت كل واحد منهم جسما، فعلمت أن الجسمية حکم ملازم للفاعلية، فحكمت على كل فاعل به . وهذا الضرب من الاستدلال غير منتفع به في هذا المطلوب، فإنا نقول : هل تصفحت في جملة ذلك فاعل العالم ؟ فإن تصفحته ووجدته جسما فقد عرفت المطلوب قبل أن تتصفح الإسكاف والبناء ونحوهما، فاشتغالك به اشتغال بما لا يعنيك، وإن لم تتصفح فاعل العالم ولم تعلم حاله فلم حكمت بأن كل فاعل جسم؟ وقد تصفحت بعض الفاعلين ولا يلزم منه إلا أن بعض الفاعلين جسم، وإنما يلزم أن كل فاعل جسم إذا تصفحت الجميع تصفحا لا يشذ عنه شيء، وعند ذلك يكون المطلوب أحد أجزاء المتصفح فلا يعرف بمقدمة تبنى على التصفح . وإن قال : لم أتصفح الجميع ولكن الأكثر ، قلنا : فلم لا يجوز أن يكون الكل جسما إلا واحدا، وإذا احتمل ذلك لم يحصل اليقين به، ولكن يحصل الظن، ولذلك (1) الإسكاف : صانع الأحذية . (۲) النساج : حائك الثياب .

#862,212 حرف

وإن قال : لم أتصفح الجميع ولكن الأكثر ، قلنا : فلم لا يجوز أن يكون الكل جسما إلا واحدا، وإذا احتمل ذلك لم يحصل اليقين به، ولكن يحصل الظن، ولذلك (1) الإسكاف : صانع الأحذية . (۲) النساج : حائك الثياب . معيار العلم في فن المنطق ۷٤ يكتفى به في الفقهيات في أول النظر، بل يكتفى بالتمثيل على ما سيأتي، وهو حكم من جزئي واحد على جزئي آخر . والحكم المنقول ثلاثة : إما حكم من كلي على جزئي وهو الصحيح اللازم وهو القياس الصحيح الذي قدمناه، وإما حكم من جزئي واحد على جزئي واحد كاعتبار الغائب بالشاهد وهو التمثيل وسيأتي، وإما حكم من جزئيات كثيرة على جزئي واحد وهو الاستقراء وهو أقوى من التمثيل. ومثال الاستقراء في الفقه قولنا : الوتر لو كان فرضا لما أدي على الراحلة (١) ، ويستدل به كما سبق في قياس الخلف فيقال : ولم عرفتم أن الفرض لا يؤدى على الراحلة ؟ قلنا: باستقراء جزئيات الفرض من الرواتب (۲) وغيرها كصلاة الجنازة والمنذورة(۳) والقضاء وغيرها، وكذلك يقول الحنفي : الوقف لا يلزم في الحياة لأنه لو لزم لما اتبع شرط الواقف، فيقال له : ولم قلت : إن كل لازم فلا يتبع فيه شرط العاقد؟ فيقول : قد استقريت جزئيات التصرفات اللازمة من البيع والنكاح والعتق (٤) والخلع وغيرها، ومن جوز التمسك بالتمثيل المجرد الذي لا مناسبة فيه يلزمه هذا، بل إذا كثرت الأصول قوي الظن ، ومهما ازدادت الأصول الشاهدة أعني الجزئيات اختلافا كان الظن أقوى فيه، حتى إذا قلنا : : مسح الرأس وظيفة أصلية في الوضوء فيستحب فيه التكرار فقيل : لم؟ فقلنا: استقرينا ذلك من غسل الوجه واليدين وغسل الرجلين، ولم يكن معنا إلا مجرد هذا الاستقراء . وقال الحنفي : مسح فلا يكرر، فقيل : لم؟ فقال : استقريت مسح التيمم ومسح الخف كان ظنه أقوى لدلالة جزأين مختلفين عليه. وأما الأعضاء الثلاثة في الوضوء ففي حكم شاهد واحد لتجانسها، وهي كشهادة الوجه واليد اليمنى واليسرى في التيمم. فإن قيل : فلم لا يقال للفقيه استقراؤك غير كامل فإنك لم تتصفح محل الخلاف؟ فالجواب : أن قصور الاستقراء عن الكمال أوجب قصور الاعتقاد الحاصل عن اليقين، ولم يوجب بقاء الاحتمال على التعادل كما كان بل رجح بالظن أحد الاحتمالين، والظن في الفقه كاف وإثبات الواحد على وفق الجزئيات الكثيرة أغلب من كونه مستثنى على الندور، فإذا لم يكن لنا دليل على أن الوتر (1) الراحلة (من الإبل) : الصالحة للأسفار والأحمال، الجمع: رواحل. (۲) الرواتب : الثوابت، أو المؤكدة . (۳) الصلاة المنذورة : التي يوجبها المرء على نفسه لله تعالى. (٤) العتق : التحرير ، يقال : أعتق العبد : حرره . (٥) الخلع : أن يطلق الرجل زوجته على فدية من مالها.

#872,406 حرف

احل. (۲) الرواتب : الثوابت، أو المؤكدة . (۳) الصلاة المنذورة : التي يوجبها المرء على نفسه لله تعالى. (٤) العتق : التحرير ، يقال : أعتق العبد : حرره . (٥) الخلع : أن يطلق الرجل زوجته على فدية من مالها. ٧٥ النظر الأول: في صورة القياس ٧٥ واجب وأن الوقف لازم، ورأينا جواز أدائه على الراحلة ولا عهد به في فرض ووجوب اتباع شرط الواقف، ولا عهد به في تصرف لازم صار منع الفرضية ومنع اللزوم أغلب على الظن وأرجح من نقيضه، وإمكان الخلاف لا يمنع الظن ولا سبيل إلى جحد الإمكان مهما لم يكن الاستقراء تاما، ولا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهدا على الحكم إذا أمكن أن ينتقل عنه شيء، كما لو حكم إنسان بأن كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الأسفل لأنه استقرى أصناف الحيوانات الكثيرة، ولكنه لما لم يشاهد جميع الحيوانات لم يأمن أن يكون في البحر حيوان هو التمساح يحرك عند المضغ فكه الأعلى - على ما قيل وإذا حكم بأن كل حيوان سوى الإنسان فنزوانه (۱) على الأنثى من وراء بلا تقابل الوجهين لم يأمن أن يكون سفاد (۲) القنفذ وهو من الحيوانات على المقابلة لكنه لم يشاهده، فإذن حصل من هذا أن الاستقراء التام يفيد العلم والتناقض يفيد الظن، فإذن لا ينتفع بالاستقراء مهما وقع خلاف في بعض الجزئيات فلا يفيد الاستقراء علما كليا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات، حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس آخر لا في إثبات الحكم لبعض الجزئيات، كما إذا قلنا : كل حركة في زمان وكل ما هو في زمان فهو محدث فالحركة محدثة، وأثبتنا قولنا : كل حركة في زمان باستقراء أنواع الحركة من سباحة وطيران ومشي وغيرها . فأما إذا أردنا أن نثبت أن السباحة في زمان بهذا الاستقراء لم يكن تاما والضبط أن القضية التي عرفت بالاستقراء إن أثبت لمحمولها حكما ليتعدى إلى موضوعها فلا بأس، وإن نقل محمولها إلى بعض جزئيات موضوعها لم يجز إذ تدخل النتيجة في نفس الاستقراء فتسقط فائدة القياس . فإذا كان مطلبنا مثلا أن نبين أن القوة العقلية المدركة للمعقولات هل هي منطبعة (۳) في جسم أم أم لا؟ فقلنا : ليست منطبعة في جسم لأنها تدرك نفسها والقوى المنطبعة في الأجسام لا تدرك نفسها (٤) ، فيقال : ولم ؟ قلت: إن القوى المنطبعة في الأجسام لا تدرك نفسها ؟ فقلنا : تصفحنا القوى المدركة من الآدمي كقوة البصر والسمع والشم والذوق واللمس والخيال والوهم فرأيناها لا تدرك نفسها . فيقال: (۱) نزا الفحل نزوا، ونزوا، ونزوانا : وثب على أنثاه . (۲) سفد ذكر الحيوان أنثاه ، وعلى أنثاه : نزا عليها (وثب). (۳) منطبعة : يقال : طبع الشيء : نقشه ورسمه، وانطبع : مطاوع طبع . (٤) تراجع المسألة الثامنة عشرة من كتاب «تهافت الفلاسفة ففيها يجتهد الغزالي في تعجيز الفلاسفة عن إقامة البرهان العقلي على أن النفس الإنسانية جوهر روحاني، قائم بنفسه لا يتحيز، وليس بجسم، ولا منطبع في جسم، ولا هو متصل بالبدن، ولا هو منفصل عنه .

#881,042 حرف

هافت الفلاسفة ففيها يجتهد الغزالي في تعجيز الفلاسفة عن إقامة البرهان العقلي على أن النفس الإنسانية جوهر روحاني، قائم بنفسه لا يتحيز، وليس بجسم، ولا منطبع في جسم، ولا هو متصل بالبدن، ولا هو منفصل عنه . معيار العلم في فن المنطق هل تصفحت في جملة ذلك القوة العقلية ؟ فإن تصفحتها فقد عرفتها قبل هذا الدليل فلا تحتاج إلى هذا الدليل، وإن لم تعرفها بل هي المطلوب فلم تتصفح الكل بل تصفحت البعض فلم حكمت على الكل بهذا الحكم؟ ومن أين يبعد أن تكون القوى المنطبعة كلها لا تدرك نفسها إلا واحدة، فيكون حكم واحدة منها بخلاف حكم الجملة وهو ممكن كما ذكرناه في مثال التمساح والقنفذ، وفي مثال من يدعي أن صانع العالم جسم، بل من ليس له سمع ولا بصر ربما يحكم بأن الحس لا يدرك الشيء إلا بالاتصال بذلك الشيء، بدليل الذوق واللمس والشم، فلو يجري ذلك في البصر والسمع كان مخطئا إذ يقال : لم يستحيل أن تنقسم الحواس إلى ما يفتقر فيه إلى الإتصال بالمحسوس وإلى ما لا يفتقر ؟ وإذا جاز الانقسام جاز أن يعتدل القسمان، وجاز أن يكون الأكثر في أحد القسمين، ولا يبقى في القسم الآخر إلا واحد، فهذا لا يورث يقينا إنما يحرك ظنا، وربما يقنع إقناعا يسبق الاعتقاد إلى قبوله ويستمر عليه .

#891,337 حرف

وإذا جاز الانقسام جاز أن يعتدل القسمان، وجاز أن يكون الأكثر في أحد القسمين، ولا يبقى في القسم الآخر إلا واحد، فهذا لا يورث يقينا إنما يحرك ظنا، وربما يقنع إقناعا يسبق الاعتقاد إلى قبوله ويستمر عليه . الصنف السادس : التمثيل (١) وهو الذي تسميه الفقهاء قياسا، ويسميه المتكلمون رد الغائب إلى الشاهد (۲) ، ومعناه أن يوجد حكم في جزئي معين واحد فينقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما. ومثاله في العقليات أن نقول : السماء حادث لأنه جسم قياسا على النبات والحيوان، وهذه الأجسام التي يشاهد حدوثها ، وهذا غير سديد ما لم يمكن أن يتبين أن النبات كان حادثا لأنه جسم، وأن جسميته هي الحد الأوسط للحدوث، فإن ثبت ذلك فقد عرفت أن الحيوان حادث لأن الجسم حادث، فهو حكم كلي وينتظم منه قياس على هيئة الشكل الأول، وهو أن السماء جسم وكل جسم حادث، فينتج أن السماء حادث، فيكون نقل الحكم من كلي إلى جزئي داخلا تحته، وهو صحيح، وسقط أثر الشاهد المعين وكان ذكر الحيوان فضلة في الكلام كما إذا قيل لإنسان: لم ركبت البحر ؟ فقال : لاستغني، فقيل له : ولم قلت إذا ركبت البحر استغنيت ؟ فقال : لأن ذلك اليهودي ركب البحر فاستغنى، فيقال : وأنت لست بيهودي فلا يلزم من ثبوت الحكم فيه ثبوت الحكم فيك، فلا يخلصه إلا أن يقول : هو لم يستغن لأنه يهودي بل لأنه ركب البحر تاجرا، فنقول: إذن (1) التمثيل : يقال : مثل الشيء بالشيء تمثيلا : شبهه به وقدره على قدره، ومثل الشيء لفلان: صوره له بكتابة ونحوها حتى كأنه ينظر إليه . (۲) الشاهد : الحاضر ؛ يقال : شهد المجلس حضره، وشهد الشيء: عاينه .

#902,198 حرف

ذن (1) التمثيل : يقال : مثل الشيء بالشيء تمثيلا : شبهه به وقدره على قدره، ومثل الشيء لفلان: صوره له بكتابة ونحوها حتى كأنه ينظر إليه . (۲) الشاهد : الحاضر ؛ يقال : شهد المجلس حضره، وشهد الشيء: عاينه . النظر الأول : في صورة القياس فذكر اليهودي حشو، بل طريقك أن تقول : كل من ركب البحر أيسر (١)، فأنا أيضا أركب البحر لأوسر، ويسقط أثر اليهودي، فإذن لا خير في رد الغائب إلى الشاهد إلا بشرط مهما تحقق سقط أثر الشاهد المعين . ثم في هذا الشرط موضع غلط أيضا، فربما يكون المعنى الجامع مما يظهر أثره وغناه في الحكم، فيظن أنه صالح ولا يكون صالحا لأن الحكم لا يلزمه بمجرده بل لكونه على حال خفي، وأعيان الشواهد تشتمل على صفات خفية فلذلك يجب اطراح (۲) الشاهد المعين، فإنك تقول : السماء حادث لأنه مقارن للحوادث كالحيوان فيجب عليك اطراح ذكر الحيوان لأنه يقال لك : الحيوان حادث بمجرد كونه مقارنا للحوادث فقط ، فاطرح الحيوان وقل: كل مقارن للحوادث حادث والسماء مقارن فكان حادثا، وعند ذلك ربما يمنع الخصم المقدمة الكبرى فلا يسلم أن كل مقارن للحوادث حادث إلا على وجه مخصوص، وإن جوزت أن الموجب للحدوث كونه مقارنا على وجه مخصوص فلعل ذلك الوجه وأنت لا تدريه موجود في الحيوان لا في السماء، فإن عرفت ذلك فأبرزه وأضفه إلى المقارن واجعله مقدمة كلية، وقل : كل مقارن للحوادث بصفة كذا فهو حادث، والسماء مقارن بصفة كذا فهو إذن حادث، فعلى جميع الأحوال لا فائدة في تعيين شاهد معين في العقليات ليقاس عليه ؛ ومن هذا القبيل قولك : الله عالم بعلم لا بنفسه لأنه لو كان عالما لكان عالما بعلم قياسا على الإنسان، فيقال : ولم قلت: إن ما ينسب للإنسان ينسب لله ؟ فتقول : لأن العلة جامعة، فيقال: العلة كونه إنسانا عالما أو كونه عالما فقط، فإن كان كونه إنسانا عالما فلا يلزم في حق الله مثله، وإن كانت كونه عالما فقط فاطرح الإنسان وقل : كل عالم فهو عالم بعلم والباري عالم فهو عالم بعلم، وعند ذلك إنما ينازع في قولك كل عالم فهو عالم بعلم، فإن ذلك إن لم يكن أوليا لزمك أن تبينه بقياس آخر لا محالة . فإن قيل : فهل يمكن إثبات كون المعنى الجامع علة للحكم بأن نرى أن الحكم يرتفع بارتفاعه؟ قلنا : لا ، فإن الحكم يرتفع بارتفاع بعض أجزاء العلة وشروطها، ولا يوجد بوجود ذلك البعض، فمهما ارتفعت الحياة ارتفع الإنسان ومهما وجدت الحياة لم يلزم وجود الإنسان، بل ربما يوجد الفرس أو غيره ولكن الأمر بالضد من هذا، وهو أنه مهما وجد الحكم دل على وجود المعنى الجامع، (1) أيسر الرجل : استغنى (أصبح غنيا). (۲) طرح الشيء، واطرحه : ألقاه ؛ واطرح الشيء عنه : ألقاه وأبعده.

#912,172 حرف

ربما يوجد الفرس أو غيره ولكن الأمر بالضد من هذا، وهو أنه مهما وجد الحكم دل على وجود المعنى الجامع، (1) أيسر الرجل : استغنى (أصبح غنيا). (۲) طرح الشيء، واطرحه : ألقاه ؛ واطرح الشيء عنه : ألقاه وأبعده. معيار العلم في فن المنطق فأما أن يدل وجود المعنى على وجود الحكم بمجرد كون الحكم مرتفعا بارتفاعه فلا، فمهما وجد الإنسان فقد وجدت الحياة، ومهما وجدت صحة الصلاة فقد وجد الشرط وهو الطهارة، ومهما وجدت الطهارة لم يلزم وجود الصلاة. فإن قيل : فما ذكرتموه في إبطال منفعة الشاهد في رد الغائب إليه مقطوع به، فكيف يظن بالمتكلمين مع كثرتهم وسلامة عقولهم الغفلة عن ذلك؟ قلنا : معتقد الصحة في رد الغائب إلى الشاهد إما محقق يرجع عند المطالبة إلى ما ذكرناه، وإنما يذكر الشاهد المعين لتنبيه السامع على القضية الكلية به فيقول : الإنسان عالم بعلم لا بنفسه، متبها به على أن العالم لا يعقل من معناه شيء سوى أنه ذو علم فيذكر الإنسان تنبيها، وإما قاصر عن بلوغ ذروة التحقيق وهذا ربما ظن أن في ذكر الشاهد المعين دليلا، ومنشأ ظنه أمران : أحدهما : أن من رأى البناء فاعلا وجسما ربما أطلق أن الفاعل جسم والفاعل بالألف واللام يوهم الاستغراق، خصوصا في لغة العرب، وهو من المهملات، والمهملات قد يتسامح بها فيؤخذ على أنه قضية كلية، فيظن أنها كلية وينظم قياسا ويقول : الفاعل جسم وصانع العالم فاعل فهو جسم ؛ وكذلك ربما نظر ناظر إلى البر (۱) فيراه مطعوما وربويا فيقول : المطعوم ربوي ويبني عليه قوله : إن السفرجل مطعوم فهو إذن ربوي لالتباس قوله المطعوم بقوله : كل مطعوم، فالمحقق إذا سمعه فصل وقال : قولك المطعوم عنيت به كل مطعوم أو بعضه، فإن قلت: بعضه فلعل السفرجل من البعض الآخر، وإن قلت : كله، فمن أين عرفت ذلك؟ فإن قلت : من البر فليس البر كل المطعومات، فإذا رأيته ربويا لم يلزم منه إلا أن كل البر ربوي والسفرجل ليس ببر، أو بعض المطعوم ربوي فلا يلزم منه بعض آخر، وكذا في قوله : الفاعل جسم يقال : له كل الفاعلين أو بعضهم على ما تقرر فلا حاجة إلى الإعادة !! . ثانيهما: هو أنه ربما يستقري أصنافا كثيرة من الفاعلين حتى لا يبقى عنده فاعل آخر فيرى أنه استقرى كل الفاعلين، ويطلق القول بأن كل فاعل فهو جسم وكان الحق أن يقول : كل فاعل شاهدته وتصفحته فهو جسم، فيقال له : لم تشاهد فاعل العالم ولا يمكن الحكم عليه ولكن الغي قوله : شاهدت، وكذا يتصفح البر والشعير وسائر المطعومات الموزونة والمكيلة ويعبر عنها بالكل، وينظم في ذهنه قياسا على هيئة الشكل الأول، وهو أن كل مطعوم فإما بر أو شعير أو غيرهما، (1) البر : حب القمح .

#922,266 حرف

لغي قوله : شاهدت، وكذا يتصفح البر والشعير وسائر المطعومات الموزونة والمكيلة ويعبر عنها بالكل، وينظم في ذهنه قياسا على هيئة الشكل الأول، وهو أن كل مطعوم فإما بر أو شعير أو غيرهما، (1) البر : حب القمح . النظر الأول : في صورة القياس وكل بر وكل شعير أو غيرهما فهو ربوي، فإذن كل مطعوم ربوي، ثم يقول : والسفرجل مطعوم فهو ربوي، فيكون هذا منشأ ،غلطه ، وإلا فالحق ما قدمناه. ولا ينبغي أن تضيع الحق المعقول، خوفا من مخالفة العادات المشهورة، بل المشهورات أكثر ما تكون مدخولة (١) ، ولكن مداخلها دقيقة لا يتنبه لها إلا الأقلون. وعلى الجملة لا ينبغي أن تعرف الحق بالرجال، بل ينبغي أن تعرف الرجال بالحق فتعرف إلى الحق أولا، فمن سلكه فاعلم أنه محق. فأما أن تعتقد في شخص أنه محق أولا ثم تعرف الحق به، فهذا ضلال اليهود والنصارى وسائر المقلدين، أعاذك الله وإيانا منه ؛ هذا كله في إبطال التمثيل في العقليات، فأما في الفقهيات، فالجزئي المعين يجوز أن ينقل حكمه إلى جزئي آخر باشتراكهما في وصف، وذلك الوصف المشترك إنما يوجب الاشتراك في الحكم إذا دل عليه دليل، وأداتها الجملية قبل التفصيل ستة . الأول، وهو أعلاها : أن يشير صاحب الحكم، وهو المشرع إليه، كقوله في الهرة : إنها من الطوافين عليكم، عند ذكر العفو عن سؤرها (٢)، فيقاس عليها الفأرة بجامع الطواف، وإن افترقتا في أن هذه تنفر وتلك تأنس، وأن هذه فأرة وتيك هرة، ولكن الاشتراك في وصف أضيف إليه الحكم أحرى باقتضاء الاشتراك فيه (في الحكم من الافتراق في وصف لم يتعرض له في اقتضاء الافتراق. وكذا قوله في بيع الرطب بالتمر : أينقص الرطب إذا جف؟ فقيل : نعم. فقال: فلا تبيعوا. فهو إذن أضاف بطلان البيع في الرطب إلى النقصان المتوقع، فيقاس عليه العنب للإشتراك في توقع النقصان . ولا يمنع جريان السؤال في الرطب عن إلحاق العنب به، وإن كان هذا عنبا، وذلك رطبا، لأن هذا الافتراق افتراق في الاسم والصورة، والشرع كثير الالتفات إلى المعاني، قليل الالتفات إلى الصور والأسامي. فعادة الشرع ترجح في ظننا التشريك في الحكم عند الاشتراك في المضاف إليه ذلك الحكم، وتحقيق الظن في هذا دقيق، وموضع استقصائه الفقه . الثاني : أن يكون ما فيه الاجتماع مناسبا للحكم، كقولنا: النبيذ(۳) مسكر فيحرم كالخمر . . فإذا قيل : لم قلتم : المسكر يحرم؟ قلنا : لأنه يزيل العقل، الذي هو الهادي إلى الحق، وبه يتم التكليف ؛ فهذا مناسب للنظر في المصالح فيقال : لا يمتنع أن يكون الشرع قد راعى سكر ما يعتصر من العنب على الخصوص تعبدا، أو (1) مدخولة : يقال : دخل الشيء دخلا، ودخلا : فسد داخله . (۲) السور : بقية الشيء . (۳) النبيذ : شراب مسكر ، يتخذ من عصير العنب، أو التمر، ويترك حتى يختمر ..

#932,204 حرف

عى سكر ما يعتصر من العنب على الخصوص تعبدا، أو (1) مدخولة : يقال : دخل الشيء دخلا، ودخلا : فسد داخله . (۲) السور : بقية الشيء . (۳) النبيذ : شراب مسكر ، يتخذ من عصير العنب، أو التمر، ويترك حتى يختمر .. معيار العلم في فن المنطق أثبت التحريم لا لعلة السكر، بل تعبدا في خمر العنب من غير التفات إلى السكر، فكم من الأحكام التي هي تعبدية غير معقولة، فيقول : نعم هذا غير ممتنع، ولكن الأكثر في عادة الشرع اتباع المصالح . فكون هذا من قبيل الأكثر أغلب على الظن من كونه من قبيل النادر . الثالث : أن يبين للوصف الجامع تأثيرا في موضع من غير مناسبة، كما يقول الحنفي في اليتيمة إنها صغيرة، ويولي عليها كغير اليتيمة، فيقال: فلم عللت الولاية بالصغر ؟ فيقول : لأن الصغر قد ظهر أثره بالاتفاق في غير اليتيمة وفي الابن. وقدر أن الوصف غير مناسب حتى يستمر المثال، فلا ينبغي أن يقال : هذه يتيمة وتيك ليست بيتيمة؛ فيقال : الافتراق في هذا لا يقاوم الاشتراك في وصف الصغر، وقد ظهر تأثيره في موضع واليتم لم يظهر تأثيره بالاتفاق في موضع، نعم لو ثبت أن اليتيم لا يولى عليه في المال لتقاوم الكلام . ولو قيل : ظهر أثر اليتم أيضا في دفع الولاية في موضع ، كما ظهر أثر الصغر في موضع، فعند ذلك يحتاج إلى الترجيح. وإن شئت مثلت هذا القسم بقياس العنب على الرطب (١)، واجتماعهما في توقع النقصان . ويقدر أن ذلك لم يعرف بإضافة لفظية من الشارع، بل عرف باتفاق من الفريقين حتى لا يلتحق بمثال الإضافة . الرابع : أن يكون ما فيه الاشتراك غير معدود ولا مفصل لأنه الأكثر، وما فيه الافتراق شيئا واحدا، ويعلم أن جنس المعنى الذي فيه الافتراق، لا مدخل له في هذا الحكم، مهما التفت إلى الشرع كقوله : من أعتق شخصا له من عبد، قوم عليه الباقي . فإنا نقيس الأمة عليه ، لا لأنا عرفنا اجتماعهما في معنى مخيل أو مؤثر أو مضاف إليه الحكم بلفظه ، لأنه لم يبن لنا بعد المعنى المخيل فيه، ولا لأنا رأيناهما متقاربين فقط، فإنه لو وقع النظر في ولاية النكاح، وبان أن الأمة تجبر على النكاح، فلا يتبين لنا أن العبد في معناه والقرب من الجانبين على وتيرة واحدة، ولكن إذا التفتنا إلى عادة الشرع علمنا قطعا أنه ليس يتغير حكم الرق والعشق بالذكورة والأنوثة، كما لا يتغير بالسواد والبياض، والطول والقصر، والزمان والمكان وأمثالها . الخامس : هو الرابع بعينه، إلا أن ما فيه الافتراق لا يعلم يقينا أنه لا مدخل له في الحكم، بل يظن ظنا ظاهرا، وذلك كقياسنا إضافة العتق إلى جزء معين على (1) الرطب : نضيج البشر قبل أن يصير تمرا، وذلك إذا لان وحلا ؛ أو هو ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يصير تمرا.

#942,077 حرف

يقينا أنه لا مدخل له في الحكم، بل يظن ظنا ظاهرا، وذلك كقياسنا إضافة العتق إلى جزء معين على (1) الرطب : نضيج البشر قبل أن يصير تمرا، وذلك إذا لان وحلا ؛ أو هو ثمر النخل إذا أدرك ونضج قبل أن يصير تمرا. ۸۱ النظر الأول: في صورة القياس إضافته إلى نصف شائع، وقياس الطلاق المضاف إلى جزء معين على المضاف، إلى نصف شائع فإنا نقول : السبب هو السبب، والحكم هو الحكم، والاجتماع شامل إلا في شيء واحد هو أن هذا معين مشار إليه، وذلك شائع. وإذا كان التصرف لا يقتصر على المضاف إليه، فيبعد أن يكون لإمكان الإشارة وعدمه مدخل في هذا الحكم، وهذا ظن ظاهر ولكن خلافه ممكن؛ فإن الشرع جعل الجزء الشائع محلا لبعض التصرفات، ولم يجعل المعين محلا أصلا، فلا بعد في أن يجعل ما هو محل لبعض التصرفات محلا لإضافة هذا التصرف، فصار النظر بهذا الاحتمال ظنيا . وقد اختلف المجتهدون (۱) في قبول ذلك، وعندي أن في هذا الجنس ما يجوز الحكم به، ولكن يتطرق إلى مبالغ الظن الحاصل منه تفاوت غير محدود ولا محصور، ويختلف بالوقائع والأحكام، والأمر موكول إلى المجتهد، فإن من غلب أحد ظنيه جاز له الحكم به . السادس: أن يكون المعنى الجامع أمرا معينا متحدا وما فيه الافتراق أيضا أمرا معينا أو أمورا معينة، ولم يكن للجامع مناسبة وتأثير، إلا أنه إن كان الجامع موهما أن المعنى المصلحي الخفي، الملحوظ بعين الاعتبار من جهة الشرع، مودع في طيه، وانطواؤه على ذلك المعنى، الذي هو المقتضي للحكم عند الله، أغلب من احتواء المعنى الذي فيه المفارقة، كان الحكم بالاشتراك لذلك أولى من الحكم بالافتراق . مثاله قولنا : الوضوء طهارة حكمية عن حدث، فتفتقر إلى النية كالتيمم، فقد اشتركا في هذا وافترقا في أن ذاك طهارة بالماء دون التيمم، وتشبهه إزالة النجاسة . وقولنا : طهارة حكمية جمع التيمم وأخرج إزالة النجاسة . ونحن نقول : المقتضي للنية في علم الله تعالى معنى خفي عنا، ومقارنته بكونه طهارة حكمية يعتد به موجبا في حال موجبها، أغلب من كونه مقرونا بكونه طهارة بالتراب، فيصير إلحاق الوضوء به أغلب على الظن من قطعه عنه ؛ وهذا أيضا مما اختلف فيه . والرأي عندنا أن ذلك مما يتصور أن يفيد رجحان ظن على ظن، فهو موكول إلى المجتهد. ولم يبن لنا من سيرة الصحابة، في إلحاق غير المنصوص (1) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، وله شروط مقررة في علم أصول الفقه . (۲) اعتد بالشيء : أدخله في الحساب والعد، ومنه يقال : هذا شيء لا يعتد به : لا يهتم به .

#952,078 حرف

إلحاق غير المنصوص (1) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، وله شروط مقررة في علم أصول الفقه . (۲) اعتد بالشيء : أدخله في الحساب والعد، ومنه يقال : هذا شيء لا يعتد به : لا يهتم به . ۸۱ النظر الأول: في صورة القياس إضافته إلى نصف شائع، وقياس الطلاق المضاف إلى جزء معين على المضاف، إلى نصف شائع فإنا نقول : السبب هو السبب، والحكم هو الحكم، والاجتماع شامل إلا في شيء واحد هو أن هذا معين مشار إليه، وذلك شائع. وإذا كان التصرف لا يقتصر على المضاف إليه، فيبعد أن يكون لإمكان الإشارة وعدمه مدخل في هذا الحكم، وهذا ظن ظاهر ولكن خلافه ممكن؛ فإن الشرع جعل الجزء الشائع محلا لبعض التصرفات، ولم يجعل المعين محلا أصلا، فلا بعد في أن يجعل ما هو محل لبعض التصرفات محلا لإضافة هذا التصرف، فصار النظر بهذا الاحتمال ظنيا . وقد اختلف المجتهدون (۱) في قبول ذلك، وعندي أن في هذا الجنس ما يجوز الحكم به، ولكن يتطرق إلى مبالغ الظن الحاصل منه تفاوت غير محدود ولا محصور، ويختلف بالوقائع والأحكام، والأمر موكول إلى المجتهد، فإن من غلب أحد ظنيه جاز له الحكم به . السادس: أن يكون المعنى الجامع أمرا معينا متحدا وما فيه الافتراق أيضا أمرا معينا أو أمورا معينة، ولم يكن للجامع مناسبة وتأثير، إلا أنه إن كان الجامع موهما أن المعنى المصلحي الخفي، الملحوظ بعين الاعتبار من جهة الشرع، مودع في طيه، وانطواؤه على ذلك المعنى، الذي هو المقتضي للحكم عند الله، أغلب من احتواء المعنى الذي فيه المفارقة، كان الحكم بالاشتراك لذلك أولى من الحكم بالافتراق . مثاله قولنا : الوضوء طهارة حكمية عن حدث، فتفتقر إلى النية كالتيمم، فقد اشتركا في هذا وافترقا في أن ذاك طهارة بالماء دون التيمم، وتشبهه إزالة النجاسة . وقولنا : طهارة حكمية جمع التيمم وأخرج إزالة النجاسة . ونحن نقول : المقتضي للنية في علم الله تعالى معنى خفي عنا، ومقارنته بكونه طهارة حكمية يعتد به موجبا في حال موجبها، أغلب من كونه مقرونا بكونه طهارة بالتراب، فيصير إلحاق الوضوء به أغلب على الظن من قطعه عنه ؛ وهذا أيضا مما اختلف فيه . والرأي عندنا أن ذلك مما يتصور أن يفيد رجحان ظن على ظن، فهو موكول إلى المجتهد. ولم يبن لنا من سيرة الصحابة، في إلحاق غير المنصوص (1) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، وله شروط مقررة في علم أصول الفقه . (۲) اعتد بالشيء : أدخله في الحساب والعد، ومنه يقال : هذا شيء لا يعتد به : لا يهتم به .

#962,122 حرف

إلحاق غير المنصوص (1) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، وله شروط مقررة في علم أصول الفقه . (۲) اعتد بالشيء : أدخله في الحساب والعد، ومنه يقال : هذا شيء لا يعتد به : لا يهتم به . ۸۲ معيار العلم في فن المنطق ۸۲ بالمنصوص، إلا اعتبار أغلب الظنون . ولا ضوابط بعد ذلك في تفصيل مدارك الظنون، بل كل ما يضبط به تحكم، وربما يغلط في نصرة هذا الجنس فيقال : الوضوء قربة (١) ، ويذكر وجه مناسبة القربة للنية، وهو ترك لهذا الطريق بالعدول إلى الإضافة . وربما يغلط في نصرة جانبهم فيقال : هذه طهارة بالماء والماء مطهر بنفسه، كما أنه مرو بنفسه، ويدعي مناسبة فيكون عدولا عن الفرق الشبهي، كما أن ما ذكرناه عدول عن الجمع الشبهي . واسم الشبه في اصطلاح أكثر الفقهاء، مخصوص بالتشبيه بمثل هذه الأوصاف، الذي لا يمكن إثباته بالمدارك السابقة، وإن كان غير التعليق بالمخيل تشبيها، ولكن خصصت العبارة اللفظية به لأنه ليس فيه إلا شبه، كما خصصوا المفهوم بفحوى الخطاب (۲)، مع أن المنظوم أيضا له مفهوم، ولكن ليس للفحوى منظوم، بل مجرد المفهوم فلقب به . ولما رأينا التعويل (۳) على أمثال هذا الوصف الذي لا يظهر مناسبته جائزا بمجرد الظن . والظنون تختلف بأحوال المجتهدين (٤) ، حتى أن شيئا واحدا يحرك ظن مجتهد، وهو بعينه لا يحرك ظن الآخر، ولم يكن له في الجدال معيار يرجع إليه المتنازعان، رأينا أن الواجب في اصطلاح المتناظرين ما اصطلح عليه السلف من مشايخ الفقه، دون ما أحدثه من بعدهم ممن ادعى التحقيق في الفقه، من المطالبة بإثبات العلة بمناسبة أو تأثير إو إخالة (٥) ، بل رأينا أن يقتصر المعترض علس سؤال المعلل بأن قياسك من أي قبيل؟ فإن كان من قبيل المناسب أو المؤثر أو سائر الجهات، فبين وجهه، وإن كان شبها محضا بوصف ليس فيه مناسبة ظاهرة، وأنت تظن أنه ينطوي على المعنى المبهم، فلست أطالبك ولكن أقابلك بما افترق فيه الأصل والفرع من الأوصاف ؛ فإن ما لا يناسب إن صلح للجمع، صلح مثله للفرق. وبهذا السؤال يفتضح المعلل في قياسه الذي قدره، إن كان معناه الجامع (1) القربة : ما يتقرب به إلى الله تعالى من أعمال البر والطاعة؛ قال تعالى: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم﴾ [التوبة : ٩٩] . (۲) فحوى الخطاب : مضمونه ومرماه الذي يتجه إليه المتكلم . (۳) التعويل : من عول عليه تعويلا : اعتمد عليه واتكل. (٤) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه وجهده ليحصل له ظن بحكم شرعي. (٥) الإحالة : الظن .

#972,200 حرف

(۲) فحوى الخطاب : مضمونه ومرماه الذي يتجه إليه المتكلم . (۳) التعويل : من عول عليه تعويلا : اعتمد عليه واتكل. (٤) المجتهد: هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه وجهده ليحصل له ظن بحكم شرعي. (٥) الإحالة : الظن . ۸۳ النظر الأول : في صورة القياس ۸۳ طردا محضا، لا يناسب ولا يوهم الاشتمال على مناسب مبهم. وإن كان ما يقابل السائل به طردا محضا لا يوهم أمرا، فعلى المعلل أن يرجح جانبه، كما إذا فرق بين التيمم والوضوء ، بأن التيمم على عضوين، وهذا على أربعة أعضاء، فإن هذا مما يعلم أنه لا يمكن أن يكون لمثله مدخل في الحكم، لا بنفسه ولا باستصحاب معنى له مدخل بطريق الاشتمال عليه، مع إيهامه بخلاف قولنا: إنه طهارة حكمية، فهذا طريق النظر في الفقهيات. ولقد خاض في الفقه من أصحاب الرأي، من سدى (١) أطرافا من العقليات ولم يخمرها (۲) ، وأخذ يبطل أكثر أنواع هذه الأقيسة، ويقتصر منها على المؤثر، ويوجه المطالبة العقلية على كل ما يتمسك به في الفقه . وعندما ينتهي إلى نصرة مذهبه في التفصيل، يعجز عن تقريره على الشرط الذي وضعه في التأصيل (۳)، فيحتال لنصرة الطرديات الردية (٤) بضروب من الخيالات الفاسدة، ويلقبها بالمؤثر، وليس يتنبه لركاكة تيك الخيالات الفاسدة، ولا يرجع فينتبه لفساد الأصل الذي وضعه، فدعاه إلى الاقتصار في إثبات الحكم على طريق المؤثر أو المناسب، ولا يزال يتخبط والرد عليه في تفصيل ما أورده في المسائل تشتمل عليه كتبنا المصنفة في خلافات الفقه، لا سيما : كتاب تحصين المأخذ»، و كتاب المبادي والغايات». والغرض الآن من ذكره أن الاستقصاء (٥) الذي ذكرناه في العقليات، ينبغي أن يترك في الفقهيات رأسا ؛ فخلط ذلك الطريق السالك إلى طلب اليقين بالطريق السالك إلى طلب الظن صنيع من سدى من الطرفين طرفا، ولم يستقل بهما، بل ينبغي أن تعلم أن اليقين في النظريات أعز الأشياء وجودا، وأما الظن فأسهلها منالا وأيسرها حصولا . فالظنون المعتبرة في الفقهيات هو المرجح الذي يتيسر به عند التردد بين أمرين : إقدام أو إحجام ؛ فإن إقدام الناس في طرق التجارات وإمساك السلع تربصا بها (٦) ، أو بيعها خوفا من نقصان سعرها ، بل في سلوك أحد الطريقين في أسفارهم، (۱) سدى: يقال : سدى الثوب : مد سداه، والسدى من الثوب : ما يمد طولا في النسيج (خلاف اللحمة) . (۲) خمر الشيء : غطاه ، وخمر المكان : لزمه ؛ والحمار : كل ما ستر، ومنه: خمار المرأة. (۳) التأصيل : يقال : أصل الشيء تأصيلا : جعل له أصلا ثابتا يبنى عليه . (٤) الردية : الرديئة : الفاسدة . (٥) استقصى الشيء استقصاء : بلغ أقصاه في البحث عنه . (٦) تربص بالسلعة : انتظر حتى يرتفع سعرها، وتربص فلان: احتكر .

#981,966 حرف

ال : أصل الشيء تأصيلا : جعل له أصلا ثابتا يبنى عليه . (٤) الردية : الرديئة : الفاسدة . (٥) استقصى الشيء استقصاء : بلغ أقصاه في البحث عنه . (٦) تربص بالسلعة : انتظر حتى يرتفع سعرها، وتربص فلان: احتكر . ٨٤ معيار العلم في فن المنطق ٨٤ بل في كل فعل يتردد الإنسان فيه بين جهتين على ظن ؛ فإنه إذا تردد العاقل بين أمرين، واعتدلا عنده (۱) في غرضه، لم يتيسر له الاختيار، إلا أن يترجح أحدهما، بأن يراه أصلح بمخيلة أو دلالة ؛ فالقدر الذي يرجح أحد الجانبين ظن له، والفقهيات كلها نظر من المجتهدين في إصلاح الخلق. وهذه الظنون وأمثالها تقتنص (۲) بأدنى مخيلة وأقل قرينة، وعليه اتكال العقلاء كلهم في إقدامهم وإحجامهم على الأمور المخطرة في الدنيا، وذلك القدر كاف في الفقهيات والمضايقة والاستقصاء فيه يشوش مقصوده بل يبطله، كما أن الاستقصاء في التجارات، ضربا للمثل، يفوت مقصود التجارة . وإذا قيل للرجل : سافر لتربح ، فيقول : وبم أعلم أني إذا سافرت ربحت؟ فيقال : اعتبر بفلان وفلان فيقول : ويقابلهما فلان وفلان وقد ماتا في الطريق أو قتلا أو قطع عليهما الطريق فيقال : ولكن الذين ربحوا أكثر ممن خسروا أو قتلوا. فيقول: فما المانع من أن أكون من جملة من يخسر أو يقتل أو يموت؟ وماذا ينفعني ربح غيري إذا كنت من هؤلاء؟ . فهذا استقصاء لطلب اليقين والمعتبر له لا يتجر ولا يربح، ويعد مثل هذا الرجل موسوسا أو جبانا، ويحكم عليه بأن التاجر الجبان لا يربح، فهذا مثال الاستقصاء في الفقهيات، وهو هوس محض وخرق (۳) ، كما أن ترك الاستقصاء في العقليات جهل محض ، فليؤخذ كل شيء من مأخذه، فليس الخرق في الاستقصاء في موضع تركه، بأقل من الحمق في تركه بموضع وجوبه، والله أعلم. الصنف السابع : في الأقيسة المركبة والناقصة اعلم أن الألفاظ القياسية المستعملة في المخاطبات والتعليمات، وفي الكتب والتصنيفات لا تكون ملخصة في غالب الأمر على الوجه الذي فصلناه، بل تكون مائلة عنه إما بنقصان، وإما بزيادة، وإما بتركيب وخلط جنس بجنس، فلا ينبغي أن يلتبس عليك الأمر، فتظن أن المائل عما ذكرناه ليس بقياس، بل ينبغي أن تكون عين عقلك مقصورة على المعنى، وموجهة إليه لا إلى الأشكال اللفظية، فكل قول أمكن أن يحصل مقصوده، ويرد إلى ما ذكرناه من القياس، (۱) اعتدل الأمران عنده : تساويا .. (۲) تقتنص : تصطاد . (۳) الخرق: الجهل ، أو الحمق .

#992,138 حرف

ك مقصورة على المعنى، وموجهة إليه لا إلى الأشكال اللفظية، فكل قول أمكن أن يحصل مقصوده، ويرد إلى ما ذكرناه من القياس، (۱) اعتدل الأمران عنده : تساويا .. (۲) تقتنص : تصطاد . (۳) الخرق: الجهل ، أو الحمق . ٨٥ النظر الأول : في صورة القياس ٨٥ فقوته قوة قياس، وهو حجة، وإن لم يكن تأليفه ما قدمناه من التأليف. وكل قول ألف على الوجه الذي قدمناه ، إلا أنه إذا تؤمل وامتحن لم تحصل منه نتيجة، فليس بحجة أما المائل للنقصان فبأن نترك إحدى المقدمتين أو النتيجة. أما ترك المقدمة الكبرى فمثاله قولك : هذان متساويان لأنهما قد ساويا شيئا واحدا، فقد ذكرت المقدمة الصغرى والنتيجة، وتركت الكبرى وهي قولك : والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، وبه تمام القياس، ولكن قد تترك لوضوحها، وعلى هذا أكثر الأقيسة في الكتب والمخاطبات . وقد تترك الكبرى إذا قصد التلبيس (۱) ليبقى الكذب خفيا فيه، ولو صرح به لتنبه المخاطب لمحل الكذب . مثاله قولك : هذا الشخص في هذه القلعة خائن، سيسلم القلعة لأني رأيته يتكلم مع العدو، وتمام القياس أن تضيف إليه : إن كل من يتكلم مع العدو فهو خائن، وهذا يتكلم معه، فهو إذن خائن. ولكن لو صرحت بالكبرى ظهر موضع الكذب، ولم يسلم أن كل من يتكلم مع العدو فهو خائن . وهذا مما يكثر استعماله في القياسات الفقهية . وأما ترك المقدمة الصغرى فمثاله قولك : اتق مكيدة هذا فيقال : لم؟ فتقول : لأن الحساد يكايدون . فتترك الصغرى وهو قولك : هذا حاسد، وذلك إنما يكون عند ظهور الحسد منه. وهو كقولك: هذا يقطع لأن السارق يقطع (٢)، وتترك الصغرى، ويحسن ذلك إذا اشتهر بالسرقة عند المخاطب . وعلى هذا أكثر مخاطبة الفقهاء لا سيما في كتب المذهب، وذلك حذرا من التطويل. ولكن في النظريات ينبغي أن يفصل حتى يعرف مكان الغلط . وأما المائل بالتركيب والخلط (۳) ، فهو أن يطوى في سياق كلام تسوقه إلى نتيجة واحدة مقدمات مختلفة، أي حملية وشرطية منفصلة ومتصلة. مثاله قولك : العالم إما أن يكون قديما، وإما أن يكون محدثا، فإن كان قديما فهو ليس بمقارن للحوادث لكنه مقارن للحوادث من قبل أنه جسم، والجسم إن لم يكن مقارنا للحوادث يكون خاليا منها، والخالي من الحوادث ليس بمؤلف ولا يمكن أن يتحرك، فإذن العالم محدث؛ فهذا القياس مركب من شرطي منفصل ومن شرطي متصل، ومن جزمي على طريق الخلف ومن جزمي مستقيم، فتأمل أمثال ذلك فإنه كثير الورود في المناظرات (۱) ليس عليه الأمر تلبيسا : خلطه . (۲) قال تعالى : السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ [المائدة: ٣٨]. (۳) الخلط : ضم الشيء إلى الشيء .