المكتبة

المنطق

محمد رضا المظفر · 1955
322 مقطع — صفحة 5 من 7 (201–250)
#2001,322 حرف

لطريق قد يفضيه إلى الاعتقاد ما لم يحصل للجاحد نفس الطريق إلى الحدس. وكذلك المجربات والمتواترات لا يمكن إثباتها بالمذاكرة والتلقين ما لم يحصل للطالب ما حصل للمجرب من التجربة وللمتيقن بالخبر من التواتر. ولهذا يختلف الناس في الحدسيات والمجربات والمتواترات وإن كانت كلها من أقسام البديهيات. وليس كذلك الأوليات فإن الناس في اليقين بها شرع سواء وكذلك المحسوسات عند من كانوا صحيحي الحواس. ومثلها الفطريات الآتي ذكرها. ٦ الفطريات : وهي القضايا التي قياساتها معها أي أن العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات بل لابد لها من وسط إلا أن هذا الوسط ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر فكلما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه. مثل حكمنا بأن الاثنين خمس العشرة فإن هذا حكم بديهي إلا أنه معلوم بوسط لأن الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه وكل ما ينقسم عدد إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه فهو خمس ذلك العدد فالاثنان خمس العشرة. ومثل هذا القياس حاضر في الذهن لا يحتاج إلى كسب و نظر. ومثل هذا القياس يجري في كل نسبة عدد إلى آخر غير أن هذه النسب يختلف بعضها عن بعض في سرعة مبادرة الذهن إلى المطلوب وعدمها بسبب قلة الأعداد وزيادتها أو بسبب عادة الإنسان على التفكر فيها وعدمه. فإنك ترى الفرق واضحا في سرعة انتقال الذهن بين نسبة ٢ إلى ٤ وبين نسبة ١٣ إلى ٢٦ مع أن النسبة واحدة وهي النصف أو بين نسبة 3 إلى ۱۲ وبين نسبة 17 إلى 68 مع أن النسبة واحدة هي الربع... وهكذا.

#2011,702 حرف

ر فيها وعدمه. فإنك ترى الفرق واضحا في سرعة انتقال الذهن بين نسبة ٢ إلى ٤ وبين نسبة ١٣ إلى ٢٦ مع أن النسبة واحدة وهي النصف أو بين نسبة 3 إلى ۱۲ وبين نسبة 17 إلى 68 مع أن النسبة واحدة هي الربع... وهكذا. تمرينات ١ بين أي قسم من البديهيات الست يشترك في معرفتها جميع الناس وأي قسم منها يجوز أن يختلف في معرفتها الناس. ٢ هل يضر في بداهة الشيء أن يجهله بعض الناس؟ ولماذا؟ (راجع بحث البديهي في الجزء الأول). ارجع إلى ما ذكرناه في الجزء الأول من أسباب التوجه لمعرفة البديهي. وبين حاجة كل قسم من البديهيات الست إلى أي سبب منها. ضع ذلك في جدول. ٤ عين كل مثال من الأمثلة الآتية أنه من أي الأقسام الستة وهي: أ إن لكل معلول علة. ب لا يتخلف المعلول عن العلة. ج د يستحيل تقدم المعلول على العلة. يستحيل تقدم الشيء على نفسه. ه الضدان لا يجتمعان. و الظرف أوسع من المظروف. ز الصلاة واجبة في الإسلام. ح السماء فوقنا والأرض تحتنا. ط إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. ي - الثلاثة لا تنقسم بمتساويين. ك انتفاء الملزوم لا يلزم منه انتفاء اللازم لجواز كونه أعم. ل – نقيضا المتساويين متساويان. ه يقول المنطقيون إن إنتاج الشكل الأول بديهي فمن أي البديهيات هو؟ ٦ بني علماء الرياضيات جميع براهينهم على مبادئ بسيطة يدركها العقل لأول وهلة يسمونها البديهيات نذكر بعضها فبين أنها من أي أقسام البديهيات الست وهي: أ إذا أضفنا أشياء متساوية إلى أخرى متساوية كانت النتائج متساوية. ب - إذا طرحنا أشياء متساوية من أخرى متساوية كانت البواقي متساوية. ج المضاعفات الواحدة للأشياء المتساوية تكون متساوية فإن كان شيئان متساويين كان ثلاثة أمثال أحدهما مساويا لثلاثة أمثال الآخر. د إذا انقسم كل من الأشياء المتساوية إلى عدد واحد من أجزاء متساوية كانت هذه الأجزاء في الجميع متساوية. ه متساوية. الأشياء التي يمكن أن ينطبق كل منها على الآخر انطباقا تاما فهي (راجع بحث البديهية المنطقية آخر الباب الرابع (في الجزء۲) تجد توضيح بعض هذه البديهيات الرياضية).

#2021,035 حرف

ذه الأجزاء في الجميع متساوية. ه متساوية. الأشياء التي يمكن أن ينطبق كل منها على الآخر انطباقا تاما فهي (راجع بحث البديهية المنطقية آخر الباب الرابع (في الجزء۲) تجد توضيح بعض هذه البديهيات الرياضية). ٢. المظنونات مأخوذة من (الظن). والظن في اللغة أعم من اصطلاح المنطقيين هنا فإن المفهوم منه لغة حسب تتبع موارد استعماله هو الاعتقاد في غائب بحدس أو تخمين من دون مشاهدة أو دليل أو برهان سواء كان اعتقادا جازما مطابقا للواقع ولكن غير مستند إلى علته كالاعتقاد تقليدا للغير أو كان اعتقادا جازما غير مطابق للواقع وهو الجهل المركب أو كان اعتقادا غير جازم بمعنى ما يرجح فيه أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات مع تجويز الطرف الآخر. وهو يساوق الظن بالمعنى الأخص باصطلاح المنطقيين المقابل لليقين بالمعنى الأعم. والظن المقصود به باصطلاح المناطقة هو المعنى الأخير فقط وهو ترجيح أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات مع تجويز الطرف الآخر. وهو الظن بالمعنى الأخص. فالمظنونات - على هذا هي قضايا يصدق بها اتباعا لغالب الظن مع تجویز نقيضه كما يقال مثلا : فلان يسار عدوي فهو يتكلم علي أو فلان لا عمل له فهو سافل. أو فلان ناقص الخلقة في أحد جوارحه ففيه مركب النقص.

#2034,726 حرف

أخص. فالمظنونات - على هذا هي قضايا يصدق بها اتباعا لغالب الظن مع تجویز نقيضه كما يقال مثلا : فلان يسار عدوي فهو يتكلم علي أو فلان لا عمل له فهو سافل. أو فلان ناقص الخلقة في أحد جوارحه ففيه مركب النقص. . المشهورات وتسمى (الذايعات) أيضا. وهي قضايا اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها عند جميع العقلاء أو أكثرهم أو طائفة خاصة. وهي على معنيين: ۱ المشهورات بالمعنى الأعم وهي التي تطابقت على الاعتقاد بها آراء العقلاء كافة وإن كان الذي يدعو إلى الاعتقاد بها كونها أولية ضرورية في حد نفسها ولها واقع وراء تطابق الآراء عليها. فتشمل المشهورات بالمعنى الأخص الآتية وتشمل مثل الأوليات والفطريات التي هي من قسم اليقينيات البديهية. وعلى هذا فقد تدخل القضية الواحدة مثل قولهم (الكل أعظم من الجزء) في اليقينيات من جهة وفي المشهورات من جهة أخرى. ۲ المشهورات بالمعنى الأخص او المشهورات الصرفة وهي أحق بصدق وصف الشهرة عليها لأنها القضايا التي لا عمدة لها في التصديق إلا الشهرة وعموم الاعتراف بها كحسن العدل وقبح الظلم وكوجوب الذب عن الحرم واستهجان إيذاء الحيوان لا لغرض. فلا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الآراء عليها بل واقعها ذلك فلو خلي الإنسان وعقله المجرد وحسه ووهمه ولم تحصل له أسباب الشهرة الآتية فإنه لا يحصل له حكم بهذه القضايا ولا يقضي عقله أو حسه أو همه فيها بشيء. ولا ينافي ذلك أنه بنفسه يمدح العادل ويذم الظالم ولكن هذا غير الحكم بتطابق الآراء عليها. وليس كذلك حال حكمه بأن الكل أعظم من الجزء كما تقدم فإنه لو خلي ونفسه كان له هذا الحكم. وعلى هذا فيكون الفرق بين المشهورات واليقينيات - مع أن كلا منها تفيد تصديقا جازما أن المعتبر في اليقينيات كونها مطابقة لما عليه الواقع ونفس الأمر المعبر عنه بالحق واليقين والمعتبر في المشهورات مطابقتها لتوافق الآراء عليها إذ لا واقع لها غير ذلك. وسيأتي ما يزيد هذا المعنى توضيحا. ولذلك ليس المقابل للمشهور هو الكاذب بل الذي يقابله الشنيع وهو الذي ينكره الكافة أو الأكثر . ومقابل الكاذب هو الصادق. أقسام المشهورات: اعلم أن المشهورات قد تكون مطلقة وهي المشهورة عند الجميع وقد تكون محدودة وهي المشهورة عند قوم كشهرة امتناع التسلسل عند المتكلمين. وتنقسم أيضا إلى جملة أقسام بحسب اختلاف أسباب الشهرة. وهي حسب الاستقراء يمكن عد أكثرها كما يلي: ۱ الواجبات القبول: وهي ما كان السبب في شهرتها كونها حقا جليا فيتطابق من أجل ذلك على الاعتراف بها جميع العقلاء كالأوليات والفطريات ونحوهما. وهي التي تسمى بالمشهورات بحسب المعنى الأعم كما تقدم من جهة عموم الاعتراف بها. ٢ التأديبات الصلاحية: وتسمى المحمودات والآراء المحمودة. وهي ما تطابق عليها الآراء من أجل قضاء المصلحة العامة للحكم بها باعتبار أن بها حفظ النظام وبقاء النوع كقضية حسن العدل وقبح الظلم. ومعنى حسن العدل أن فاعله ممدوح لدى العقلاء ومعنى قبح الظلم أن فاعله مذموم لديهم. وهذا يحتاج إلى التوضيح والبيان فنقول : إن الإنسان إذا أحسن إليه أحد بفعل يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه الرضا عنه فيدعوه ذلك إلى جزائه وأقل مراتبه المدح على فعله. وإذا أساء إليه أحد بفعل لا يلائم مصلحته الشخصية فإنه يثير في نفسه السخط عليه فيدعوه ذلك إلى التشفي منه والانتقام وأقل مراتبه ذمه على فعله. وكذلك الإنسان يصنع إذا أحسن أحد بفعل يلائم المصلحة العامة من حفظ النظام الاجتماعي وبقاء النوع الإنساني فإنه يدعوه ذلك إلى جزائه وعلى الأقل يمدحه ويثني عليه وإن لم يكن ذلك الفعل يعود بالنفع لشخص المادح وإنما ذلك الجزاء لغاية حصول تلك المصلحة العامة التي تناله بوجه. وإذا أساء أحد بفعل لا يلائم المصلحة العامة ويخل بالنظام وبقاء النوع فإن ذلك يدعوه إلى جزائه بذمه على الأقل وإن لم يكن يعود ذلك الفعل بالضرر على شخص الذام وإنما ذلك لغرض دفع المفسدة العامة التي يناله ضررها بوجه. وكل عاقل يحصل له هذا الداعي للمدح والذم لغرض تحصيل تلك الغاية العامة. وهذه القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء من المدح والذم لأجل تحصيل المصلحة العامة تسمى (الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية. وهي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء. وسبب تطابق آرائهم شعورهم جميعا بما في ذلك من مصلحة عامة. وهذا هو معنى التحسين والتقبيح العقليين اللذين وقع الخلاف في إثباتهما بين الأشاعرة والعدلية فنفتهما الفرقة الأولى وأثبتتهما الثانية. فإذ يقول العدلية بالحسن والقبح العقليين يريدون أن الحسن و القبح من الآراء المحمودة والقضايا المشهورة التي تطابقت عليها الآراء لما فيها من التأديبات الصلاحية وليس لها واقع وراء تطابق الآراء. والمراد من (العقل) إذ يقولون أن العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه هو (العقل العملي) ويقابله العقل النظري). والتفاوت بينهما إنما هو بتفاوت المدركات فإن كان المدرك مما ينبغي أن يعلم مثل قولهم (الكل أعظم من الجزء الذي لا علاقة له بالعمل يسمى إدراكه عقلا نظريا). وإن كان المدرك مما ينبغي أن يفعل ويؤتى به أو لا يفعل مثل حسن العدل وقبح الظلم يسمى إدراكه عقلا عمليا). ومن هذا التقرير يظهر كيف اشتبه الأمر على من نفى الحسن والقبح في استدلالهم على ذلك بأنه لو كان الحسن والقبح عقليين لما وقع التفاوت بين هذا الحكم وحكم العقل بأن الكل أعظم من الجزء لأن العلوم الضرورية لا تتفاوت. ولكن لا شك بوقوع التفاوت بين الحكمين عند العقل. وقد غفلوا في استدلالهم إذ قاسوا قضية الحسن والقبح على مثل قضية الكل أعظم من الجزء . وكأنهم ظنوا أن كل ما حكم به العقل فهو من الضروريات مع أن قضية الحسن والقبح من المشهورات بالمعنى الأخص ومن قسم المحمودات خاصة والحاكم بها هو العقل العملي. وقضية الكل أعظم من

#2041,404 حرف

ل قضية الكل أعظم من الجزء . وكأنهم ظنوا أن كل ما حكم به العقل فهو من الضروريات مع أن قضية الحسن والقبح من المشهورات بالمعنى الأخص ومن قسم المحمودات خاصة والحاكم بها هو العقل العملي. وقضية الكل أعظم من الجزء من الضروريات الأولية والحاكم بها هو العقل النظري. وقد تقدم الفرق بين العقلين كما تقدم الفرق بين المشهورات والضروريات. فكان قياسهم قياسا مع الفارق العظيم والتفاوت واقع بينهما لا محالة ولا يضر هذا في كون الحسن والقبح عقليين فإنه اختلط عليهم معنى العقل الحاكم في مثل هذه القضايا فظنوه شيئا واحدا كما لم يفرقوا بين المشهورات واليقينيات فحسبوهما شيئا واحدا مع أنهما قسمان متقابلان. - الخلقيات: وتسمى الآراء المحمودة أيضا وهي - حسب تعريف المنطقيين - ما تطابق عليها آراء العقلاء من أجل قضاء الخلق الإنساني بذلك؛ كالحكم بوجوب محافظة الحرم أو الوطن وكالحكم بحسن الشجاعة والكرم وقبح الجبن والبخل. والخلق ملكة في النفس تحصل من تكرر الأفعال الصادرة من المرء على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة كالكرم فإنه لا يكون خلقا للإنسان إلا بعد أن يتكرر منه فعل العطاء بغير بدل حتى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلف. (أقول): هكذا عرفوا الخلقيات والخلق. فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى باعتباره داعيا للعقل العملي إلى إدراك أن هذا مما ينبغي فعله أو مما ينبغي تركه. ولكنا إذا وقفنا نجد أن الأخلاق الفاضلة غير عامة عند الجمهور بل القليل منهم من يتحلى بها مع أنه لا ينكر أن الخلقيات مشهورة يحكم بها حتى من لم يرزق الخلق الفاضل فإن الجبان يرى حسن الشجاعة ويمدح صاحبها ويتمناها لنفسه إذا رجع إلى

#2051,451 حرف

أخلاق الفاضلة غير عامة عند الجمهور بل القليل منهم من يتحلى بها مع أنه لا ينكر أن الخلقيات مشهورة يحكم بها حتى من لم يرزق الخلق الفاضل فإن الجبان يرى حسن الشجاعة ويمدح صاحبها ويتمناها لنفسه إذا رجع إلى نفسه وأصغى إليها ولكنه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة، وكذلك البخيل والمتكبر والكاذب. ولو كان الخلق بذلك المعنى هو السبب للحكم فيها لحكم الجبان بحسن الجبن وقبح الشجاعة والبخيل بقبح الكرم وحسن الإمساك والكذاب بقبح الصدق وحسن الكذب .... وهكذا. والصحيح في هذا الباب أن يقال: أن الله تعالى خلق في قلب الإنسان حسا وجعله حجة عليه يدرك به محاسن الأفعال ومقابحها وذلك الحس هو (الضمير) بمصطلح علم الأخلاق الحديث وقد يسمى بالقلب أو العقل العملي أو العقل المستقيم أو الحس السليم عند قدماء الأخلاق. وتشير إليه كتب الأخلاق عندهم. فهذا الحس في القلب أو الضمير هو صوت الله المدوي في دخيلة نفوسنا يخاطبها به ويحاسبها عليه. ونحن نجده كيف يؤنب مرتكب الرذيلة ويقر عين فاعل الفضيلة. وهو موجود في قلب كل إنسان وجميع الضمائر تتحد في الجواب عند استجوابها عن الأفعال فهي تشترك جميعا في التمييز بين الفضيلة والرذيلة وإن اختلفت في قوة هذا التمييز وضعفه كسائر قوى النفس إذ تتفاوت في الأفراد قوة وضعفا. ولأجل هذا كانت (الخلقيات) من المشهورات وإن كانت الأخلاق الفاضلة ليست عامة بين البشر بل هي من خاصة الخاصة. نعم الإصغاء إلى صوت الضمير والخضوع له لا يسهل على كل إنسان إلا بالانقطاع إلى دخيلة نفسه والتحول عن شهواته وأهوائه. كما أن الخلق عامة لا يحصل له وإن كان له ذلك الإصغاء إلا بتكرر العمل واتخاذه عادة حتى تتكون عنده ملكة الخلق التي يسهل معها الفعل. وبالأخص الخلق الفاضل

#2061,347 حرف

الانقطاع إلى دخيلة نفسه والتحول عن شهواته وأهوائه. كما أن الخلق عامة لا يحصل له وإن كان له ذلك الإصغاء إلا بتكرر العمل واتخاذه عادة حتى تتكون عنده ملكة الخلق التي يسهل معها الفعل. وبالأخص الخلق الفاضل فإن أفعاله التي تحققه تحتاج إلى مشقة وجهاد ورياضة لأنها دائما في حرب مع الشهوات والرغبات. وليس الظفر إلا بعد الحرب. ٤- الانفعاليات : وهي التي يقبلها الجمهور بسبب انفعال نفساني عام كالرقة والرحمة والشفقة والحياة والأنفة والحمية والغيرة ونحو ذلك من الانفعالات التي لا يخلو منها إنسان غالبا. فترى الجمهور يحكم مثلا بقبح تعذيب الحيوان لا لفائدة وذلك اتباعا لما في الغريزة من الرقة والرحمة. بل الجمهور بغريزته يحكم بقبح تعذيب ذي الروح مطلقا وإن كان لفائدة لولا أن تصرف عنه الشرايع والعادات. والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعتني برعاية الأيتام والمجانين لأنه مقتضى الرحمة والشفقة كما يحكم بقبح كشف العورة لأنه مقتضى الحياء ويمدح المدافع عن الأهل والعشيرة أو الوطن والأمة لأنه مقتضى الحمية والغيرة.. إلى غير ذلك من الأحكام العامة عند الناس. ه العاديات : وهي التي يقبلها الجمهور بسبب جريان العادة عندهم كاعتيادهم احترام القادم بالقيام والضيف بالضيافة والرجل الديني أو الملك بتقبيل يده فيحكمون لأجل ذلك بوجوب هذه الأشياء لمن يستحقها. والعادات العامة كثيرة. وقد تكون عادة لأهل بلد فقط أو قطر أو أمة أو جميع الناس فتختلف لأجلها القضايا التي يحكم بها حسب العادة فتكون مشهورة عند أهل بلد أو قطر أو أمة غير مشهورة عند غيرهم بل يكون المشهور ضدها.

#2071,391 حرف

ت العامة كثيرة. وقد تكون عادة لأهل بلد فقط أو قطر أو أمة أو جميع الناس فتختلف لأجلها القضايا التي يحكم بها حسب العادة فتكون مشهورة عند أهل بلد أو قطر أو أمة غير مشهورة عند غيرهم بل يكون المشهور ضدها. والناس يمدحون المحافظ على العادات ويذمون المخالف المستهين بها. سواء كانت العادات سيئة أو حسنة فنراهم يذمون من يرسل لحيته إذا كانوا اعتادوا حلقها ويذمون الحليق لأنهم اعتادوا إرسالها. ونراهم يذمون من يلبس غير المألوف لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه. ومن أجل ذلك نرى الشارع حرم (لباس الشهرة والظاهر أن سر التحريم أن لباس الشهرة يدعو إلى اشمئزاز الجمهور من اللابس وذمهم له. وأهم أغراض الشارع الألفة بين الناس وتقاربهم واجتماع كلمتهم. وورد عنه (رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه). كما ورد في الشريعة الإسلامية المطهرة أن منافيات المروة مضرة في العدالة كالأكل حال المشي في الطريق العام أو السوق والجلوس في الأماكن العامة كالمقاهي لشخص ليس من عادة صنفه ذلك. وما منافيات المروة إلا منافيات العادة المألوفة. ٦- الاستقرائيات : وهي التي يقبلها الجمهور بسبب استقرائهم التام أو الناقص كحكمهم بأن تكرار الفعل الواحد ممل وإن الملك الفقير لابد أن يكون ظالما إلى كثير من أمثال ذلك من القضايا الاجتماعية والأخلاقية ونحوها. وكثيرا ما يكفي عوام الناس وجمهورهم بوجود مثال واحد أو أكثر للقضية فتشتهر بينهم عندما لم يقفوا على نقض ظاهر لها كتشاؤم الأوربيين من رقم (۱۳) لأن واحدا منهم أو أكثر اتفق له أن نكب عندما كان له هذا الرقم وكتشاؤم العرب من نعاب الغراب وصيحة البومة كذلك. ومثل هذا كثير عند الناس. ٤. الوهميات

#208981 حرف

يقفوا على نقض ظاهر لها كتشاؤم الأوربيين من رقم (۱۳) لأن واحدا منهم أو أكثر اتفق له أن نكب عندما كان له هذا الرقم وكتشاؤم العرب من نعاب الغراب وصيحة البومة كذلك. ومثل هذا كثير عند الناس. ٤. الوهميات والمقصود بها القضايا الوهمية الصرفة. وهي قضايا كاذبة إلا أن الوهم يقضي بها قضاء شديد القوة فلا يقبل ضدها وما يقابلها حتى مع قيام البرهان على خلافها. فإن العقل يؤمن بنتيجة البرهان ولكن الوهم يعاند ولا يزال يتمثل ما قام البرهان على خلافه كما ألفه ممتنعا من قبول خلافه. ولذا تعد الوهميات من المعتقدات: ألا ترى أن الأكثر يستوحش من الظلام ويخاف منه مع أن العقل لا يجد فرقا في المكان بين أن يكون مظلما أو منيرا فإن المكان هو المكان في الحالين وليس للظلمة تأثير فيه يوجب الضرر أو الهلاك. ويخاف أيضا من الميت وهو جماد لا يتحرك ولا يضر ولا ينفع ولو عادت إليه الحياة فرضا فهو إنسان مثله كما كان حيا وقد يكون من أحب الناس إليه. ومع توجه النفس إلى هذه البديهية العقلية ينكرها الوهم ويعاند فيستولي على النفس فقد تضطرب من الظلمة ومن الميت لأن البديهة الوهمية أقوى تأثيرا على النفس من البرهان.

#2091,382 حرف

كان حيا وقد يكون من أحب الناس إليه. ومع توجه النفس إلى هذه البديهية العقلية ينكرها الوهم ويعاند فيستولي على النفس فقد تضطرب من الظلمة ومن الميت لأن البديهة الوهمية أقوى تأثيرا على النفس من البرهان. ولأجل أن يتضح لك هذا الأمر جرب نفسك واسأل أصدقاءك: كيف يتمثل لأحدكم في وهمه دورة شهور السنة؟ تأمل ما أريد أن أقول لك. فإن الإنسان على الأكثر لابد أن يتوهم دورة شهور السنة أو أيامها بشكل محسوس من الأشكال الهندسية (تأمل في نفسك جيدا أنه لابد أن نتوهم هذه الدورة على شكل دائرة منتظمة أو غير منتظمة أو مضرسا بعدد الشهور أو شكلا مضلعا متساوي الأضلاع أو غير منتظم في أضلاع أربعة أو أكثر أو أقل. مع أن السنة ودورة أيامها وشهورها من المعاني المجردة غير المحسوسة وهذا واضح للعقل غير أن الوهم إذا خطرت له السنة تمثلها في شكل هندسي وهمي يخترعه في أيام طفولته من حيث لا يشعر ويبقى وهمه معاندا مصرا على هذا التمثل الكاذب. ولعلم الإنسان بكذب هذا الوهم وسخافته قد يخجل من ذكره لغيره ولكنه لا ينفك عنه في سره. وإنما أذكر هذا المثال لأنه يسير لا خطر في ذكره وهو يؤدي الغرض من ذكره. والسر في ذلك أن الوهم تابع منقاد للحس ومكبل به فما لا يقبله الحس لا يقبله الوهم إلا لابسا ثوب المحسوس وإن كانت له قابلية إدراك المجردات عن الحس كقابليته لإدراك المحسوسات. فإذا كانت أحكام الوهم جارية في نفس المحسوسات فإن العقل يصدقه فيها فيتطابقان في الحكم كما في الأحكام الهندسية ومثل ما إذا حكم الوهم بأن هذين الجسمين لا يحلان في مكان واحد بوقت واحد فإن العقل أيضا يساعده فيه لحكمه بأن كل جسمين مطلقا كذلك فيتطابقان.

#2101,431 حرف

إن العقل يصدقه فيها فيتطابقان في الحكم كما في الأحكام الهندسية ومثل ما إذا حكم الوهم بأن هذين الجسمين لا يحلان في مكان واحد بوقت واحد فإن العقل أيضا يساعده فيه لحكمه بأن كل جسمين مطلقا كذلك فيتطابقان. وإذا كانت أحكامه في غير المحسوسات وهي التي نسميها بالقضايا الوهمية الصرفة فلابد أن تكون كاذبة لإصرار الوهم على تمثيلها على نهج المحسوسات. وهي بحسب ضرورة العقل ليست منها كما سبق في الأمثلة المتقدمة فإن العقل هو الذي ينزع عنها ثوب الحس الذي أضفاه عليها الوهم. ومن أمثلة ذلك حكم الوهم بأن كل موجود لابد أن يكون مشارا إليه وله وضع وحيز . ولا يمكنه أن يتمثله إلا كذلك حتى أنه يتمثل الله تعالى في مكان مرتفع علينا وربما كانت له هيئة إنسان مثلا. ويعجز أيضا عن تمثيل القبلية والبعدية غير الزمانية ويعجز عن تمثيل اللانهاية فلا يتمثل عنده كيف أنه تعالى كان وليس معه شيء حتى الزمان وأنه سرمدي لا أول لوجوده ولا آخر. وإن كان العقل – حسبما يسوق إليه البرهان يستطيع أن يؤمن بذلك ويصدق به تصديقا لا يتمثل في النفس لأن الوهم له السيطرة والاستيلاء عليها من هذه الجهة. فإن كان الوهم مسيطرا على النفس على وجه لا يدع له مجالا للتصديق بوجود مجرد عن الزمان والمكان فإن العقل عندما يمنعها من تجسيمه وتمثيله كالمحسوس تهرب النفس من حكم العقل وتلتجئ إلى أن تنكر وجوده رأسا شأن الملحدين. بين مجسم وه ومن أجل هذا كان الناس لغلبة الوهم على نفوسهم ملحد. وقل من يتنور بنور العقل ويجرد نفسه عن غلبة أوهامها فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم. ولذا قال تعالى في كتابه المجيد: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} فنفى الإيمان عن أكثر الناس. ثم هؤلاء المؤمنون

#2111,272 حرف

قل من يتنور بنور العقل ويجرد نفسه عن غلبة أوهامها فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم. ولذا قال تعالى في كتابه المجيد: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} فنفى الإيمان عن أكثر الناس. ثم هؤلاء المؤمنون القليلون قال عنهم: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يعني أنهم في حين إيمانهم هم مشركون. وما ذلك إلا لأنهم لغلبة الوهم إنما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم وإلا كيف يجتمع الإيمان والشرك في آن واحد إذا أريد بالشرك من الآية معناه المعروف وهو العبادة للأصنام الظاهرية. والخلاصة أن القضايا الوهمية الصرفة التي نسميها (الوهميات) هي عبارة عن أحكام الوهم في المعاني المجردة عن الحس. وهي قضايا كاذبة لا ظل لها من الحقيقة ولكن بديهة الوهم لا تقبل سواها. ولذلك يستخدمها المغالط في أقيسته كما سيأتي في صناعة المغالطة). إلا أن العقل السليم من تأثير الوهم يتجرد عنه ولا يخضع لحكمه فيكشف كذب أحكامه للنفس. ه. المسلمات وهي قضايا حصل التسالم بينك وبين غيرك على التسليم بأنها صادقة سواء كانت صادقة في نفس الأمر أو كاذبة كذلك أو مشكوكة. والطرف الآخر إن كان خصما فإن استعمال المسلمات في القياس معه يراد به إفحامه. وإن مسترشدا فإنه يراد به إرشاده وإقناعه ليحصل له الاعتقاد بالحق بأقرب طريق عندما لا يكون مستعدا لتلقي البرهان وفهمه. ثم إن المسلمات إما (عامة) سواء كان التسليم بها من الجمهور عندما تكون من المشهورات أو كان التسليم بها من طائفة خاصة كأهل دين أو ملة أو علم خاص.

#2121,477 حرف

لحق بأقرب طريق عندما لا يكون مستعدا لتلقي البرهان وفهمه. ثم إن المسلمات إما (عامة) سواء كان التسليم بها من الجمهور عندما تكون من المشهورات أو كان التسليم بها من طائفة خاصة كأهل دين أو ملة أو علم خاص. وخصوص هذه المسلمات في علم خاص تسمى (الأصول الموضوعة لذلك العلم عندما يكون التسليم بها عن مسامحة على سبيل حسن الظن من المتعلم بالمعلم. وهذه الأصول الموضوعة هي مبادئ ذلك العلم التي تبتني عليها براهينه وإن كان قد يبرهن عليها في علم آخر، وأما إذا كان التسليم بها من المتعلم من باب المجاراة مع الاستنكار والتشكيك بها كما يقع ذلك في المجادلات فتسمى حينئذ ب (المصادرات). وإما (خاصة ) إذا كان التسليم بها من شخص معين وهو طرفك الآخر في مقام الجدل والمخاصمة كالقضية التي تؤخذ من اعترافات الخصم ليبتني عليها الاستدلال في إبطال مذهبه أو دفعه. ٦. المقبولات وهي قضايا مأخوذة ممن يوثق بصدقه تقليدا، إما لأمر سماوي كالشرائع والسنن المأخوذة عن النبي والإمام المعصوم وإما لمزيد عقله وخبرته كالمأخوذات من الحكماء وأفاضل السلف والعلماء الفنيين من آراء في الطب أو الاجتماع أو الأخلاق أو نحوها وكأبيات تورد شواهد لشاعر معروف وكالأمثال السائرة التي تكون مقبولة عند الناس وإن لم تؤخذ من شخص معين وكالقضايا الفقهية المأخوذة تقليدا عن المجتهد. إن هذه القضايا وأمثالها هي من أقسام المعتقدات والاعتقاد بها إما على سبيل القطع أو الظن الغالب ولكن على كل حال منشأ الاعتقاد بها هو التقليد للغير الموثوق بقوله كما قدمنا . وبهذا تفترق عن اليقينيات والمظنونات. وقد تكون قضية واحدة يقينية عند شخص ومقبولة عند شخص آخر باعتبارين كما قد تكون من المشبهات أو المسلمات باعتبار ثالث أو رابع ... وهكذا. . المشبهات

#2131,013 حرف

بقوله كما قدمنا . وبهذا تفترق عن اليقينيات والمظنونات. وقد تكون قضية واحدة يقينية عند شخص ومقبولة عند شخص آخر باعتبارين كما قد تكون من المشبهات أو المسلمات باعتبار ثالث أو رابع ... وهكذا. . المشبهات وهي قضايا كاذبة يعتقد بها لأنها تشبه اليقينيات أو المشهورات في الظاهر فيغالط فيها المستدل غيره لقصور تمييز ذلك الغير بين ما هو هو وبين ما هو غيره أو لقصور نفس المستدل أو لغير ذلك. والمشابهة إما من ناحية لفظية مثل ما لو كان اللفظ مشتركا أو مجازا فاشتبه الحال فيه وإما من ناحية معنوية مثل ما لو وضع ما ليس بعلة علة ونحو ذلك. وتفصيل أسباب الاشتباه يأتي في صناعة المغالطة لأن مادة المغالطة هي المشبهات والوهميات. وأهمها المشبهات. . المخيلات وهي قضايا ليس من شأنها أن توجب تصديقا إلا أنها توقع في النفس تخيلات تؤدي إلى انفعالات نفسية من انبساط في النفس أو انقباض ومن استهانة بالأمر الخطير أو تهويل أو تعظيم للشيء اليسير ومن سرور وانشراح أو حزن وتألم ومن شجاعة وإقدام أو جبن وإحجام. وتأثير هذه القضايا التي هي مواد صناعة الشعر كما سيأتي في النفس ناشئ من تصوير المعنى بالتعبير تصويرا خياليا خلابا وإن كان لا واقع له.

#214992 حرف

ليسير ومن سرور وانشراح أو حزن وتألم ومن شجاعة وإقدام أو جبن وإحجام. وتأثير هذه القضايا التي هي مواد صناعة الشعر كما سيأتي في النفس ناشئ من تصوير المعنى بالتعبير تصويرا خياليا خلابا وإن كان لا واقع له. وكلما استعملت المجازات والتشبيهات والاستعارات وأنواع البديع في مثل هذه القضايا كانت أكثر تأثيرا في النفس لأن هذه المزايا تضفي على الألفاظ والمعاني جمالا يستهوي المشاعر ويثير التخيلات. وإذا انضم إليها الوزن والقافية أو التسجيع والازدواج زاد تأثيرها. ثم يتضاعف الأثر إذا كان الصوت المؤدي لها رقيقا ومشتملا على نغمة موسيقية مناسبة للوزن ونوع التخيل. كل ذلك يدل على أن المخيلات ليس تأثيرها في النفس لأجل كونها تتضمن حقيقة يصدق بها بل حتى لو علم كذبها فإن لها ذلك التأثير المنتظر منها. وما ذلك إلا لأن التصوير فيها للمعنى مع ما ينضم إليه من مساعدات هو الذي يستهوي النفس ويؤثر فيها. وسيأتي تفصيل ذلك في صناعة الشعر. وبهذا ينتهي ما أردناه من الكلام على مواد الأقيسة في هذه المقدمة. ولابد قبل الدخول في الصناعات الخمس من بيان الحصر فيها وبيان فائدتها على الإجمال؛ فنقول : أقسام الأقيسة بحسب المادة

#2153,397 حرف

ذلك في صناعة الشعر. وبهذا ينتهي ما أردناه من الكلام على مواد الأقيسة في هذه المقدمة. ولابد قبل الدخول في الصناعات الخمس من بيان الحصر فيها وبيان فائدتها على الإجمال؛ فنقول : أقسام الأقيسة بحسب المادة تقدم في التمهيد لهذا الباب أن القياس بحسب اختلاف المقدمات من حيث المادة وبحسب ما تؤدي اليه من نتائج وبحسب أغراض تأليفها ينقسم إلى البرهان والجدل والخطابة والشعر والمغالطة. بيان ذلك: إن القياس بحسب اختلاف المقدمات من جهة كونها يقينية أو غير يقينية - إما أن يفيد تصديقا وإما تأثيرا آخر غير التصديق من التخييل والتعجب ونحوهما. ثم (الأول) إما أن يفيد تصديقا جازما لا يقبل احتمال الخلاف أو تصديقا غير جازم يجوز فيه الخلاف أي (ظنيا). ثم ما يفيد تصديقا جازما إما أن يعتبر فيه أن يكون تأليفه لغرض أن ينتج حقا أم لا. ثم ما يعتبر فيه إنتاج الحق إما أن تكون النتيجة حقا واقعا أم لا. فهذه خمسة أنواع: ١ ما يفيد تصديقا جازما وكان المطلوب حقا واقعا وهو (البرهان) والغرض منه معرفة الحق من جهة ما هو حق واقعا. ٢ ما يفيد تصديقا جازما وقد اعتبر فيه أن يكون المطلوب حقا ولكنه ليس بحق واقعا. وهو (المغالطة). ما يفيد تصديقا جازما ولكن لم يعتبر فيه أن يكون المطلوب حقا بل المعتبر فيه عموم الاعتراف أو التسليم وهو (الجدل). والغرض منه إفحام الخصم وإلزامه. ٤ ما يفيد تصديقا غير جازم. وهو (الخطابة) والغرض منه إقناع الجمهور. ه ما يفيد غير التصديق من التخييل والتعجب ونحوهما وهو (الشعر) والغرض منه حصول الانفعالات النفسية. ثم إن البحث عن كل واحد من هذه الصناعات الخمس أو القدرة على استعمالها عند الحاجة يسمى (صناعة) فيقال: صناعة البرهان وصناعة المغالطة ... الخ. والصناعة اصطلاحا ملكة نفسانية وقدرة مكتسبة يقتدر بها على استعمال أمور لغرض من الأغراض صادرا ذلك الاستعمال عن بصيرة بحسب الإمكان كصناعة الطب والتجارة والحياكة مثلا. ولذا من يغلط في أقيسته لا عن بصيرة ومعرفة بموقع الغلط لا يقال أن عنده صناعة المغالطة بل من عنده الصناعة هو الذي يعرف أنواع المغالطات ويميز بين القياس الصحيح من غيره ويغالط في أقيسته عن عمد وبصيرة. والصناعة على قسمين علمية وعملية وهذه الصناعات الخمس من الصناعات العلمية النافعة، وسيأتي في البحث الآتي بيان فائدتها. فائدة الصناعات الخمس على الإجمال: أما منافع هذه الصناعات الخمس والحاجة إليها فإن صناعتي البرهان والمغالطة تختص فائدتهما على الأكثر بمن يتعاطى العلوم النظرية ومعرفة الحقائق الكونية ولكن منفعة صناعة البرهان له فبالذات كمعرفة الأغذية في نفعها لصحة الإنسان ومنفعة صناعة المغالطة له فبالعرض كمعرفة السموم في نفعها للاحتراز عنها. وأما الثلاث الباقية فإن فائدتها عامة للبشر وتدخل في أكثر المصالح المدنية والاجتماعية. وأكثر ما تظهر فائدة صناعة الجدل لأهل الأديان وعلماء الفقه وأهل المذاهب السياسية لحاجتهم إلى المناظرة والنقاش. وأكثر ما تظهر فائدة صناعتي الخطابة والشعر للسياسيين وقواد الحروب ودعاة الإصلاح لحاجتهم إلى إقناع الجمهور ورضاهم وبعث الهمم فيهم وتحريض الجنود والأتباع على الإقدام والتضحية. بل كل رئيس وصاحب دعوة حقة أو باطلة لا يستغني عن استعمال هذه الصناعات الثلاث للتأثير على أتباعه ومريديه ولتكثير أنصاره. ومن العجب إهمال أكثر المؤلفين في المنطق بحث هذه الصناعات تفريطا بغير وجه مقبول إلا أولئك الذين ألفوا المنطق مقدمة للفلسفة فإن من حقهم أن يقتصروا على مباحث البرهان والمغالطة كما صنع صاحب الإشارات والحاج هادي السبزواري في منظومته، إذ لا حاجة لهم في باقي الصناعات. وأهم ما يحتاج إليه منها ثلاث: البرهان والجدل والخطابة. وقد ورد في القرآن الكريم الترغيب في استعمال الأساليب الثلاثة في الدعوة الإلهية وذلك قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} فإن الحكمة هي البرهان والموعظة الحسنة من صناعة الخطابة ومن آداب الجدل أن يكون بالتي هي أحسن. هذا كل ما أردنا ذكره في المقدمة. وقد آن الشروع في بحث هذه الصناعات في خمسة فصول. وعلى الله التكلان.

#2161,083 حرف

ي أحسن} فإن الحكمة هي البرهان والموعظة الحسنة من صناعة الخطابة ومن آداب الجدل أن يكون بالتي هي أحسن. هذا كل ما أردنا ذكره في المقدمة. وقد آن الشروع في بحث هذه الصناعات في خمسة فصول. وعلى الله التكلان. الفصل الأول صناعة البرهان 1. حقيقة البرهان إن العلوم الحقيقية التي لا يراد بها إلا الحق الصراح لا سبيل لها إلا سبيل البرهان لأنه هو وحده من بين أنواع القياس الخمسة يصيب الحق ويستلزم اليقين بالواقع والغرض منه معرفة الحق من جهة ما هو حق سواء كان سعي الإنسان للحق لأجل نفسه ليناجيها به وليعمر عقله بالمعرفة أو لغيره لتعليمه وإرشاده إلى الحق. ولذلك يجب على طالب الحقيقة ألا يتبع إلا البرهان وإن استلزم قولا لم يقل به أحد قبله. وقد عرفوه بأنه: «قياس مؤلف من يقينيات ينتج يقينا بالذات اضطرارا» وهو نعم التعريف سهل واضح مختصر. ومن الواضح أن كل حجة لابد أن تتألف من مقدمتين والمقدمتان قد تكونان یک من القضايا الواجبة القبول وهي اليقينيات التي مر ذكرها وقد لا تكونان منها بل تكون واحدة منهما أو كلتاهما من أنواع القضايا الأخرى السبع التي تقدم شرحها في مقدمة هذا الباب. ثم المقدمة اليقينية إما أن تكون في نفسها بديهية من إحدى البديهيات الست المتقدمة وإما أن تكون نظرية تنتهي إلى البديهيات.

#2171,320 حرف

هما أو كلتاهما من أنواع القضايا الأخرى السبع التي تقدم شرحها في مقدمة هذا الباب. ثم المقدمة اليقينية إما أن تكون في نفسها بديهية من إحدى البديهيات الست المتقدمة وإما أن تكون نظرية تنتهي إلى البديهيات. فإذا تألفت الحجة من مقدمتين يقينيتين سميت (برهانا). ولابد أن ينتجا قضية يقينية لذات القياس المؤلف منهما اضطرارا عندما يكون تأليف القياس في صورته يقينيا أيضا كما كان في مادته فيستحيل حينئذ تخلف النتيجة لاستحالة تخلف المعلول عن علته فيعلم بها اضطرارا لذات المقدمتين بما لهما من هيئة التأليف على صورة قياس صحيح. وهذا معنى أن نتيجة البرهان ضرورية. ويعنون بالضرورة هنا معنى آخر غیر معنى (الضرورة) في الموجهات على ما سيأتي. والخلاصة أن البرهان يقيني واجب القبول مادة وصورة وغايته أن ينتج اليقين الواجب القبول أي اليقين بالمعنى الأخص. ٢. البرهان قياس ذكرنا في تعريف البرهان بأنه (قياس) وعليه فلا يسمى الاستقراء ولا التمثيل برهانا. وعلل بعضهم ذلك بأن الاستقراء والتمثيل لا يفيدان اليقين ويجب في البرهان أن يفيد اليقين. ومع والحق أن الاستقراء قد يفيد اليقين وكذلك التمثيل على ما تقدم في بابهما في الجزء الثاني بل تقدم أن أساس أكثر كبريات الأقيسة هو الاستقراء المعلل ذلك لا يسمى الاستقراء ولا التمثيل برهانا. والسر في ذلك أن الاستقراء المفيد لليقين وكذا التمثيل إنما يفيد اليقين حيث يعتمد على القياس كما شرحناه في التجربيات. وأشرنا في الجزء الثاني ص ٢٩٥ إلى أن الاستقراء التام يرجع إلى القياس المقسم فراجع. أما الاستقراء الناقص

#218597 حرف

استقراء المفيد لليقين وكذا التمثيل إنما يفيد اليقين حيث يعتمد على القياس كما شرحناه في التجربيات. وأشرنا في الجزء الثاني ص ٢٩٥ إلى أن الاستقراء التام يرجع إلى القياس المقسم فراجع. أما الاستقراء الناقص المبني على المشاهدة فقط فإنه لا يفيد اليقين لأنه لا يرجع إلى القياس ولا يعتمد عليه. فاتضح بالأخير أن المفيد لليقين هو القياس فقط. وليس معنى ذلك أن العلوم تستغني عن الاستقراء والتمثيل أو التقليل من شأنهما في العلوم بل العلوم الطبيعية بأنواعها وعلم الطب ونحوه كلها تبتني على المجربات التي لا تحصل للعقل بدون الاستقراء والتمثيل ولكن إنما تفيد اليقين حيث تعتمد على القياس. فرجع الأمر كله إلى القياس.

#2191,245 حرف

ن شأنهما في العلوم بل العلوم الطبيعية بأنواعها وعلم الطب ونحوه كلها تبتني على المجربات التي لا تحصل للعقل بدون الاستقراء والتمثيل ولكن إنما تفيد اليقين حيث تعتمد على القياس. فرجع الأمر كله إلى القياس. ٣. البرهان لمي وإني إن العمدة في كل قياس هو الحد الأوسط فيه لأنه هو الذي يؤلف العلاقة بين الأكبر والأصغر فيوصلنا إلى النتيجة (المطلوب). وفي البرهان خاصة لابد أن يفرض الحد الأوسط علة لليقين بالنتيجة أي لليقين بنسبة الأكبر إلى الأصغر وإلا لما كان الاستدلال به أولى من غيره. ولذا يسمى الحد الأوسط واسطة في الإثبات). وعليه فالحد الأوسط إما أن يكون مع كونه واسطة في الإثبات واسطة في الثبوت أيضا أي يكون علة لثبوت الأكبر للأصغر وإما أن لا يكون واسطة في الثبوت. فإن كان الأول (أي أنه واسطة في الإثبات والثبوت (معا) فإن البرهان حينئذ يسمى (برهان (لم) أو (البرهان اللمي) لأنه يعطي اللمية في الوجود والتصديق معا فهو معط للمية مطلقا فسمي به كقولهم: (هذه الحديدة ارتفعت حرارتها وكل حديدة ارتفعت حرارتها فهي متمددة فينتج هذه الحديدة متمددة) فالاستدلال بارتفاع الحرارة على التمدد استدلال بالعلة على المعلول. فكما أعطت الحرارة الحكم بوجود التمدد في الذهن للحديدة كذلك هي معطية في نفس الأمر والخارج وجود التمدد لها. وإن كان الثاني (أي أنه واسطة في الإثبات فقط ولم يكن واسطة في الثبوت) فيسمى (برهان إن) أو (البرهان الإتي) لأنه يعطي الإنية. والإنية مطلق الوجود.

#2201,767 حرف

ديدة كذلك هي معطية في نفس الأمر والخارج وجود التمدد لها. وإن كان الثاني (أي أنه واسطة في الإثبات فقط ولم يكن واسطة في الثبوت) فيسمى (برهان إن) أو (البرهان الإتي) لأنه يعطي الإنية. والإنية مطلق الوجود. ٤. أقسام البرهان الإتي والبرهان الإتي على قسمين: ١ أن يكون الأوسط معلولا للأكبر في وجوده في الأصغر لا علة عكس (برهان لم كما لو قيل في المثال المتقدم : ( هذه الحديدة متمددة وكل حديدة متمددة مرتفعة درجة حرارتها). فالاستدلال بالتمدد على ارتفاع درجة الحرارة استدلال بالمعلول على العلة . فيقال فيه إنه يستكشف بطريق الإن من وجود المعلول على وجود العلة فيكون العلم بوجود المعلول سببا للعلم بوجود العلة. فلذلك يكون المعلول واسطة في الإثبات أي علة للعلم بالعلة وإن كان معلولا لها في الخارج. ويسمى هذا القسم من البرهان الإني (الدليل). أن يكون الأوسط والأكبر معا معلولين لعلة واحدة فيستكشف من وجود أحدهما وجود الآخر فكل منهما إذا سبق العلم به يكون العلم به علة للعلم بالآخر ولكن لا لأجل أن أحدهما علة للآخر بل لكونهما متلازمين في الوجود لاشتراكهما في علة واحدة إذا وجدت لابد أن يوجدا معا فإذا علم بوجود أحدهما يعلم منه وجود علته لاستحالة وجود المعلول بلا علة وإذا علم بوجود العلة علم منها وجود المعلول الآخر لاستحالة تخلف المعلول عن العلة. فيكون العلم على هذا بأحد المعلولين مستلزما للعلم بالآخر بواسطة. وليس لهذا القسم الثاني اسم خاص. وبعضهم لا يسميه البرهان الإني بل يجعل البرهان الإني مختصا بالقسم الأول المسمى بالدليل ويجعل هذا القسم واسطة بينه وبين اللمي. فتكون أقسام البرهان ثلاثة: لمي وإني وواسطة بينهما. وفي الحقيقة أن هذا القسم فيه استكشافان واستدلالان: استدلال بالمعلول على العلة المشتركة ثم استدلال بالعلة المشتركة على المعلول الآخر كما تقدم ففيه خاصة البرهان الإني في الاستدلال الأول وخاصة البرهان اللمي في الاستدلال الثاني. فلذا جعلوه واسطة بينهما لجمعه بين الطريقتين. والأحسن جعله قسما ثانيا للإني كما صنع كثير من المنطقيين رعاية للاستدلال الأول فيه. والأمر سهل.

#2214,125 حرف

في الاستدلال الأول وخاصة البرهان اللمي في الاستدلال الثاني. فلذا جعلوه واسطة بينهما لجمعه بين الطريقتين. والأحسن جعله قسما ثانيا للإني كما صنع كثير من المنطقيين رعاية للاستدلال الأول فيه. والأمر سهل. ه. الطريق الأساس الفكري لتحصيل البرهان عند العقلاء قضيتان أوليتان لا يشك فيهما إلا مكابر أو مريض العقل لأنهما أساس كل تفكير ولم يتم اختراع ولا استنباط ولا برهان بدونهما حتى الاعتقاد بوجود خالق الكائنات وصفاته مرتكز عليهما. وهما: ١ - (أن كل ممكن لابد له من علة في وجوده. ويعبر عن هذه البديهة أيضا بقولهم: (استحالة وجود الممكن بلا علة). - كل معلول يجب وجوده عند وجود علته). ويعبر عنها أيضا بقولهم: (استحالة تخلف المعلول عن العلة). ولما كان اليقين بالقضية من الحوادث الممكنة فلابد له من علة موجبة لوجوده بناء على البديهة الأولى. وهذه العلة قد تكون من الداخل وقد تكون من الخارج. (الأول) - أن تكون من الداخل. ومعنى ذلك أن نفس تصور أجزاء القضية طرفي النسبة ) علة للحكم والعلم بالنسبة كقولنا: (الكل أعظم من الجزء) وقولنا: (النقيضان لا يجتمعان والبديهيتان اللتان مر ذكرهما في صدر البحث أيضا من هذا الباب فإن نفس تصور الممكن والعلة كاف للحكم باستحالة وجود الممكن بلا علة ونفس تصور العلة والمعلول كاف للحكم باستحالة تخلفه عن علته فلا يحتاج اليقين في مثل هذه القضايا إلى شيء آخر وراء نفس تصور طرفي القضية. ولذا تسمى هذه القضايا ب (الأولية) كما تقدم في بابها لأنها أسبق من كل قضية لدى العقل. ولأجل هذا قالوا أن القضايا الأوليات هي العمدة في مبادئ البرهان. (الثاني) - أن تكون العلة من الخارج. وهذه العلة الخارجة على نحوين: ١ أن تكون إحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة وذلك في المشاهدات والمتواترات اللتين هما من البديهيات الست. وقضاياها من الجزئيات فإن العقل هو الذي يدرك أن هذه النار حارة أو مكة موجودة ولكن إدراكه لهذه الأشياء ليس ابتداء بمجرد تصور الطرفين ولا بتوسط مقدمات عقلية. وإنما بتوسط إحدى الحواس وهي جنوده التي يستعين بها في إدراك المشاهدات ونحوها فإنه يدرك الطعم بالذوق واللون بالبصر والصوت بالسمع... وهكذا، ثم يدرك بقوة أخرى بأن ما له هذا اللون الأصفر مثلا له هذا الطعم الحامض. وقول الحكماء أن العقل لا يدرك الجزئيات فإن غرضهم أنه لا يدرك الجزئيات بنفسه بدون استعمال آلة إدراكية وإلا فليس المدرك للكليات والجزئيات إلا القوة العاقلة. ولا يمكن أن يكون للسمع والبصر ونحوهما وجود وإدراك مع قطع النظر عنها غير أن إدراك القوة العاقلة للمحسوسات لا يحتاج إلى أكثر من استعمال آلة الإدراك المختصة في ذلك المحسوس. ويختص إدراك القوة العاقلة بتوسط الآلة في خصوص الجزئيات لأن الحس بانفراده لا يفيد رأيا كليا لأن حكمه مخصوص بزمان الإحساس فقط وإذا أراد أن يتجاوز الإدراك إلى الأمور الكلية فلابد أن يستعين بمقدمات عقلية وقياسات منطقية ليستفيد منها الرأي الكلي. فالمشاهدات وكذلك المتوترات تصلح لأن تكون مبادئ يقتنص منها التصورات الكلية والتصديقات العامة بل لولا تتبع المشاهدات لم نحصل على كثير من المفاهيم الكلية والآراء العلمية. ولذا قيل من فقد حسا فقد علما). وتفصيل هذه الأبحاث يحتاج إلى سعة من القول لا يساعد عليه هذا الكتاب. أن تكون العلة الخارجة هي القياس المنطقي. وهذا القياس على قسمين: (القسم الأول) أن يكون حاضرا لدى العقل لا يحتاج إلى إعمال فكر فلابد أن يكون معلوله وهو اليقين بالنتيجة حاضرا أيضا ضروري الثبوت. وهذا شأن المجربات والحدسيات والفطريات التي هي من أقسام البديهيات، إذ قلنا سابقا أن المجربات والحدسيات تعتمد على قياس خفي حاضر لدى الذهن والفطريات قضايا قياساتها معها. وإنما سميت (ضرورية لضرورة اليقين بها بسبب حضور علتها لدى العقل بلا كسب. وإلى هنا انتهى بنا القول إلى استقصاء جميع البديهيات الست التي هي أساس البراهين وركيزة كل تفكير ورأس المال العلمي لتاجر العلوم وإلى استقصاء أسباب اليقين بها. فالأوليات علة يقينها من الداخل والمشاهدات والمتواترات علتها من الخارج وهي الآلة الحاسة والثلاث الباقية علتها من الخارج أيضا وليست هي إلا القياس الحاضر. (القسم الثاني) أن لا يكون القياس حاضرا لدى العقل فلابد للحصول على اليقين من السعي لاستحضاره بالفكر والكسب العلمي وذلك بالرجوع إلى البديهيات (وهذا هو موضع الحاجة إلى البرهان فإذا حضر هذا القياس انتظم البرهان إما على طريق اللم أو الإن. فاستحضار علة اليقين غير الحاضرة هو الكسب وهو المحتاج إلى النظر والفكر والذي يدعو إلى هذا الاستحضار البديهية الأولى المذكورة في صدر البحث وهي استحالة وجود الممكن بلا علة وإذا حضرت العلة انتظم البرهان كما قلنا أي يحصل اليقين بالنتيجة وذلك بناء على البديهية الثانية وهي استحالة تخلف المعلول عن العلة. فاتضح من جميع ما ذكرنا كيف نحتاج إلى البرهان وسر الحاجة إليه وأنه يرتكز أساسه على هاتين البديهتين اللتين هما الطريق الأساس الفكري لتحصيل كل برهان.

#2221,803 حرف

بديهية الثانية وهي استحالة تخلف المعلول عن العلة. فاتضح من جميع ما ذكرنا كيف نحتاج إلى البرهان وسر الحاجة إليه وأنه يرتكز أساسه على هاتين البديهتين اللتين هما الطريق الأساس الفكري لتحصيل كل برهان. ٦. البرهان اللمي مطلق وغير مطلق قد عرفت أن البرهان اللمي ما كان الأوسط فيه علة لثبوت الأكبر للأصغر ومعنى ذلك أنه علة للنتيجة. وهذا على نحوين: 1 أن يكون علة لوجود الأكبر في نفسه على الإطلاق ولأجل هذا يكون علة لثبوته للأصغر باعتبار أن المحمول الذي هو الأكبر هنا ليس وجوده إلا وجوده لموضوعه وهو الأصغر وليس له وجود مستقل عن وجود موضوعه كالمثال المتقدم وهو مثال علية ارتفاع الحرارة لتمدد الحديدة. ويسمى هذا النحو (البرهان اللمي المطلق). ٢ أن لا يكون علة لوجود الأكبر على الإطلاق وإنما يكون علة لوجوده في الأصغر. ويسمى هذا النحو (البرهان اللمي غير المطلق). وإنما صح أن يكون علة لوجود الأكبر في الأصغر وليس علة لنفس الأكبر فباعتبار أن وجود الأكبر في الأصغر غير علة نفس الأكبر. والمقتضي لكون البرهان لميا ليس إلا علية الأوسط لوجود الأكبر في الأصغر سواء كان علة أيضا لوجود الأكبر في نفسه كما في النحو الأول أي البرهان اللمي المطلق أو كان معلولا للأكبر في نفسه أو كان معلولا للأصغر أو ليس معلولا لكل منهما. مثال الأول وهو ما كان معلولا للأكبر - قولنا : (هذه الخشبة تتحرك إليها النار. وكل خشبة تتحرك إليها النار توجد فيها النار فوجود النار أكبر وحركة النار أوسط والحركة علة لوجود النار في الخشبة ولكنها ليست علة لوجود النار مطلقا بل الأمر بالعكس فإن حركة النار معلولة لطبيعة النار. ومثال الثاني وهو ما كان معلولا للأصغر - قولنا: (المثلث زواياه تساوي قائمتين. وكل ما يساوي قائمتين نصف زوايا المربع فالأوسط (مساواة القائمتين معلول للأصغر وهو (زوايا المثلث) وهو في الوقت نفسه علة لثبوت الأكبر (نصف زوايا المربع للأصغر (زوايا المثلث). نحو: ومثال الثالث وهو ما لم يكن معلولا لكل من الأصغر والأكبر (هذا الحيوان غراب. وكل غراب أسود) فالغراب وهو الأوسط ليس معلولا للأصغر ولا للأكبر مع أنه علة لثبوت وصف السواد لهذا الحيوان.

#2231,381 حرف

وايا المثلث). نحو: ومثال الثالث وهو ما لم يكن معلولا لكل من الأصغر والأكبر (هذا الحيوان غراب. وكل غراب أسود) فالغراب وهو الأوسط ليس معلولا للأصغر ولا للأكبر مع أنه علة لثبوت وصف السواد لهذا الحيوان. . معنى العلة في البرهان اللمي قلنا: أن البرهان اللمي ما كان فيه الأوسط علة لثبوت الأكبر للأصغر وقد يسبق ذهن الطالب إلى أن المراد من العلة خصوص العلة الفاعلية ولكن في الواقع أن العلة تقال على أربعة أنواع والبرهان اللمي يقع بجميعها وهي: ١ - (العلة الفاعلية أو الفاعل أو السبب أو مبدأ الحركة. ما شئت فعبر. وقد يعبر عنها بقولهم (ما منه الوجود ويقصدون المفيض والمفيد للوجود أو المسبب للوجود كالباني للدار والنجار للسرير والأب للولد ونحو ذلك. ومثال أخذ الفاعل في البرهان: (لم صار الخشب يطفو على الماء؟ فيقال: لأن الخشب ثقله النوعي أخف من ثقل الماء النوعي). ومثاله أيضا ما تقدم في مثال تمدد الحديد بالحرارة. ٢ (العلة المادية أو المادة التي يحتاج إليها الشيء ليتكون ويحقق بالفعل بسبب قبوله للصورة. وقد يعبر عنها بقولهم (ما) فيه الوجود كالخشب والمسمار للسرير والجص والآجر والخشب ونحوها للدار والنطفة للمولود. ومثال أخذ المادة في البرهان قولهم: (لم يفسد الحيوان؟ فيقال: لأنه مركب من الأضداد). (العلة الصورية أو الصورة. وقد يعبر عنها بقولهم: (ما به الوجود) أي الذي يحصل به الشيء بالفعل، فإنه ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون الشيء ولم يتحقق كهيئة السرير والدار وصورة الجنين التي بها يكون إنسانا. ومثال أخذ الصورة في البرهان قولهم: (لم كانت هذه الزاوية قائمة؟ فيجاب: لأن ضلعيها متعامدان).

#2241,487 حرف

ه ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون الشيء ولم يتحقق كهيئة السرير والدار وصورة الجنين التي بها يكون إنسانا. ومثال أخذ الصورة في البرهان قولهم: (لم كانت هذه الزاوية قائمة؟ فيجاب: لأن ضلعيها متعامدان). (العلة الغائية أو الغاية. وقد يعبر عنها بقولهم: (ما له الوجود أي التي لأجلها وجد الشيء وتكون كالجلوس للكرسي والسكنى للبيت. ومثال أخذ الغاية في البرهان قولهم: (لم أنشأت البيت؟ فيجيب: لكي أسكنه) و (لم يرتاض فلان؟ فيجاب: لكي يصح). وهكذا. . تعقيب وتوضيح في أخذ العلل حدودا وسطى لا شك إنما يحصل البرهان على وجه يجب أن يعلم الذهن بوجود المعلول عند العلم بوجود العلة إذا كانت العلة على وجه إذا حصلت لابد أن يحصل المعلول عندها. ومعنى ذلك أن العلة لابد أن تكون كاملة تامة السببية وإلا إذا فرض حصول العلة ولا يحصل عندها المعلول لا يلزم من العلم بها العلم به. وعليه يمكن للمتأمل أن يعقب على كلامنا السابق فيقول: إن العلة التامة التي لا يتخلف عنها المعلول هي الملتئمة من العلل الأربع في الكائنات المادية أما كل واحدة منها فليست بعلة تامة فكيف صح أن تفرضوا وقوع البرهان اللمي في كل واحدة منها؟ وهذا كلام صحيح في نفسه ولكن إنما صح فرض وقوع البرهان اللمي في واحدة من الأربع ففي موضع تكون العلل الباقية مفروضة الوقوع متحققة وإن لم يصرح بها فيلزم حينئذ من فرض وجود تلك العلة التي أخذت حدا أوسط وجود المعلول بالفعل لفرض حصول باقي العلل. لا لأنه يكتفى بإحدى العلل الأربع مجردة في التعليل ولا لأن الواحدة منها هي مجموع العلل بل لأنها – حسب الفرض لا ينفك وجودها عن وجود جميعها فتكون كل واحدة مشتملة على البواقي بالقوة وقائمة مقامها. ولنتكلم عن كل واحدة من العلل كيف يكون فرض وجودها فرضا للبواقي فنقول:

#2251,118 حرف

احدة منها هي مجموع العلل بل لأنها – حسب الفرض لا ينفك وجودها عن وجود جميعها فتكون كل واحدة مشتملة على البواقي بالقوة وقائمة مقامها. ولنتكلم عن كل واحدة من العلل كيف يكون فرض وجودها فرضا للبواقي فنقول: أما العلة الصورية) فإنه إذا فرض وجود الصورة فقد فرض وجود المعلول بالفعل لأن فعلية الصورة فعلية لذيها فلابد مع فرض وجود المعلول أن تكون العلل كلها حاصلة وإلا لما وجد وصار فعليا. وكذا (العلة الغائية فإنما يفرض وجود الغاية بعد فرض وجود ذي الغاية وهو المعلول لأن الغاية في وجودها الخارجي متأخرة عن وجود المعلول بل هي معلولة له وإنما العلة له هي الغاية بوجودها الذهني العلمي. وأما (العلة المادية) فإنه في كثير من الأمور الطبيعية يلزم عند حصول استعداد المادة لقبول الصورة حصول الصورة بالفعل كما لو وضعت البذرة مثلا في أرض طيبة في الوقت المناسب وقد سقيت بالماء فلابد أن يحصل النبات باعتبار أن الفاعل قوة طبيعية في جوهر المادة فلا يمكن إلا أن يصدر عنها فعلها عند حصول الاستعداد التام لأنه إذا طلبت المادة عند استعدادها بلسان حالها أن يفيض بارئ الكائنات عليها الوجود فإنه تعالى لا بخل في ساحته فلابد أن يفيض عليها وجودها اللائق بها. وإذا وجدت الصورة فهو فرض وجود المعلول لأن معنى حصول الصورة كما سبق - حصول المعلول بالفعل.

#2261,261 حرف

سان حالها أن يفيض بارئ الكائنات عليها الوجود فإنه تعالى لا بخل في ساحته فلابد أن يفيض عليها وجودها اللائق بها. وإذا وجدت الصورة فهو فرض وجود المعلول لأن معنى حصول الصورة كما سبق - حصول المعلول بالفعل. نعم بعض الأمور الطبيعية لا يلزم من حصول استعداد المادة حصول الصورة بالفعل. وذلك عندما يكون حدوث تلك الصورة متوقفة على حركة من علة محركة خارجة كاستعداد النخلة للثمر فإنما تتم ثمرتها بالفعل بعد التلقيح والتلقيح حركة من فاعل محرك خارج وهو الملقح. ومن هذا الباب الأمور الصناعية فإن مجرد استعداد الخشب لأن يصير كرسيا لا يصيره كرسيا بالفعل ما لم يعمل الصانع في نشره وتركيبه على الوجه المناسب. وعليه لا يقع البرهان اللمي في أمثال هذه المواد فلا تقع كل مادة حدا أوسط فلذا لا يصح أن يعلل كون الشيء كرسيا بقولنا: لأنه خشب. وأما (العلة الفاعلية فليس يجب من فرض الفاعل في كثير من الأشياء وجود المعلول بل لا يؤخذ حدا أوسط إلا إذا كان فاعلا تاما بمعنى أنه مشتمل على تمام جهات تأثيره كما إذا دل على استعداد المادة ووجود جميع الشرائط فيما إذا كان المعلول من الأمور الطبيعية المادية. وذلك كفرض وجود الحرارة في الحديد الذي يلزم منه بالضرورة وجود التمدد فالفاعل بدون الموضوع القابل لا يكون فاعلا تاما كما لا يكون القابل بدون الفاعل قابلا بالفعل. ومن هذا الكلام يعلم ويتضح أنه ليس على المطلوب الواحد في الحقيقة إلا برهان لمي واحد مشتمل على جميع العلل بالفعل أو بالقوة وإن تعددت

#2271,417 حرف

بل لا يكون فاعلا تاما كما لا يكون القابل بدون الفاعل قابلا بالفعل. ومن هذا الكلام يعلم ويتضح أنه ليس على المطلوب الواحد في الحقيقة إلا برهان لمي واحد مشتمل على جميع العلل بالفعل أو بالقوة وإن تعددت البراهين بحسب الظاهر بتعدد العلل حسب اختلافها فالسؤال بلم إنما يطلب به معرفة العلة التامة فإذا أجيب بالعلة الناقصة فإنه لا ينقطع السؤال بلم. وما دام هنا شرط أو جزء من العلة لم يذكر فالسؤال باق حتى يجاب بجميع العلل التي تتألف منها العلة التامة. وحينئذ يسقط السؤال بلم وينقطع. ۹ شروط مقدمات البرهان ذكروا للمقدمات شروطا ارتقت في أكثر عباراتهم إلى سبعة وهي: ١ أن تكون المقدمات كلها يقينية (وقد سبق أن ذلك هو المقوم لكون القياس برهانا وتقدم أيضا معنى اليقين (هنا). فلو كانت إحدى مقدمتيه غير يقينية لم يكن برهانا وكان إما جدليا أو خطابيا أو شعريا أو مغالطيا على حسب تلك المقدمة. ودائما يتبع القياس في تسميته أخس مقدماته. أن تكون المقدمات أقدم وأسبق بالطبع من النتائج لأنها لابد أن تكون عللا لها بحسب الخارج. وهذا الشرط مختص ببرهان (لم). أن تكون أقدم عند العقل بحسب الزمان من النتائج حتى يصح التوصل بها إلى النتائج. فإن الأقدم في نفس الأمر وهو الأقدم بالطبع شيء والأقدم بالنسبة إلينا وبحسب عقولنا شيء آخر فإنه قد يكون ما هو الأقدم بحسب الطبع كالعلة ليس أقدم بالنسبة إلى عقولنا بأن يكون العلم بالمعلول أسبق وأقدم من العلم بها فإنه لا يجب في كل ما هو أقدم بحسب الطبع أن يكون أقدم عند العقل في المعرفة. ٤ أن تكون أعرف عند العقول من النتائج ليصح أن تعرفها لأن المعرف يجب أن يكون أعرف من المعرف. ومعنى أنها أعرف أن تكون أكثر

#2281,449 حرف

م بها فإنه لا يجب في كل ما هو أقدم بحسب الطبع أن يكون أقدم عند العقل في المعرفة. ٤ أن تكون أعرف عند العقول من النتائج ليصح أن تعرفها لأن المعرف يجب أن يكون أعرف من المعرف. ومعنى أنها أعرف أن تكون أكثر وضوحا ويقينا لتكون سببا لوضوح النتائج بداهة أن الوضوح واليقين يجب أن يكون أولا وبالذات للمقدمات وثانيا وبالعرض للنتائج. ه أن تكون مناسبة للنتائج ومعنى مناسبتها أن تكون محمولاتها ذاتية أولية لموضوعاتها على ما سيأتي من معنى الذاتي والأولي هنا لأن الغريب لا يفيد اليقين بما لا يناسبه لعدم العلة الطبيعية بينهما. وبعبارة أخرى كما قال الشيخ الرئيس في كتاب البرهان من الشفاء ص ۷۲ «فإن الغريبة لا تكون عللا ولو كانت المحمولات البرهانية يجوز أن تكون غريبة لم تكن مبادئ البرهان عللا فلا تكون مبادئ البرهان عللا للنتيجة». ٦ أن تكون ضرورية إما بحسب الضرورة الذاتية أو بحسب الوصف. وليس المراد من الضروري) هنا المعنى المقصود منه في القياس فإنه إذا قيل هناك : كل حب بالضرورة) يعنون به أن كل ما يوصف بأنه (ح) كيفما اتفق وصفه به فهو موصوف بأنه (ب) بالضرورة وإن لم يكن موصوفا بأنه (ح) بالضرورة. وأما هنا فيعنون به المشروطة العامة أي أن كل ما يوصف بأنه (ح) بالضرورة فإنه موصوف بأنه (ب). أن تكون كلية. وهنا أيضا ليس المراد من (الكلية المعنى المراد في القياس. بل المراد أن يكون محمولها مقولا على جميع أشخاص الموضوع في جميع الأزمنة قولا أوليا وإن كان الموضوع جزئيا أو مهملا فالكلية هنا يصح أن تقابلها الشخصية. والمقصود من معنى الكلية في القياس أن يكون المحمول مقولا على كل واحد وإن لم يكن في كل زمان. ولم يكن الحمل أوليا فتقابل الكلية هناك القضية الجزئية والمهملة.

#2291,197 حرف

أو مهملا فالكلية هنا يصح أن تقابلها الشخصية. والمقصود من معنى الكلية في القياس أن يكون المحمول مقولا على كل واحد وإن لم يكن في كل زمان. ولم يكن الحمل أوليا فتقابل الكلية هناك القضية الجزئية والمهملة. وهذان الشرطان الأخيران يختصان بالنتائج الضرورية الكلية فلو جوزنا أن تكون نتيجة البرهان غير ضرورية وغير كلية فما كان بأس في أن تكون إحدى المقدمات ممكنة أو غير كلية بذلك المعنى من الكلية لأنه ليس يجب في جميع مطالب العلوم أن تكون ضرورية أو كلية إلا أن يراد من الضرورية ضرورية الحكم وهو الاعتقاد الثاني وإن كانت جهة القضية هي الإمكان فإن اليقين كما تقدم يجب أن يكون الاعتقاد الثاني فيه لا يمكن زواله. ولكن هذا الشرط عين شرط يقينية المقدمات وهو الشرط الأول. ۱۰. معنى الذاتي في كتاب البرهان تقدم أنه يشترط في مقدمات البرهان أن تكون المحمولات ذاتية للموضوعات وللذاتي في عرف المنطقيين عدة معاني أحدها الذاتي في كتاب البرهان. ولا بأس ببيانها جميعا ليتضح المقصود هنا فنقول: ۱ (الذاتي) في باب الكليات ويقابله (العرضي). وقد تقدم في الجزء الأول ص ۹۰. ۲ - (الذاتي) في باب الحمل والعروض ويقابله (الغريب) إذ يقولون: (إن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية). وهو له درجات وفي الدرجة الأولى ما كان موضوعه مأخوذا في حده كالأنف في حد الفطوسة حينما يقال (الأنف أفطس) فهذا المحمول ذاتي لموضوعه لأنه إذا أريد

#2301,451 حرف

يقولون: (إن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية). وهو له درجات وفي الدرجة الأولى ما كان موضوعه مأخوذا في حده كالأنف في حد الفطوسة حينما يقال (الأنف أفطس) فهذا المحمول ذاتي لموضوعه لأنه إذا أريد تعريف الأفطس أخذ الأنف في تعريفه. ثم قد يكون موضوع المعروض له مأخوذا في حده كحمل المرفوع على الفاعل فإن الفاعل لا يؤخذ في تعريف المرفوع ولكن الكلمة التي هي معروضة للفاعل تؤخذ في تعريفه كما تؤخذ في تعريف الفاعل. وقد يكون جنس المعروض له مأخوذا في حده كحمل المبني على الفعل الماضي مثلا فإن الفعل لا يؤخذ في تعريف المبني ولكن جنسه وهو الكلمة هي التي تؤخذ في حده. وقد يكون معروض الجنس مأخوذا في حده كحمل المنصوب على المفعول المطلق مثلا فإن المفعول المطلق لا يؤخذ في حده المنصوب ولا جنسه وهو المفعول يؤخذ في حده بل معروض المفعولية وهو الكلمة تؤخذ في حده. ويمكن جمع هذه المحمولات الذاتية بعبارة واحدة فيقال: المحمول الذاتي للموضوع ما كان موضوعه أو أحد مقوماته واقعا في حده لأن جنس الموضوع مقوم له وكذا معروضه لأنه يدخل في حده وكذا معروض جنسه كذلك. (الذاتي) في باب الحمل أيضا وهو ما كان نفس الموضوع في حد ذاته كافيا لانتزاع المحمول بدون حاجة إلى ضم شيء إليه وهو الذي يقال له: المنتزع عن مقام الذات ويقابله ما يسمى المحمول بالصميمة مثل حمل الموجود على الوجود وحمل الأبيض على البياض لا مثل حمل الموجود على الماهية وحمل الأبيض على الجسم فإن هذا هو المحمول بالضميمة فإن الماهية موجودة ولكن لا بذاتها بل لعروض الوجود عليها والجسم أبيض ولكن لا بذاته بل لضم البياض إليه وعروضه عليه بخلاف حمل الموجود على الوجود فإنه ذاتي له بدون ضم وجود آخر له بل بنفسه موجود وكذا

#2311,310 حرف

ضميمة فإن الماهية موجودة ولكن لا بذاتها بل لعروض الوجود عليها والجسم أبيض ولكن لا بذاته بل لضم البياض إليه وعروضه عليه بخلاف حمل الموجود على الوجود فإنه ذاتي له بدون ضم وجود آخر له بل بنفسه موجود وكذا حمل الأبيض على البياض فإنه أبيض بذاته بدون ضم بياض آخر إليه فهو ذاتي له. ٤ (الذاتي) في باب الحمل أيضا ولكنه في هذا القسم وصف لنفس الحمل لا للمحمول كما في الاصطلاحين الأخيرين فيقال الحمل الذاتي ويقال له الأولي أيضا. ويقابله الحمل الشايع الصناعي وقد تقدم ذلك في الجزء الأول. ه (الذاتي) في باب العلل ويقابله (الاتفاقي) مثل أن يقال: اشتعلت النار فاحترق الحطب وأبرقت السماء فقصف الرعد فإنه لم يكن ذلك اتفاقيا بل اشتعال النار يتبعه احتراق الحطب إذا مسها والبرق يتبعه الرعد لذاته لا مثل ما يقال : فتح الباب فأبرقت السماء أو نظر لي فلان فاحترق حطبي أو حسدني فلان فأصابني مرض فإن هذه وأمثالها تسمى أمور اتفاقية. إذا عرفت هذه المعاني للذاتي فاعلم أن مقصودهم من الذاتي في كتاب البرهان ما يعم المعنى الأول والثاني ويجمعهما في البيان أن يقال: «الذاتي هو المحمول الذي يؤخذ في حد الوضوع أو الموضوع أو أحد مقوماته يؤخذ في حده». ۱۱. معنى الأولي والمراد من الأولي هنا هو المحمول لا بتوسط غيره أي لا يحتاج إلى واسطة في العروض في حمله على موضوعه كما نقول: جسم أبيض وسطح أبيض فإن حمل أبيض على السطح حمل أولي أما حمله على الجسم فبتوسط السطح فكان واسطة في العروض لأن حمل الأبيض على السطح أولا وبالذات وعلى الجسم ثانيا وبالعرض.

#2321,232 حرف

روض في حمله على موضوعه كما نقول: جسم أبيض وسطح أبيض فإن حمل أبيض على السطح حمل أولي أما حمله على الجسم فبتوسط السطح فكان واسطة في العروض لأن حمل الأبيض على السطح أولا وبالذات وعلى الجسم ثانيا وبالعرض. والتدقيق في معنى الذاتي والأولي له موضع آخر لا يسعه هذا المختصر . ولكن مما يجب أن يعلم هنا أن بعض كتب أصول الفقه المتأخرة وقع فيها تفسير الذاتي الذي هو في باب موضوع العلم المقابل له الغريب بمعنى الأولي المذكور هنا. فوقعت من أجل ذلك اشتباهات كثيرة نستطيع التخلص منها إذا فرقنا بين الذاتي والأولي ولا نخلط أحدهما بالآخر. الفصل الثاني صناعة الجدل أو آداب المناظرة ونضعها في ثلاثة مباحث: الأول في القواعد والأصول. والثاني في المواضع. والثالث في الوصايا. المبحث الأول - القواعد والأصول ۱. مصطلحات هذه الصناعة لهذه الصناعة ككل صناعة مصطلحات خاصة بها والآن نذكر بعضها في المقدمة للحاجة فعلا ونرجئ الباقي إلى مواضعه. ١ كلمة (الجدل) إن الجدل لغة هو اللدد واللجاج في الخصومة بالكلام مقارنا غالبا لاستعمال الحيلة الخارجة أحيانا عن العدل والإنصاف. ولذا نهت الشريعة الإسلامية عن المجادلة لا سيما في الحج والاعتكاف. وقد نقل مناطقة العرب هذه الكلمة واستعملوها في الصناعة التي نحن بصددها والتي تسمى باليونانية (طوبيقا). وهذه لفظة (الجدل) أنسب الألفاظ العربية إلى معنى هذه الصناعة على ما سيأتي توضيح المقصود بها حتى من مثل لفظ المناظرة والمحاورة

#2331,294 حرف

لكلمة واستعملوها في الصناعة التي نحن بصددها والتي تسمى باليونانية (طوبيقا). وهذه لفظة (الجدل) أنسب الألفاظ العربية إلى معنى هذه الصناعة على ما سيأتي توضيح المقصود بها حتى من مثل لفظ المناظرة والمحاورة والمباحثة وإن كانت كل واحدة منها تناسب هذه الصناعة في الجملة كما استعملت كلمة (المناظرة) في هذه الصناعة أيضا فقيل (آداب المناظرة) وألفت بعض المتون بهذا الاسم. وقد يطلقون لفظ (الجدل) أيضا على نفس استعمال الصناعة كما أطلقوه على ملكة استعمالها فيريدون به حينئذ القول المؤلف من المشهورات أو المسلمات الملزم للغير والجاري على قواعد الصناعة. وقد يقال له أيضا: القياس الجدلي أو الحجة الجدلية أو القول الجدلي. أما مستعمل الصناعة فيقال له: (مجادل) و (جدلي). ٢ كلمة (الوضع) ويراد بها هنا الرأي المعتقد به أو الملتزم به كالمذاهب والملل والنحل والأديان والآراء السياسية والاجتماعية والعلمية وما إلى ذلك. والإنسان كما يعتنق الرأي ويدافع عنه لأنه عقيدته قد يعتنقه لغرض آخر فيتعصب له ويلتزمه وإن لم يكن عقيدة له فالرأي على قسمين: رأي معتقد به ورأي ملتزم به وكل منهما يتعلق به غرض الجدلي لإثباته أو نقضه فأراد أهل هذه الصناعة أن يعبروا عن قسمين بكلمة واحدة جامعة فاستعملوا كلمة (الوضع) اختصارا ويريدون به مطلق الرأي الملتزم سواء أكان معتقدا به أم لا. كما قد يسمون أيضا نتيجة القياس في الجدل (وضعا) وهي التي تسمى في البرهان (مطلوبا). وعلى هذا يكون معنى الوضع قريبا من معنى الدعوى التي يراد إثباتها أو إبطالها.

#2341,349 حرف

ق الرأي الملتزم سواء أكان معتقدا به أم لا. كما قد يسمون أيضا نتيجة القياس في الجدل (وضعا) وهي التي تسمى في البرهان (مطلوبا). وعلى هذا يكون معنى الوضع قريبا من معنى الدعوى التي يراد إثباتها أو إبطالها. ۲. وجه الحاجة إلى الجدل إن الإنسان لا ينفك عن خلاف ومنازعات بينه وبين غيره من أبناء جلدته في عقائده وآرائه من دينية وسياسية واجتماعية ونحوها فتتألف بالقياس إلى كل وضع طائفتان : طائفة تناصره وتحافظ عليه وأخرى تريد نقضه وهدمه ويجر ذلك إلى المناظرة والجدال في الكلام فيلتمس كل فريق الدليل والحجة لتأييد وجهة نظره وإفحام خصمه أمام الجمهور. والبرهان سبيل قويم مضمون لتحصيل المطلوب ولكن هناك من الأسباب ما يدعو إلى عدم الأخذ به في جملة من المواقع واللجوء إلى سبيل آخر وهو سبيل الجدل الذي نحن بصدده. وهنا تنبثق الحاجة إلى الجدل فإنه الطريقة المفيدة بعد البرهان. أما الأسباب الداعية إلى عدم الأخذ بالبرهان فهي أمور: ١ إن البرهان واحد في كل مسألة لا يمكن أن يستعمله كل من الفريقين المتنازعين لأن الحق واحد على كل حال فإذا كان الحق مع أحد الفريقين فإن الفريق الآخر يلتجئ إلى سبيل الجدل لتأييد مطلوبه. إن الجمهور أبعد ما يكون عن إدراك المقدمات البرهانية إذا لم تكن من المشهورات الذايعات بينهم وغرض المجادل على الأكثر إفحام خصمه أمام الجمهور فيلتجئ هنا إلى استعمال المقدمات المشهورة بالطريقة الجدلية وإن كان الحق في جانبه ويمكنه استعمال البرهان. إنه ليس كل أحد يقوى على إقامة البرهان أو إدراكه فيلتجئ المنازع إلى الجدل لعجزه عن البرهان أو لعجز خصمه عن إدراكه.

#2351,479 حرف

تعمال المقدمات المشهورة بالطريقة الجدلية وإن كان الحق في جانبه ويمكنه استعمال البرهان. إنه ليس كل أحد يقوى على إقامة البرهان أو إدراكه فيلتجئ المنازع إلى الجدل لعجزه عن البرهان أو لعجز خصمه عن إدراكه. ٤ إن المبتدئ في العلوم قبل الوصول إلى الدرجة التي يتمكن فيها من إقامة البرهان على المطالب العلمية يحتاج إلى ما يمرن ذهنه وقوته العقلية على الاستدلال على المطالب بطريقة غير البرهان كما قد يحتاج إلى تحصيل القناعة والاطمئنان إلى تلك المطالب قبل أن يتمكن من البرهان عليها. وليس له سبيل إلى ذلك إلا سبيل الجدل. وبمعرفة هذه الأسباب تظهر لنا قوة الحاجة إلى الجدل ونستطيع أن نحكم بأنه يجب لكل من تهمه المعرفة وكل من يريد أن يحافظ على العقائد والآراء أية كانت أن يبحث عن صناعة الجدل وقوانينها وأصولها. والمتكفل بذلك هذا الفن الذي عني به متقدمو الفلاسفة من اليونانيين وأهمله المتأخرون في الدورة الإسلامية إهمالا لا مبرر له عدا فئة قليلة من أعاظم العلماء كالرئيس ابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي إمام المحققين. .. المقارنة بين الجدل والبرهان قلنا إن الجدل أسلوب آخر من الاستدلال وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد البرهان فلابد من بحث المقارنة بينهما وبيان ما يفترقان فيه فنقول: ١ إن البرهان لا يعتمد إلا على المقدمات التي هي حق من جهة ما هو حق لتنتج الحق أما (الجدل) فإنما يعتمد على المقدمات المسلمة من جهة ما هي مسلمة ولا يشترط فيها أن تكون حقا وإن كانت حقا واقعا إذ لا يطلب المجادل الحق بما هو حق كما قلنا - بل إنما يطلب إفحام الخصم وإلزامه بالمقدمات المسلمة سواء أكانت مسلمة عند الجمهور وهي المشهورات العامة والذائعات أم مسلمة عند طائفة خاصة يعترف بها الخصم أم مسلمة عند شخص الخصم خاصة.

#2361,342 حرف

بما هو حق كما قلنا - بل إنما يطلب إفحام الخصم وإلزامه بالمقدمات المسلمة سواء أكانت مسلمة عند الجمهور وهي المشهورات العامة والذائعات أم مسلمة عند طائفة خاصة يعترف بها الخصم أم مسلمة عند شخص الخصم خاصة. ٢ إن الجدل لا يقوم إلا بشخصين متخاصمين أما البرهان فقد يقام لغرض تعليم الغير وإيصاله إلى الحقائق فيقوم بين شخصين كالجدل وقد يقيمه الشخص ليناجي به نفسه ويعلمها لتصل إلى الحق. إنه تقدم في البحث السابق أن البرهان واحد في كل مسألة لا يمكن أن يقيمه كل من الفريقين المتنازعين. أما الجدل فإنه يمكن أن يستعمله الفريقان معا ما دام الغرض منه إلزام الخصم وإفحامه لا الحق بما هو حق وما دام أنه يعتمد على المشهورات والمسلمات التي قد يكون بعضها في جانب الإثبات وبعضها الآخر في عين الوقت في جانب النفي. بل يمكن لأحد الفريقين أن يقيم كثيرا من الأدلة الجدلية بلا موجب للحصر على رأي واحد بينما أن البرهان لا يكون إلا واحدا لا يتعدد في المسألة الواحدة وإن تعدد ظاهرا بتعدد العلل الأربع على ما تقدم في بحث البرهان. ٤ إن صورة البرهان لا تكون إلا من القياس على ما تقدم في بحث البرهان أما المجادل فيمكن أن يستعمل القياس وغيره من الحجج كالاستقراء والتمثيل فالجدل أعم من البرهان من جهة الصورة غير أن أكثر ما يعتمد الجدل على القياس والاستقراء. ٤. تعريف الجدل ويظهر بوضوح من جميع ما تقدم صحة تعريف فن الجدل بما يلي: «إنه صناعة علمية يقتدر معها - حسب الإمكان على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد وعلى محافظة أي وضع يتفق على وجه لا تتوجه عليه مناقضة».

#2371,302 حرف

بوضوح من جميع ما تقدم صحة تعريف فن الجدل بما يلي: «إنه صناعة علمية يقتدر معها - حسب الإمكان على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد وعلى محافظة أي وضع يتفق على وجه لا تتوجه عليه مناقضة». وإنما قيد التعريف بعبارة (حسب الإمكان) فلأجل التنبيه على أن عجز المجادل عن تحصيل بعض المطالب لا يقدح في كونه صاحب صناعة كعجز الطبيب مثلا عن مداواة بعض الأمراض فإنه لا ينفي كونه طبيبا. ويمكن التعبير عن تعريف الجدل بعبارة أخرى كما يلي: «الجدل صناعة تمكن الإنسان من إقامة الحجج المؤلفة من المسلمات أو من ردها حسب الإرادة ومن الاحتراز عن لزوم المناقضة في المحافظة على الوضع». ه. فوائد الجدل مما تقدم تظهر لنا الفائدة الأصلية من صناعة الجدل ومنفعتها المقصودة بالذات وهي أن يتمكن المجادل من تقوية الآراء النافعة وتأييدها ومن إلزام المبطلين والغلبة على المشعوذين وذوي الآراء الفاسدة على وجه يدرك الجمهور ذلك. ولهذه الصناعة فوائد أخر تقصد منها بالعرض نذكر بعضها: ۱ - رياضة الأذهان وتقويتها في تحصيل المقدمات واكتسابها إذ يتمكن ذو الصناعة من إيراد المقدمات الكثيرة والمفيدة في كل باب ومن إقامة الحجة على المطالب العلمية وغيرها. ٢ تحصيل الحق واليقين في المسألة التي تعرض على الإنسان فإنه بالقوة الجدلية التي تحصل له بسبب هذه الصناعة يتمكن من تأليف المقدمات لكل من طرفي الإيجاب والسلب في المسألة. وحينئذ بعد الفحص عن حال كل منهما والتأمل فيهما قد يلوح الحق له فيميز أنه في أي طرف منهما ويزيف الطرف الآخر الباطل.

#2381,274 حرف

صل له بسبب هذه الصناعة يتمكن من تأليف المقدمات لكل من طرفي الإيجاب والسلب في المسألة. وحينئذ بعد الفحص عن حال كل منهما والتأمل فيهما قد يلوح الحق له فيميز أنه في أي طرف منهما ويزيف الطرف الآخر الباطل. التسهيل على المتعلم المبتدئ لمعرفة المصادرات في العلم الطالب له بسبب المقدمات الجدلية إذ أنه بادئ بدء ينكرها ويستوحش منها لأنه لم يقو بعد على الوصول إلى البرهان عليها. والمقدمات الجدلية تفيده التصديق بها وتسهل عليه الاعتقاد بها فيطمئن إليها قبل الدخول في العلم ومعرفة براهينها. وتنفع هذه الصناعة أيضا طالب الغلبة على خصومه إذ يقوى على المحاورة والمخاصمة والمراوغة وإن كان الحق في جانب خصمه فيستظهر على خصمه الضعيف عن مجادلته ومجاراته لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المنازعات في الآراء السياسية والاجتماعية. ه وتنفع أيضا الرئيس للمحافظة على عقائد أتباعه عن المبتدعات. ٦ وتنفع أيضا الذين يسمونهم في هذا العصر المحامين الذين اتخذوا المحاماة والدفاع عن حقوق الناس مهنة لهم فإنهم أشد ما تكون حاجتهم إلى معرفة هذه الصناعة بل إنها جزء من مهنتهم في الحقيقة. ٦. السؤال والجواب تقدم أن الجدل لا يتم إلا بين طرفين متنازعين فالجدلي شخصان (أحدهما) محافظ على وضع وملتزم له غاية سعيه ألا يلزمه الغير ولا يفحمه و(ثانيهما) ناقض له وغاية سعيه أن يلزم المحافظ ويفحمه. و (الأول) يسمى (المجيب). واعتماده على المشهورات في تقرير وضعه أما المشهورات المطلقة أو المحدودة بحسب تسليم طائفة معينة.

#2391,372 حرف

ألا يلزمه الغير ولا يفحمه و(ثانيهما) ناقض له وغاية سعيه أن يلزم المحافظ ويفحمه. و (الأول) يسمى (المجيب). واعتماده على المشهورات في تقرير وضعه أما المشهورات المطلقة أو المحدودة بحسب تسليم طائفة معينة. و (الثاني) يسمى (السائل) واعتماده في نقض وضع المجيب على ما يسلمه المجيب من المقدمات وإن لم تكن مشهورة. ولتوضيح سر التسمية بالسائل والمجيب نقول: إن الجدل إنما يتم بأمرين سؤال وجواب وذلك لأن المقصود الأصلي من صناعة الجدل عندهم أن تتم بهذه المراحل الأربع: أن يوجه من يريد نقض وضع ما أسئلة إلى خصمه المحافظ على ذلك الوضع بطريق الاستفهام بأن يقول : هل هذا ذاك؟ أو (أليس إذا كان كذا فكذا؟) ويتدرج بالأسئلة من البعيد عن المقصود إلى القريب منه حسب ما يريد أن يتوصل به إلى مقصوده من تسليم الخصم من دون أن يشعره بأنه يريد مهاجمته ونقض وضعه أو يشعره بذلك ولكن لا يشعره من أية ناحية يريد مهاجمته منها حتى لا يراوغ ويحتال في الجواب. ٢ أن يستل السائل من خصمه من حيث يدري ولا يدري الاعتراف والتسليم بالمقدمات التي تستلزم نقض وضعه المحافظ عليه. أن يؤلف السائل قياسا جدليا مما اعترف وسلم به خصمه (المجيب) بعد فرض اعترافه وتسليمه ليكون هذا القياس ناقضا لوضع المجيب. أن يدافع المحافظ (المجيب) ويتخلص عن المهاجمة إن استطاع بتأليف قياس من المشهورات التي لابد أن يخضع لها السائل والجمهور. وهذه الطريقة من السؤال والجواب هي الطريقة الفنية المقصودة لهم في هذه الصناعة وهي التي تظهر بها المهارة والحذق في توجيه الأسئلة والتخلص من الاعتراف أو الإلزام. ومن هذه الجهة كانت التسمية بالسائل والمجيب لا

#2401,297 حرف

الطريقة من السؤال والجواب هي الطريقة الفنية المقصودة لهم في هذه الصناعة وهي التي تظهر بها المهارة والحذق في توجيه الأسئلة والتخلص من الاعتراف أو الإلزام. ومن هذه الجهة كانت التسمية بالسائل والمجيب لا لمجرد وقوع سؤال وجواب بأي نحو اتفق والمقصود من صناعة الجدل إتقان تأدية هذه الطريقة حسب ما تقتضيه القوانين والأصول الموضوعة فيها. ونحن يمكننا أن نتوسع في دائرة هذه الصناعة فنتعدى هذه الطريقة المتقدمة إلى غيرها بأن نكتفي بتأليف القياس من المشهورات أو المسلمات لنقض وضع أو للمحافظة على وضع لغرض إفحام الخصوم على أي نحو يتفق هذا التأليف وإن لم يكن على نحو السؤال والجواب ولم يمر على تلك المراحل الأربع بترتيبها. ولعل تعريف الجدل المتقدم لا يأبى هذه التوسعة. بل يمكن أن نتعدى إلى أبعد من ذلك حينئذ فلا نخص الصناعة بالمشافهة بل نتعدى بها إلى التحرير والمكاتبة. وفي هذه العصور لا سيما الأخيرة منها بعد انتشار الطباعة والصحف أكثر ما تجري المناقشات والمجادلات في الكتابة وتبتني على المسلمات والمشهورات على غير الطريقة البرهانية من دون أن تتألف صورة سؤال وجواب. ومع ذلك نسميها قياسات جدلية أو ينبغي أن نسميها كذلك وتشملها كثير من أصول صناعة الجدل وقواعدها فلا ضير في دخولها في هذه الصناعة وشمول بعض قواعدها وآدابها لها. . مبادئ الجدل أشرنا فيما سبق إلى أن مبادئ الجدل الأولية التي تعتمد عليها هذه الصناعة هي المشهورات والمسلمات وأن المشهورات مبادئ مشتركة بالنسبة إلى السائل والمجيب والمسلمات مختصة بالسائل.

#2411,423 حرف

وآدابها لها. . مبادئ الجدل أشرنا فيما سبق إلى أن مبادئ الجدل الأولية التي تعتمد عليها هذه الصناعة هي المشهورات والمسلمات وأن المشهورات مبادئ مشتركة بالنسبة إلى السائل والمجيب والمسلمات مختصة بالسائل. كما أشرنا إلى أن المشهورات يجوز أن تكون حقا واقعا وللجدلي أن يستعملها في قياسه. أما استعمال الحق غير المشهور بما هو حق في هذه الصناعة فإنه يعد مغالطة من الجدلي لأنه في استعمال أية قضية لا يدعي أنها في نفس الأمر حق وإنما يقول : إن هذا الحكم ظاهر واضح في هذه القضية ويعترف بذلك الجميع ويكون الحكم مقبولا لدى كل أحد. ثم إنا أشرنا في بحث (المشهورات) أن للشهرة أسبابا توجبها وذكرنا أقسام المشهورات حسب اختلاف أسباب الشهرة فراجع. والسر في كون الشهرة لا تستغني عن السبب أن شهرة المشهور ليست ذاتية بل هي أمر عارض وكل عارض لابد له من سبب وليست هي كحقية الحق التي هي أمر ذاتي للحق لا تعلل بعلة. وسبب الشهرة لابد أن يكون تألفه الأذهان وتدركه العقول بسهولة ولولا ذلك لما كان الحكم مقبولا عند الجمهور وشايعا بينهم. وعلى هذا يتوجه علينا سؤال وهو: إذا كانت الشهرة لا تستغني عن السبب فكيف جعلتم المشهورات من المبادئ الأولية أي ليست مكتسبة؟ والجواب إن سبب حصول الشهرة لوضوحه لدى الجمهور، تكون أذهان الجمهور غافلة عنه ولا تلتفت إلى سر انتقالها إلى الحكم المشهور فيبدو لها أن المشهورات غير مكتسبة من سبب كأنها من تلقاء نفسها انتقلت إليها وإنما يعتبر كون الحكم مكتسبا إذا صدر الانتقال إليه بملاحظة سببه. وهذا من قبيل القياس الخفي في المجربات والفطريات التي قياساتها معها على ما أوضحناه في موضعه فإنها مع كونها لها قياس وهو السبب الحقيقي لحصول

#2421,168 حرف

ما يعتبر كون الحكم مكتسبا إذا صدر الانتقال إليه بملاحظة سببه. وهذا من قبيل القياس الخفي في المجربات والفطريات التي قياساتها معها على ما أوضحناه في موضعه فإنها مع كونها لها قياس وهو السبب الحقيقي لحصول العلم بها عدوها من المبادئ غير المكتسبة نظرا إلى أن حصول العلم فيها عن سبب خفي غير ملحوظ للعالم ومغفول عنه لوضوحه لديه. ثم لا يخفى أنه ليس كل ما يسمى مشهورا هو من مبادئ الجدل فإن الشهرة تختلف بحسب اختلاف الأسباب في كيفية تأثيرها في الشهرة. وبهذا الاعتبار تنقسم المشهورات إلى ثلاثة أقسام: ۱ المشهورات الحقيقية وهي التي لا تزول شهرتها بعد التعقيب والتأمل فيها. ۲ المشهورات الظاهرية وهي المشهورات في بادئ الرأي التي تزول شهرتها بعد التعقيب والتأمل مثل قولهم انصر أخاك ظالما أو مظلوما) فإنه يقابله المشهور الحقيقي وهو : لا تنصر الظالم وإن كان أخاك). الشبيهة بالمشهورات وهي التي تحصل شهرتها بسبب عارض غير لازم تزول الشهرة بزواله فتكون شهرتها في وقت دون وقت وحال دون حال مثل استحسان الناس في العصر المتقدم لإطلاق الشوارب تقليدا لبعض الملوك والأمراء فلما زال هذا السبب زالت هذه العادة وزال الاستحسان. ولا يصلح للجدل إلا القسم الأول دون الأخيرين أما الظاهرية فإنما تنفع فقط في صناعة الخطابة كما سيأتي وأما الشبيهة بالمشهورات فنفعها خاص بالمشاغبة كما سيأتي في صناعة المغالطة.

#2432,425 حرف

هذه العادة وزال الاستحسان. ولا يصلح للجدل إلا القسم الأول دون الأخيرين أما الظاهرية فإنما تنفع فقط في صناعة الخطابة كما سيأتي وأما الشبيهة بالمشهورات فنفعها خاص بالمشاغبة كما سيأتي في صناعة المغالطة. . مقدمات الجدل كل ما هو مبدأ للقياس معناه أنه يصلح أن يقع مقدمة له ولكن ليس يجب في كل ما هو مقدمة أن يكون من المبادئ بل المقدمة إما أن تكون نفسها من المبادئ أو تنتهي إلى المبادئ. وعليه فمقدمات القياس الجدلي يجوز أن تكون في نفسها مشهورة. ويجوز أن تكون غير مشهورة ترجع إلى المشهورة كما قلنا في مقدمات البرهان إنها تكون بديهية وتكون نظرية تنتهي إلى البديهية. والرجوع إلى المشهورة على نحوين: أ أن تكتسب شهرتها من المقارنة والمقايسة إلى المشهورة. وتسمى (المشهورة بالقرائن والمقارنة بين القضيتين إما لتشابهما في الحدود أو لتقابلهما فيها. وكل من التشابه والتقابل يوجب انتقال الذهن من تصور شهرة إحداهما إلى تصور شهرة الثانية وإن لم يكن هذا الانتقال في نفسه واجبا وإنما تكون شهرة إحداهما مقرونة بشهرة الأخرى. مثال التشابه قولهم: إذا كان إطعام الضيف حسنا فقضاء حوائجه حسن أيضا فإن حسن إطعام الضيف مشهور وللتشابه بين الإطعام وقضاء الحوائج تستوجب المقارنة بينهما انتقال الذهن إلى حسن قضاء حوائج الضيف. ومثال التقابل قولهم: إذا كان الإحسان إلى الأصدقاء حسنا كانت الإساءة إلى الأعداء حسنة فإن التقابل بين الإحسان والإساءة وبين الأصدقاء والأعداء يستوجب انتقال الذهن من إحدى القضيتين إلى الأخرى بالمقارنة والمقايسة. ب - أن تكون المقدمة مكتسبة شهرتها من قياس مؤلف من المشهورات منتج لها بأن تكون هذه المقدمة المفروضة مأخوذة من مقدمات مشهورة. نظير المقدمة النظرية في البرهان إذا كانت مكتسبة من مقدمات بديهية. ۹. مسائل الجدل كل قضية كان السائل قد أورد عينها في حال سؤاله أو أورد مقابلها فإنها تسمى (مسألة الجدل) وبعد أن يسلم بها المجيب ويجعلها السائل جزءا من قياسه هي نفسها تسمى (مقدمة الجدل). إذا عرفت ذلك فكل قضية لها ارتباط في نقض الوضع الذي يراد نقضه تصلح أن تقع موردا لسؤال السائل ولكن بعض القضايا يجدر به أن يتجنبها، نذكر بعضها: (منها) أنه لا ينبغي للسائل أن يجعل المشهورات موردا لسؤاله فإن السؤال عنها معناه جعلها في معرض الشك والترديد وهذا ما يشجع المجيب على إنكارها ومخالفة المشهور. فلو التجأ السائل لإيراد المشهورات فليذكرها على سبيل التمهيد للقواعد التي يريد أن يستفيد منها لنقض وضع المجيب. باعتبار أن تلك المشهورات مفروغ عنها لا مفر من الاعتراف بها. و (منها) أنه لا ينبغي له أن يسأل عن ماهية الأشياء ولا عن لميتها (عليتها) لأن مثل هذا السؤال إنما يرتبط بالتعلم والاستفادة لا بالجدل والمغالبة بل السؤال عن الماهية لو احتاج إليه فينبغي أن يضعه على سبيل الاستفسار عن معنى اللفظ أو على سبيل السؤال عن رأيه وقوله في الماهية بأن يسأل هكذا

#2441,278 حرف

ذا السؤال إنما يرتبط بالتعلم والاستفادة لا بالجدل والمغالبة بل السؤال عن الماهية لو احتاج إليه فينبغي أن يضعه على سبيل الاستفسار عن معنى اللفظ أو على سبيل السؤال عن رأيه وقوله في الماهية بأن يسأل هكذا (هل تقول إن الإنسان هو الحيوان الناطق أو لا ؟ أو يسأل هكذا: (لو لم يكن حد الإنسان هو الحيوان الناطق فما حده إذن؟). وكذلك السؤال في اللمية لابد أن يجعل السؤال عن قوله ورأيه فيها لا عن أصل العلية. ۱۰. مطالب الجدل إن الجدل ينفع في جميع المسائل الفلسفية والاجتماعية والدينية والعلمية والسياسية والأدبية وجميع الفنون والمعارف وكل قضية من ذلك تصلح أن تكون مطلوبة به. ويستثنى من ذلك قضايا لا تطلب بالجدل. منها المشهورات الحقيقية المطلقة لأنها لما كانت بهذه الشهرة لا يسع لأحد إنكارها والتشكيك بها حتى يحتاج إثباتها إلى حجة. وحكمها من هذه الجهة حكم البديهيات فإنها لا تطلب بالبرهان. ويجمعها أنها غير مكتسبة فلا تكتسب بحجة. ومن ينكر المشهورات لا تنفع معه حجة جدلية لأن معنى إقامتها إرجاعه إلى القضايا المشهورة وقد ينكرها أيضا. ومثل هذا المنكر للمشهورات لا رد له إلا العقاب أو السخرية والاستهزاء أو إحساسه فمن ينكر مثل حسن عبادة الخالق وقبح عقوق الوالدين فحقه العقاب والتعذيب. ومنكر مثل أن القمر مستمد نوره من الشمس يسخر به ويضحك عليه. ومنكر مثل أن النار حارة يكوى بها ليحس بحرارتها. نعم قد يطلب المشهور بالقياس الجدلي في مقابل المشاغب كما تطلب القضية الأولية بالبرهان في مقابل المغالط.

#2451,334 حرف

أن القمر مستمد نوره من الشمس يسخر به ويضحك عليه. ومنكر مثل أن النار حارة يكوى بها ليحس بحرارتها. نعم قد يطلب المشهور بالقياس الجدلي في مقابل المشاغب كما تطلب القضية الأولية بالبرهان في مقابل المغالط. أما المشهورات المحدودة أو المختلف فيها فلا مانع من طلبها بالحجة الجدلية في مقابل من لا يراها مشهورة أو لا يعترف بشهرتها لينبهه على شهرتها بما هو أعرف وأشهر. ومنها (القضايا الرياضية ونحوها لأنها مبتنية على الحس والتجربة فلا مدخل للجدل فيها ولا معنى لطلبها بالمشهورات كقضايا الهندسة والحساب والكيمياء والميكانيك ونحو ذلك. ۱۱. أدوات هذه الصناعة عرفنا فيما سبق أن الجدل يعتمد على المسلمات والمشهورات غير أن تحصيل ملكة هذه الصناعة بأن يتمكن المجادل من الانتفاع بالمشهورات والمسلمات في وقت الحاجة عند الاحتجاج على خصمه أو عند الاحتراز من الانقطاع والمغلوبية) ليس بالأمر الهين كما قد يبدو لأول وهلة. بل يحتاج إلى مران طويل حتى تحصل له الملكة شأن كل ملكة في كل صناعة. ولهذا المران موارد أربعة هي أدوات للملكة إذا استطاع الإنسان أن يحوز عليها فإن لها الأثر البالغ في حصول الملكة وتمكن الجدلي من بلوغ غرضه. ونحن واصفون هنا هذه الأدوات. وليعلم الطالب أنه ليس معنى معرفة وصف هذه الأدوات أنه يكون حاصلا عليها فعلا بل لابد من السعي لتحصيلها بنفسه عملا واستحضارها عنده فإن من يعرف معنى المنشار لا يكون حاصلا لديه ولا يكون ناشرا للخشب بل الذي ينشره من تمكن من تحصيل نفس الآلة وعمل بها في نشر الخشب. نعم معرفة أوصاف الآلة طريق لتحصيلها والانتفاع بها.

#2461,339 حرف

عملا واستحضارها عنده فإن من يعرف معنى المنشار لا يكون حاصلا لديه ولا يكون ناشرا للخشب بل الذي ينشره من تمكن من تحصيل نفس الآلة وعمل بها في نشر الخشب. نعم معرفة أوصاف الآلة طريق لتحصيلها والانتفاع بها. والأدوات الأربع المطلوبة هي كما يلي: الأداة (الأولى) - أن يستحضر لديه أصناف المشهورات من كل باب ومن كل مادة على اختلافها ويعدها في ذاكرته لوقت الحاجة وأن يفصل بين المشهورات المطلقة وبين المحدودة عند أهل كل صناعة أو مذهب وأن يميز بين المشهورات الحقيقية وغيرها وأن يعرف كيف يستنبط المشهور ويحصل على المشهورات بالقرائن وينقل حكم الشهرة من قضية إلى أخرى. فإذا كمل له كل ذلك وجمعه عنده فإن احتاج إلى استعمال مشهور : كان حاضرا لديه متمكنا به من الاحتجاج على خصمه. وهذه الأداة لازمة للجدلي لأنه لا ينبغي له أن ينقطع أمام الجمهور ولا يحسن منه أن يتأنى ويطلب التذكر أو المراجعة فإنه يفوت غرضه ويعد فاشلا لأن غايته آنية وهي الغلبة على خصمه أمام الجمهور. فيفوت غرضه بفوات الأوان على العكس من طالب الحقيقة بالبرهان فإن تأنيه وطلبه للتذكر والتأمل لا ينقصه ولا ينافي غرضه من تحصيل الحقيقة ولو بعد حين. ومما ينبغي أن يعلم أن هذه الملكة ( ملكة استحضار المشهور عند الحاجة) يجوز أن تتبعض بأن تكون مستحضرات المجادل خاصة بالموضوع المختص به فالمجادل في الأمور الدينية مثلا يكفي أن يستحضر المشهورات النافعة في موضوعه خاصة ومن يجادل في السياسة إنما يستحضر خصوص المشهورات المختصة بهذا الباب فيكون صاحب ملكة في جدل السياسة فقط ... وهكذا في سائر المذاهب والآراء.

#2474,673 حرف

ور الدينية مثلا يكفي أن يستحضر المشهورات النافعة في موضوعه خاصة ومن يجادل في السياسة إنما يستحضر خصوص المشهورات المختصة بهذا الباب فيكون صاحب ملكة في جدل السياسة فقط ... وهكذا في سائر المذاهب والآراء. وعليه فلا يجب في الجدلي المختص بموضوع أن تكون ملكته عامة لجميع المشهورات في جميع العلوم والآراء. (الأداة الثانية) - القدرة والقوة على التمييز بين معاني الألفاظ المشتركة والمنقولة والمشككة والمتواطئة والمتباينة والمترادفة وما إليها من أحوال الألفاظ والقدرة على تفصيلها على وجه يستطيع أن يرفع ما يطرأ من غموض واشتباه فيها حتى لا يقتصر على الدعوى المجردة في إيرادها في حججه بل يتبين وجه الاشتراك أو التشكيك أو غير ذلك من الأحوال. وهناك أصول وقواعد قد يرجع إليها لمعرفة المشترك اللفظي وتمييزه عن المشترك المعنوي ولمعرفة باقي أحوال اللفظ : لا يسعها هذا الكتاب المختصر . ولأجل أن يتنبه الطالب لهذه الأبحاث نذكر مثالا لذلك فنقول: لو اشتبه لفظ في كونه مشتركا لفظيا أو معنويا فإنه قد يمكن رفع الاشتباه بالرجوع إلى اختلاف اللفظ بحسب الاعتبارات مثل كلمة (قوة) فإنها تستعمل بمعنى القدرة كقولنا قوة المشي والقيام مثلا وتستعمل بمعنى القابلية والتهيؤ للوجود مثل قولنا الأخرس ناطق بالقوة والبذرة شجرة بالقوة. فلو شككنا في أنها موضوعة لمعنى أعم أو لكل من المعنيين على حدة فإنه يمكن أن نقيس اللفظ إلى ما يقابله فنرى في المثال أن اللفظ بحسب كل معنى يقابله لفظ آخر وليس له مقابل واحد فمقابل القوة بالمعنى الأول الضعف ومقابلها بالمعنى الثاني الفعلية. ولتعدد التقابل نستظهر أن لها معنيين لا معنى واحدا وإلا لكان لها مقابل واحد. وكذلك يمكن أن تستظهر أن للفظة معنيين على نحو الاشتراك اللفظي إذا تعدد جمعها بتعدد معناها مثل لفظة (أمر) فإنها بمعنى شيء تجمع على (أمور) وبمعنى طلب الفعل تجمع على (أوامر). فلو كان لها معنى واحد مشترك لكان لها جمع واحد. ثم إن كثيرا ما تقع المنازعات بسبب عدم تحقيق معنى اللفظ فينحو كل فريق من المتنازعين منحى من معنى اللفظ غير ما ينحوه الفريق الآخر ويتخيل كل منهما أن المقصود لهما معنى واحد هو موضع الخلاف بينهما. ومن له خبرة في أحوال اللفظ يستطيع أن يكشف مثل هذه المغالطات ويوقع التصالح بين الفريقين. ويمكن التمثيل لذلك بالنزاع في مسألة جواز رؤية الله فيمكن أن يريد من يجيز الرؤية هي الرؤية القلبية أي الإدراك بالعقل بينما أن المقصود لمن يحيلها هي الرؤية بمعنى الإدراك بالبصر. فتفصيل معنى الرؤية وبيان أن لها معنيين قد يزيل الخلاف والمغالطة. وهكذا يمكن كشف النزاع في كثير من الأبحاث. وهذا من فوائد هذه الأداة. (الأداة الثالثة) القدرة والقوة على التمييز بين المتشابهات سواء كان التمييز بالفصول أو بغيرها. وتحصل هذه القوة (الملكة) بالسعي في طلب الفروق بين الأشياء المتشابهة تشابها قريبا لا سيما في تحصيل وجوه اختلاف أحكام شيء واحد بل تحصل بطلب المباينة بين الأشياء المتشابهة بالجنس. وتظهر فائدة هذه الأداة في تحصيل الفصول والخواص للأشياء فيستعين بذلك على الحدود والرسوم. وتظهر الفائدة للمجادل كما لو ادعى خصمه مثلا أن شيئين لهما حكم واحد باعتبار تشابهها فيقيس أحدهما على الآخر أو أن الحكم ثابت للعام الشامل لهما فإنه أي المجادل إذا ميز بينهما وكشف ما بينهما من فروق تقتضي اختلاف أحكامها ينكشف اشتباه الخصم ويقال له مثلا: إن قياسك الذي ادعيته قياس مع الفارق. مثاله ما تقدم في بحث المشهورات في دعوى منكر الحسن والقبح العقليين إذ استدل على ذلك بأنه لو كان عقليا لما كان فرق بينه وبين حكم العقل بأن الكل أعظم من الجزء مع أن الفرق بينهما ظاهر. فاعتقد المستدل أن حكمي العقل في المسألتين نوع واحد واستدل بوجود الفرق على إنكار حكم العقل في مسألة الحسن والقبح. وقد أوضحنا هناك الفرق بين العقلين وبين الحكمين بما أبطل قياسه فكان قياسا مع الفارق . وهذا المثال أحد موارد الانتفاع بهذه الأداة. الأداة الرابعة) - القدرة على بيان التشابه بين الأشياء المختلفة عكس الأداة الثالثة سواء كان التشابه بالذاتيات أو بالعرضيات وتحصل هذه القدرة (الملكة) بطلب وجوه التشابه بين الأمور المتباعدة جدا أو المتجانسة وبتحصيل ما به الاشتراك بين الأشياء وإن كان أمرا عدميا. ويجوز أن يكون وجه التشابه نسبة عارضة والحدود في النسبة إما أن تكون متصلة أو منفصلة: أما المتصلة فكما لو كان شيء واحد منسوبا أو منسوبا إليه في الطرفين أو أنه في أحد الطرفين منسوبا وفي الثاني منسوبا إليه فهذه ثلاثة أقسام: (مثال الأول) ما لو قيل: نسبة الإمكان إلى الوجود كنسبته إلى العدم. و (مثال الثاني ما لو قيل : نسبة البصر إلى النفس كنسبة السمع إليها. و (مثال الثالث ما لو قيل : نسبة النقطة إلى الخط كنسبة الخط إلى السطح. أما المنفصلة ففيما إذا لم يشترك الطرفان في شيء واحد أصلا كما لو قيل: نسبة الأربعة إلى الثمانية كنسبة الثلاثة إلى الستة. وفائدة هذه الأداة اقتناص الحدود والرسوم بالاشتراك مع الأداة السابقة. فإن هذه الأداة تنفع لتحصيل الجنس وشبه الجنس والأداة السابقة تنفع في تحصيل الفصول والخواص كما تقدم. وتنفع هذه الأداة في إلحاق بعض القضايا ببعض آخر في الشهرة أو في حكم آخر ببيان ما به الاشتراك في موضوعيهما بعد أن يعلل الحكم بالأمر المشترك كما في التمثيل. وتنفع هذه الأداة أيضا الجدلي فيما لو ادعى خصمه الفرق في الحكم بين شيئين فيمكنه أن يطالب بإيراد الفرق فإذا عجز عن بيانه لابد أن يسلم بالحكم العام ويذعن. وإن كان بحسب التحقيق العلمي لا يكون العجز عن إيراد الفرق بل حتى نفس عدم الفرق مقتضيا لإلحاق شيء بشبيهه في الحكم.

#2483,391 حرف

ن شيئين فيمكنه أن يطالب بإيراد الفرق فإذا عجز عن بيانه لابد أن يسلم بالحكم العام ويذعن. وإن كان بحسب التحقيق العلمي لا يكون العجز عن إيراد الفرق بل حتى نفس عدم الفرق مقتضيا لإلحاق شيء بشبيهه في الحكم. المبحث الثاني – المواضع – ۱. معنى الموضع للتعبير (بالموضع) أهمية خاصة في هذه الصناعة فينبغي أن نتقن جيدا معنى هذه اللفظة قبل البحث عن أحكامه فنقول: الموضع - باصطلاح هذه الصناعة هو الأصل أو القاعدة الكلية التي تتفرع منها قضايا مشهورة. وبعبارة ثانية أكثر وضوحا الموضع كل حكم كلي تنشعب منه وتتفرع عليه أحكام كلية كثيرة كل واحد منها بمثابة الجزئي بالإضافة إلى ذلك الكلي الأصل لها وفي عين الوقت كل واحد من هذه الأحكام المتشعبة مشهور في نفسه يصح أن يقع مقدمة في القياس الجدلي بسبب شهرته. ولا يشترط في الأصل (الموضع) أن يكون في نفسه مشهورا فقد يكون وقد لا يكون. وحينما يكون في نفسه مشهورا صح أن يقع كالحكم المنشعب مقدمة في القياس الجدلي فيكون موضعا باعتبار ومقدمة باعتبار منه آخر. مثال الموضع قولهم: (إذا كان أحد الضدين موجودا في موضوع كان ضده الآخر موجودا في ضد ذلك الموضوع). فهذه القاعدة تسمى موضعا لأنه تنشعب منها عدة أحكام مشهورة تدخل تحتها مثل قولهم: (إذا كان الإحسان للأصدقاء حسنة فالإساءة إلى الأعداء حسنة أيضا) وقولهم: (إذا كانت معاشرة الجهال مذمومة فمقاطعة العلماء مذمومة) وقولهم: (إذا جاء الحق زهق الباطل) وقولهم: (إذا كثرت الأغنياء قلت الفقراء)... وهكذا. فهذه الأحكام وأمثالها أحكام جزئية بالقياس إلى الحكم الأول العام وفي نفسها أحكام كلية مشهورة. (مثال ثان للموضع): قولهم: (إذا كان شيء موجودا في وقت أو موضع أو حال أو موضوع أو نافع أو جميل فهو مطلقا ممكن أو نافع أو جميل) فهذه القاعدة تسمى موضعا لأنه تنشعب منها عدة أحكام مشهورة مثل أن يقال: (إذا كذب الرجل مرة فهو كاذب مطلقا) و (إذا كان السياسي يذيع السر في بيته فهو مذيع للسر مطلقا) و (إذا صبر الإنسان في حال الشدة فهو صابر مطلقا) و (إذا ملك الإنسان العقار فهو مالك مطلقا) ومثل أن يقال: (إذا أمكن الطالب أن يجتهد في مسألة فقهية فالاجتهاد ممكن له مطلقا) و (إذا كان الصدق نافعا في الحال الاعتيادية فهو نافع مطلقا) و (إذا حسنت مجاملة العدو في حال اللقاء فهي حسنة مطلقا ) ... وهكذا تتشعب من ذلك الموضع كثير من أمثال هذه الأحكام المشهورة التي هي من جزئياته. وأكثر المواضع ليست مشهورة. وإنما الشهرة لجزئياتها فقط. والسر في ذلك : 1 إن تصور العام أبعد عن عقول العامة من تصور الخاص فلابد أن تكون شهرة كل عام أقل من شهرة ما هو أخص منه. لأن صعوبة التصور تستدعي صعوبة التصديق. وهذه الصعوبة تمنع الشهرة وإن لم تمنعها فإنها تقللها على الأقل. 2 إن العام يكون في معرفة النقض أكثر من الخاص لأن نقض الخاص يستدعي نقض العام ولا عكس. ولهذا يكون الاطلاع على كذب العام أسهل وأسرع. ولأجل التوضيح نجرب ذلك في الموضع الأول المذكور آنفا: فإنا عند ملاحظة الأضداد نجد أن السواد والبياض مثلا من الأضداد مع أنهما معا يعرضان على موضوع واحد وهو الجسم لا أن البياض يعرض على نوع من الجسم مثلا والسواد يعرض على ضده كما يقتضيه هذا الموضع. إذن هذا الموضع كاذب لا قاعدة كلية فيه. فانظر كيف اطلعنا بسهولة على كذب هذا العام. أما الأحكام المشهورة المنشعبة منه كمثال الإحسان إلى الأصدقاء والإساءة إلى الأعداء فإن النقض المتقدم للوضع لا يستلزم نقضها لما قلناه إن نقض العام لا يستدعي نقض الخاص. مثلا نجد امتناع تعاقب الضدين مثل الزوجية والفردية على موضوع واحد بأن يكون عدد واحد مرة زوجا ومرة فردا فكون بعض أصناف الأضداد كالبياض والسواد يجوز تعاقبهما على موضوع واحد لا يستلزم أن يكون كل ضدين كذلك فجاز أن يكون الإحسان والإساءة من قبيل الزوجية والفردية لا من قبيل السواد والبياض. وحينئذ يجب ملاحظة جزئيات هذا الحكم المنشعب من الموضع فإذا لاحظناها ولم نعثر فيما بينها على نقض له ولم نطلع على مشهور آخر يقابله فلابد أن يكون في موضع التسليم ولا يلتفت إلى الأضداد الأخرى الخارجة عنه.

#2491,098 حرف

وحينئذ يجب ملاحظة جزئيات هذا الحكم المنشعب من الموضع فإذا لاحظناها ولم نعثر فيما بينها على نقض له ولم نطلع على مشهور آخر يقابله فلابد أن يكون في موضع التسليم ولا يلتفت إلى الأضداد الأخرى الخارجة عنه. والخلاصة إن كذب الموضع لا يستكشف منه كذب الحكم المنشعب منه المشهور. ٢. فائدة الموضع وسر التسمية وعلى ما تقدم يتوجه السؤال عن الفائدة من المواضع في هذه الصناعة إذا كانت الشهرة ليست له! والجواب: إن الفائدة منه هي أن صاحب هذه الصناعة يستطيع أن يعد المواضع ويحفظها عنده أصولا وقواعد عامة ليستنبط منها المشهورات النافعة له في الجدل عند الحاجة للإبطال أو الإثبات وإحصاء المواضع (القواعد العامة أسهل وأجدى في التذكر من إحصاء جزئياتها (المشهورات المنشعبة منها). ولذا قالوا ينبغي للمجادل ألا يصرح بالموضع الذي استنبط منه المشهور؛ بل يحتفظ به بينه وبين نفسه حتى لا يجعله معرضا للنقض والرد لأن نقضه ورده - كما تقدم أسهل وأسرع. ومن أجل هذا سمي الوضع موضعا لأنه موضع للحفظ والانتفاع والاعتبار. وقيل: إنما سمي موضعا لأنه يصلح أن يكون موضع بحث ونظر. وهو وجيه أيضا وقيل غير ذلك ولا يهم التحقيق فيه. . أصناف المواضع جميع المواضع في المطالب الجدلية إنما تتعلق بإثبات شيء لشيء أو نفيه عنه أي تتعلق بالإثبات والإبطال.