المكتبة

معيار العلم

أبو حامد الغزالي · 1100
221 مقطع — صفحة 3 من 5 (101–150)
#1002,238 حرف

مستقيم، فتأمل أمثال ذلك فإنه كثير الورود في المناظرات (۱) ليس عليه الأمر تلبيسا : خلطه . (۲) قال تعالى : السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ [المائدة: ٣٨]. (۳) الخلط : ضم الشيء إلى الشيء . ٨٦ معيار العلم في فن المنطق ٨٦ والمخاطبات التعليمية. ومن جملة التركيبات ما تترك فيه النتائج الواضحة وبعض المقدمات، ويذكر من كل قياس مقدمة واحدة، وتترتب بعضها على بعض وتساق إلى نتيجة واحدة كقولنا : كل جسم مؤلف، وكل مؤلف فمقارن لعرض لا ينفك عنه، وكل عرض فحادث، وكل مقارن الحادث لا يتقدم عليه، وكل ما لا يتقدم عليه فوجوده معه، وكل ما وجوده معه فهو حادث، فإذن العالم حادث . وكل واحدة من هذه المقدمات تمامها بقياس كامل حذفت نتائجها وما ظهر من مقدماتها وسيقت لغرض واحد . وإلا فكان ينبغي أن يقول: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف فمقارن لعرض لا ينفك عنه، فإذن كل جسم فمقارن لعرض لا ينفك عنه. ثم يبتدي ويضيف إليه مقدمة أخرى، وهو أن كل مقارن لعرض لا ينفك عنه . فإذن كل جسم فمقارن لعرض لا ينفك عنه، ثم يبتدي ويضيف إليه مقدمة أخرى وهو أن كل مقارن لعرض لا ينفك عنه فهو مقارن لحادث، ثم يشتغل بما بعده على الترتيب، ولكن أغنى وضوح هذه النتائج عن التصريح بها . وربما تجري في المخاطبات كلمات لها نتائج، لكن تترك تلك النتائج، إما لظهورها وإما لأنها لا تقصد للاحتجاج، بل تذكر المقدمات تعريفا لها في أنفسها اعتمادا على قبول المخاطب، فقد قال النبي ﷺ : ( يموت المرء على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه ) (۱) . وهاتان مقدمتان نتيجتهما أن المرء يحشر على ما عاش عليه، فحالة الحياة هي الحد الأصغر، وحالة الممات هي الحد الأوسط . ومهما ساوت حالة الحشر حالة الموت، وساوت حالة الموت حالة الحياة، فقد ساوت حالة الحشر حالة الحياة . والمقصود من سياق الكلام تنبيه الخلق على أن الدنيا مزرعة الآخرة، ومنها التزود. ومن لم يكتسب السعادة وهو في الدنيا فلا سبيل له إلى اكتسابها بعد موته، فمن كان في هذه أعمى فهو عند الموت أعمى، أعني عمى البصيرة عن درك الحق والعياذ بالله. ومن كان عند الموت أعمى فهو عند الحشر أعمى كذلك، بل هو أضل سبيلا (۲) إذ ما دام الإنسان في الدنيا فله أمل في الطلب، وبعد الموت قد تحقق اليأس . والمقصود أن الكلمات الجارية في المحاورات كلها أقيسة محرفة غيرت تأليفاتها للتسهيل، فلا ينبغي أن يغفل الإنسان عنها بالنظر إلى الصور، بل ينبغي أن لا يلاحظ إلا الحقائق المعقولة دون الألفاظ المنقولة. (١) وفي صحيح مسلم (١٦٥/٨) : قال رسول الله ﷺ : يبعث كل عبد على ما مات عليه . (۲) هذا من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) [الإسراء: ٧٢].

#1011,633 حرف

دون الألفاظ المنقولة. (١) وفي صحيح مسلم (١٦٥/٨) : قال رسول الله ﷺ : يبعث كل عبد على ما مات عليه . (۲) هذا من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) [الإسراء: ٧٢]. ۸۷ النظر الثاني : في مادة القياس ۸۷ النظر الثاني في مادة القياس قد ذكرنا أن كل مركب فهو متألف من شيئين : أحدهما : كالمادة الجارية منه مجرى الخشب من السرير . والثاني : كالصورة الجارية منه مجرى صورة السرير من السرير، وقد تكلمنا على صورة القياس وتركيبه ووجوه تأليفه بما يقنع، فلنتلكم في مادته، ومادته هي العلوم، لكن لا كل علم بل العلم التصديقي دون العلم التصوري، وإنما العلم التصوري مادة الحد، والعلم التصديقي هو العلم بنسبة ذوات الحقائق بعضها إلى بعض بالإيجاب أو السلب، ولا كل تصديقي بل التصديقي الصادق في نفسه، ولا كل صادق بل الصادق اليقيني . فرب شيء في نفسه صادق عند الله وليس يقينا عند الناظر، فلا يصلح أن يكون عنده مادة للقياس الذي يطلب به استنتاج اليقين، ولا كل يقيني بل اليقيني الكلي، أعني أنه يكون كذلك في كل حال. ومهما قلنا : مواد القياس هي المقدمات كان ذلك مجازا من وجه، إذ المقدمة عبارة عن نطق باللسان يشتمل على محمول وموضوع ، ومادة القياس هي العلم الذي لفظ الموضوع والمحمول دالان عليه لا اللفظ بل الموضوع والمحمول هي العلوم الثابتة في النفس دون الألفاظ، ولكن لا يمكن التفهيم إلا باللفظ ، والمادة الحقيقية هي التي تنتهي إليه في الدرجة الرابعة، بعد ثلاثة قشور (۱): القشر الأول : هو الصور المرقومة (۲) بالكتابة . الثاني : هو النطق، فإنه الأصوات المرتبة التي هي مدلول الكتابة ودالة على الحديث الذي في النفس . الثالث : هو حديث النفس الذي هو علم بترتيب الحروف ونظم الكلام، إما منطوقا به وإما مكتوبا . (۱) كذا قال الغزالي: «ثلاثة قشور» ؛ ثم جاء بها أربعة، كما سيأتي. (۲) المرقومة : المنقوشة ؛ يقال : رقم الشيء : نقشه وطرزه وخططه .

#1021,953 حرف

لنفس الذي هو علم بترتيب الحروف ونظم الكلام، إما منطوقا به وإما مكتوبا . (۱) كذا قال الغزالي: «ثلاثة قشور» ؛ ثم جاء بها أربعة، كما سيأتي. (۲) المرقومة : المنقوشة ؛ يقال : رقم الشيء : نقشه وطرزه وخططه . ۸۸ معيار العلم في فن المنطق ۸۸ والرابع : وهو اللباب (۱) ، هو العلم القائم بالنفس الذي حقيقته ترجع إلى انتقاش النفس بمثال مطابق للمعلوم؛ فهذه العلوم هي مواد القياس وعسر تجريدها في النفس دون نظم الألفاظ بحديث النفس لا ينبغي أن يخيل إليك الاتحاد بين العلم والحديث، فإن الكاتب أيضا قد يعسر عليه تصور معنى إلا أن يتمثل له رقوم الكتابة (۲) الدالة على الشيء، حتى إذا تفكر في الجدار تصور عنده لفظ الجدار مكتوبا. ولكن لما كان العلم بالجدار غير موقوف على معرفة أصل الكتابة لم يشكل عليه أن هذا مقارن لازم للعلم لا عينه، وكذلك يتصور أن إنسانا يعلم علوما كثيرة وهو لا يعرف اللغات فلا يكون في نفسه حديث نفس، أعني اشتغالا بترتيب الألفاظ، فإذن العلوم الحقيقية التصديقية هي مواد القياس، فإنها إذا أحضرت في الذهن على ترتيب مخصوص استعدت النفس لأن يحدث فيها العلم بالنتيجة من عند الله تعالى، فإذن مهما قلنا مواد القياس المقدمات اليقينية فلا تفهم منه إلا ما ذكرناه . ثم كما أن صورة الاستدارة والنقش للدينار زائد على مادة الدينار، فإن المادة للدينار هي الذهب الإبريز (۳) ، فكذا في القياس، وكما أن الذهب الذي هو مادة الدينار له أربعة أحوال : أعلاها : أن يكون ذهبا خالصا إبريزا لا غش فيه أصلا . والثانية : أن يكون ذهبا مقارنا لا في غاية رتبته العليا، ولا كذلك الذهب الإبريز الخالص . والثالث : أن يكون ذهبا كثير الغش لاختلاط النقرة والنحاس به . والرابعة : أن لا يكون ذهبا أصلا بل يكون جنسا على حدة مشبها بالذهب . أنواع القياس فكذلك الاعتقادات التي هي مواد الأقيسة قد تكون اعتقادا مقاربا لليقين مقبولا عند الكافة في الظاهر ، لا يشعر الذهن بإمكان نقيضه على الفور بل بدقيق الفكر، فيسمى القياس المؤلف منه جدليا إذ يصلح لمناظرات الخصوم وقد يكون اعتقادا بحيث لا يقع به تصديق جزم، ولكن غالب ظن وقناعة نفس مع خطور نقيضه بالبال أو قبول النفس لنقيضه إن خطر بالبال، وإن وقعت الغفلة عنه في أكثر (1) اللباب : خالص كل شيء . (۲) رقوم الكتابة : نقوشها أو خطوطها . (۳) الذهب الإبريز : الخالص .

#1031,502 حرف

كن غالب ظن وقناعة نفس مع خطور نقيضه بالبال أو قبول النفس لنقيضه إن خطر بالبال، وإن وقعت الغفلة عنه في أكثر (1) اللباب : خالص كل شيء . (۲) رقوم الكتابة : نقوشها أو خطوطها . (۳) الذهب الإبريز : الخالص . ۸۹ النظر الثاني : في مادة القياس والأحوال، ويسمى القياس المؤلف منه خطابيا إذ يصلح للإيراد في التعليمات والمخاطبات، وقد يكون تارة مشبها باليقين أو بالمشهور المقارب لليقين في الظاهر، وليس بالحقيقة كذلك، وهو الجهل المحض، ويسمى القياس المؤلف منه مغالطيا وسوفسطائيا إذ لا يقصد بذلك إلا المغالطة والسفسطة (١)، وهو إبطال الحقائق ؛ فهذه أربع مراتب لا بد من تمييز البعض منها عن البعض . وأما الخامس الذي يسمى قياسا شعريا فليس يدخل في غرضنا فإنه لا يذكر الإفادة علم أو ظن ، بل المخاطب قد يعلم حقيقته، وإنما يذكر لترغيب أو تنفير أو تسخية (٣) ة (۳) أو تبخيل أو ترهيب أو تشجيع، وله تأثير في النفس بترديدها على هذه الأحوال وإيجابه انقباضا وانبساطا مع معرفة بطلانه . وذلك كنفرة الطبع عن الحلو الأصفر إذا شبه بالعذرة حتى يتعذر في الحال تناولها وإن علم كذب قائله، وعليه تعويل صناعة الشعر، وبه تشبث أكثر المتشدقين (٤) من الوعاظ، فإنهم يستعملون في النثر صناعة الشعر، ومثاله أن من يريد أن يحمل غيره على التهور(ة)، ويصرفه عن الحزم ) يلقب الحزم بالجبن ويقبحه، ويذم صاحبه فيقول : [من الوافر] يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة النفس اللئيم فتنبسط نفس المتوقف إلى التهجم بذلك، كقوله : [من الطويل] إذا لم أمت تحت السيوف مكرما أمت وأقاسي الذل غير مكرم وكذلك إذا أراد التسخية أطنب (۷) في مدح السخي وشبهه بما يعلم أنه لا يشبهه، ولكن يؤثر في نفسه كقوله (۸) : [من الطويل] هو البحر من أي الجوانب جئته فلجته المعروف والجود ساحلة (۹)

#1041,351 حرف

أمت وأقاسي الذل غير مكرم وكذلك إذا أراد التسخية أطنب (۷) في مدح السخي وشبهه بما يعلم أنه لا يشبهه، ولكن يؤثر في نفسه كقوله (۸) : [من الطويل] هو البحر من أي الجوانب جئته فلجته المعروف والجود ساحلة (۹) معيار العلم في فن المنطق ۹۰ تعود بسط الكف حتى لو انه دعاها لقبض لم تطعه أناملة (١) تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله (۲) ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها، فليتق الله آمله (۳) وهذه الكلمات كلها أحاديث يعلم حقيقة كذبها ، ولكنها تؤثر في النفس تأثيرا عجيبا لا ينكر. وإذ ليس يتعلق هذا الجنس بغرضنا فلنهجر الإطناب فيه ولنرجع إلى الأقسام الأربعة، وإذ قد قبحنا حال الشعر فلا ينبغي أن تظن أن كل شعر باطل، فإن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسخرا (٤) . وقد يدرج الحق في وزن الشعر فلا يخرج عن كونه حقا كقول الشاعر (٥) في تهجين البخل (٦) : [من الطويل] ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر (۷) فهذا كلام حق صادق ومؤثر في النفس، والوزن اللطيف والنظم الخفيف يروجه ويزيد وقعه في النفس، فلا تنظر إلى صورة الشعر ولاحظ المعاني في الأمور كلها لتكون على الصراط المستقيم. ولنرجع إلى الغرض فنقول : المقدمات تنقسم إلى يقينيات صادقة واجبة القبول وإلى غيرها . القسم الأول : المقدمات اليقينية وللقسم الأول باعتبار المدرك أربعة أصناف : الصنف الأول : الأوليات العقلية المحضة، وهي قضايا تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية المجردة من غير معنى زائد عليها يوجب التصديق بها، ولكن ذوات البسائط إذا حصلت في الذهن إما لمعونة الحس أو الخيال أو وجه آخر

#1052,128 حرف

الأول : الأوليات العقلية المحضة، وهي قضايا تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية المجردة من غير معنى زائد عليها يوجب التصديق بها، ولكن ذوات البسائط إذا حصلت في الذهن إما لمعونة الحس أو الخيال أو وجه آخر النظر الثاني : في مادة القياس وجعلتها القوة المفكرة قضية بأن نسبت أحدها إلى الآخر بسلب أو إيجاب، صدق بها الذهن اضطرارا من غير أن يشعر بأنه من أين استفاد هذا التصديق، بل يقدر كأنه كان عالما به على الدوام كقولنا : إن الاثنين أكثر من الواحد، والثلاثة مع الثلاثة ستة، وإن الشيء الواحد لا يكون قديما وحديثا معا، وإن السلب والإيجاب معا لا يصدقان في شيء واحد فقط إلى نظائره. وهذا الجنس من العلوم لا يتوقف الذهن في التصديق به إلا على تصور البسائط، أعني الحدود والذوات المفردة، فمهما تصور الذوات وتفطن للتركيب لم يتوقف في التصديق، وربما يحتاج إلى توقف حتى يتفطن لمعنى الحادث والقديم، ولكن بعد معرفتهما لا يتوقف في الحكم بالتصديق الصنف الثاني : المحسوسات كقولنا : القمر مستدير، والشمس منيرة، والكواكب كثيرة، والكافور أبيض، والفحم أسود، والنار حارة، والثلج بارد، فإن العقل المجرد إذا لم يقترن بالحواس لم يقض بهذه القضايا، وإنما أدركها بواسطة الحواس، وهذه أوليات حسية. ومن هذا القبيل علمنا بأن لنا فكرا وخوفا وغضبا وشهوة وإدراكا وإحساسا، فإن ذلك انكشف للنفس أيضا بمساعدة قوى باطنة، فكأنه يقع متأخرا عن القضايا التي صدق بها العقل من غير حاجة إلى قوة أخرى سوى العقل. ولا تشك في صدق المحسوسات إذا استثنيت أمورا عارضة، مثل ضعف الحس وبعد المحسوس وكثافة الوسائط . الصنف الثالث : المجربات وهي أمور وقع التصديق بها من الحس بمعاونة قياس خفي، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان، والقطع مؤلم، وحز الرقبة مهلك، والسقمونيا (١) مسهل، والخبز مشبع، والماء مرو، والنار محرقة؛ فإن الحس أدرك الموت مع حز الرقبة، وعرف التألم عند القطع بهيئات في المضروب، وتكرر ذلك على الذكر فتأكد منه عقد قوي لا يشك فيه، وليس علينا ذكر السبب في حصول اليقين بعد أن عرفنا أنه يقيني، وربما أوجبت التجربة قضاء جزميا وربما أوجبت قضاء أكثريا، ولا تخلو عن قوة قياسية خفية تخالط المشاهدات، وهي لو كان هذا الأمر اتفاقيا أو عرضيا غير لازم لما استمر في الأكثر من غير اختلاف، حتى إذا لم يوجد ذلك اللازم استبعدت النفس تأخره عنه وعدته نادرا، وطلبت له سببا عارضا مانعا . وإذا اجتمع هذا الإحساس متكررا مرة بعد أخرى، ولا ينضبط عدد المرات كما لا ينضبط عدد المخبرين في التواتر، فإن كل واقعة ههنا مثل

#1061,927 حرف

ذلك اللازم استبعدت النفس تأخره عنه وعدته نادرا، وطلبت له سببا عارضا مانعا . وإذا اجتمع هذا الإحساس متكررا مرة بعد أخرى، ولا ينضبط عدد المرات كما لا ينضبط عدد المخبرين في التواتر، فإن كل واقعة ههنا مثل معيار العلم في فن المنطق ۹۲ شاهد مخبر، وانضم إليه القياس الذي ذكرناه أذعنت النفس للتصديق . فإن قال قائل : كيف تعتقدون هذا يقينا، والمتكلمون شكوا فيه وقالوا: ليس الحز سببا للموت، ولا الأكل سببا للشبع، ولا النار علة للإحراق، ولكن الله تعالى يخلق الاحتراق والموت والشبع عند جريان هذه الأمور لا بها؟ قلنا : قد نبهنا على غور هذا الفصل وحقيقته في كتاب (تهافت الفلاسفة» (١). والقدر المحتاج إليه الآن أن المتكلم إذا أخبره بأن ولده حزت رقبته لم يشك في موته، وليس في العقلاء من يشك فيه، وهو معترف بحصول الموت وباحث عن وجه الاقتران . وأما النظر في أنه هل هو لزوم ضروري ليس في الإمكان تغييره أو هو بحكم جريان سنة الله لنفوذ مشيئته الأزلية، التي لا تحتمل التبديل والتغيير، فهو نظر في وجه الاقتران لا في نفس الاقتران فليفهم هذا وليعلم أن التشكك في موت من حزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه . من ومن قبيل المجربات الحدسيات، وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس النفس يقع لصفاء الذهن وقوته وتوليه الشهادة لأمور، فتذعن النفس لقبوله والتصديق له بحديث لا يقدر على التشكك فيه، ولكن لو نازع فيه منازع معتقدا أو معاندا لم يمكن أن يعرف به ما لم يقو حدسه ولم يتول الاعتقاد الذي تولاه ذو الحدس القوي، وذلك مثل قضائنا بأن نور القمر مستفاد من الشمس، وأن انعكاس شعاعه إلى العالم يضاهي (۳) انعكاس شعاع المرآة إلى سائر الأجسام التي تقابله، وذلك لاختلاف تشكله عند اختلاف نسبته من الشمس قربا وبعدا وتوسطا. ومن تأمل شواهد ذلك لم يبق له فيه ريبة وفيه من القياس ما في المجربات، فإن هذه الاختلافات لو كانت بالاتفاق أو بأمر خارج سوى الشمس لما استمرت على نمط واحد على طول الزمن، ومن مارس العلوم يحصل له من هذا الجنس على طريق الحدس والاعتبار قضايا كثيرة لا يمكنه إقامة البرهان عليها، ولا يمكنه أن يشك فيها، ولا يمكنه أن يشرك فيها غيره بالتعليم، إلا أن يدل الطالب على الطريق الذي سلكه واستنهجه (٤). ، حتى إذا تولى السلوك بنفسه أفضاه ذلك السلوك إلى ذلك

#1071,830 حرف

يرة لا يمكنه إقامة البرهان عليها، ولا يمكنه أن يشك فيها، ولا يمكنه أن يشرك فيها غيره بالتعليم، إلا أن يدل الطالب على الطريق الذي سلكه واستنهجه (٤). ، حتى إذا تولى السلوك بنفسه أفضاه ذلك السلوك إلى ذلك النظر الثاني : في مادة القياس ۹۳ الاعتقاد وإن كان ذهنه في القوة والصفاء على رتبة الكمال. ولمثل هذا لا يمكن إفحام كل مجادل بكلام مسكت، فلا ينبغي أن تطمع في القدرة على المجادلة في كل حق، فمن الاعتقادات اليقينية ما لا نقدر على تعريفه غيرنا بطريق البرهان إلا إذا شاركنا في ممارسته ليشاركنا في العلوم المستفادة منه، وفي مثل هذا المقام يقال : من لم يذق لم يعرف ، ومن لم يصل لم يدرك . الصنف الرابع : القضايا التي عرفت لا بنفسها بل بوسط ولكن لا يعزب عن الذهن أوساطها، بل مهما أحضر جزئي المطلوب حضر التصديق به لحضور الوسط معه كقولنا : الاثنان ثلث الستة، فإن هذا معلوم بوسط وهو أن كل منقسم ثلاثة أقسام متساوية ، فأحد الأقسام ثلث والستة تنقسم بالاثنينات ثلاثة أقسام متساوية، فالاثنان إذن ثلث الستة، ولكن هذا الوسط لا يعزب عن الذهن لقلة هذا العدد وتعود الإنسان التأميل فيه، حتى لو قيل لك : الاثنان والعشرون هل هي ثلث ستة وستين؟ لم تبادر إليه مبادرتك إلى الحكم بأن الاثنين ثلث الستة، بل ربما افتقرت إلى أن تقسم الستة والستين على ثلاثة، فإذا انقسمت وحصل أن كل قسم اثنان وعشرون عرفت أن ذلك ثلثه ، وهكذا كلما كثر الحساب؛ فهذا وإن كان معلوما برأي ثان لا بالرأي الأول ولكنه ليس يحتاج فيه إلى تأمل، فهو جار مجرى الأوليات فيصلح لأن يكون من مواد الأقيسة، بل القضايا التي هي نتائج أقيسة ألفت من مقدمات هي من الأصناف الثلاثة السابقة تصلح أن تكون مواد أقيسة ومقدماتها. القسم الثاني : المقدمات التي ليست يقينية ولا تصلح للبراهين وهي نوعان : نوع يصلح للظنيات الفقهية، ونوع لا يصلح لذلك أيضا. المقدمات الصالحة للفقهيات : النوع الأول : وهو الصالح للفقهيات دون اليقينيات وهي ثلاثة أصناف : مشهورات ومقبولات ومظنونات . الصنف الأول : المشهورات مثل حكمنا بحسن إفشاء السلام (۲)، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام (۳) ، وملازمة الصدق في الكلام، ومراعاة العدل في القضايا

#1081,862 حرف

دون اليقينيات وهي ثلاثة أصناف : مشهورات ومقبولات ومظنونات . الصنف الأول : المشهورات مثل حكمنا بحسن إفشاء السلام (۲)، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام (۳) ، وملازمة الصدق في الكلام، ومراعاة العدل في القضايا معيار العلم في فن المنطق ٩٤ والأحكام، وحكمنا بقبح إيذاء الإنسان، وقتل الحيوان، ووضع البهتان)، ورضاء الأزواج بفجور (۲) النسوان، ومقابلة النعمة بالكفران والطغيان(۳)، وهذه قضايا لو خلي الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ، لما قضى الذهن به قضاء بمجرد العقل والحس، ولكن إنما قضى بها لأسباب عارضة أكدت في النفس هذه القضايا وأثبتتها؛ وهي خمسة : أولها : رقة القلب بحكم الغريزة وذلك في حق أكثر الناس حتى سبق إلى وهم قوم إن ذبح الحيوان قبيح عقلا، ولولا أن سياسة الشرع صرفت الناس عن ذلك إلى تحسين الذبح وجعله قربانا لعم هذا الاعتقاد أكثر الناس. ومن هذا أشكل على المعتزلة وأكثر الفرق وجه العدل في إيلام البهائم بالذبح والمجانين بالمرض، وزعموا بحكم رقة طباعهم أن ذلك قبيح، فمنهم من اعتذر بأنها ستعوض عليها بعد الحشر في الدار الآخرة. ولم ينتبه هؤلاء لقبح صفع الملك ضعيفا ليعطيه ،رغيفا، مهما قدر على إعطائه دون الصفع، واعتذر فريق بأنها عقوبات على جنايات قارفوها (٤) وهم مكلفون، وردوا بطريق التناسخ بعد الموت إلى هذه القوالب ليعذبوا فيها، ولم يعلموا أن عقوبة من لا يعرف أنه معاقب فينزجر بسببه قبيح . وإن زعموا أنها تعرف كونها معاقبة على جنايات سبقت كان لها قوة مفكرة، ويلزم عليه تجويز معرفة الذبان والديدان حقائق الأمور وجميع العلوم الهندسية والفلسفية، وهو مناكرة للمحسوس، ثم مهما لم يكن للمعاقب غرض في انتقام أو تشف أو دفع ضر في المستقبل أو لم يكن للمعاقب مصلحة فهو أيضا قبيح، والله قادر على إفاضة النعم على الخلق من غير إيلام، ومن غير تكليف وإلزام، فإيذاؤهم بالتكليف أولا وبالعقوبة آخرا أحرى بأن يكون قبيحا مما ذكروه، وجعلوه قبيحا من إيلام البريء عن الجنايات . السبب الثاني : ما جبل عليه الإنسان من الحمية (٥) والأنفة (٦)، ولأجله يحكم باستقباح الرضا بفجور امرأته، ويظن أن هذا حكم ضروري للعقل مع أن جماعة من الناس يتعودون إجارة أزواجهم ليألفوا ذلك ولا ينفروا عنه، بل جميع الزناة

#1091,930 حرف

ا جبل عليه الإنسان من الحمية (٥) والأنفة (٦)، ولأجله يحكم باستقباح الرضا بفجور امرأته، ويظن أن هذا حكم ضروري للعقل مع أن جماعة من الناس يتعودون إجارة أزواجهم ليألفوا ذلك ولا ينفروا عنه، بل جميع الزناة النظر الثاني : في مادة القياس يستحسنون الفجور بامرأة الغير ولا يستقبحونه لموافقة شهواتهم، ويستقبحون من ينبه الأزواج عليه ويعرفهم فعل الزناة، ويزعمون أن ذلك غمز (۱) وسعاية (٢) ونميمة، وهو في غاية القبح. وأهل الصلاح يقولون : هو خيانة وترك الأمانة ؛ فتتناقض أحكامهم في الحسن والقبح ويزعمون أنها قضايا العقل، وإنما منشؤها هذه الأخلاق التي جبل الإنسان عليها . السبب الثالث : محبة التسالم والتصالح والتعاون على المعايش، ولذلك يحسن عندهم التودد بإفشاء السلام وإطعام الطعام، ويقبح لديهم السب والتنفير (۳) ومقابلة النعمة بالكفران وأمثاله، ولولا ميلهم إلى أمور تنهض هذه الأسباب وسائل إليها أو صوارف عنها، لما قضت العقول بفطرتها في هذه الأمور بحسن ولا قبح، ولذلك نرى جماعة لا يحبون التسالم ويميلون إلى التغالب، فألذ الأشياء وأحسنها عندهم الغارة والنهب والقتل والفتك(٤) السبب الرابع : التأديبات الشرعية لإصلاح الناس، فإنها لكونها تكررت على الأسماع منذ الصبا بلسان الآباء والمعلمين ووقع النشء عليها، رسخت تلك الاعتقادات رسوخا أدى إلى الظن بأنها عقلية كحسن الركوع والسجود والتقرب بذبح البهائم وإراقة دمائها، وهذه الأمور لو غومض بها العاقل الذي لم يؤدب بقبولها منذ الصبا لكان مجرد عقله لا يقضي فيها بحسن ولا بقبح، ولكن حسنت بتحسين الشرع فأذعن الوهم لقبولها بالتأديب منذ الصبا . السبب الخامس : الاستقراء للجزئيات الكثيرة، فإن الشيء متى وجد مقرونا بالشيء في أكثر أحواله ظن أنه ملازم له على الإطلاق، كما يحكم على إفشاء السلام (٥) بالحسن مطلقا، لأنه يحسن في أكثر الأحوال، ويذهب عن قبحه في وقت قضاء الحاجة، ويحكم على الصدق بالحسن لوجوده موافقا للأغراض مرغوبا في أكثر الأحوال، ويغفل عن قبحه ممن سئل عن مكان نبي أو ولي ليجده السائل فيقتله، بل ربما اعتقد قبح الكذب حينئذ بإخفاء المحل لمصادفة الكذب مقرونا بالقبح في أكثر الأحوال، فهذه الأسباب وأمثالها علل قضاء النفس بهذه القضايا، وليست هذه القضايا صادقة كلها ولا كاذبة كلها، ولكن المقصود أن ما هو صادق

#1102,106 حرف

تقد قبح الكذب حينئذ بإخفاء المحل لمصادفة الكذب مقرونا بالقبح في أكثر الأحوال، فهذه الأسباب وأمثالها علل قضاء النفس بهذه القضايا، وليست هذه القضايا صادقة كلها ولا كاذبة كلها، ولكن المقصود أن ما هو صادق معيار العلم في فن المنطق ٩٦ منها فليس بين الصدق عند العقل بيانا أوليا، بل يفتقر في تحقيق صدقه إلى نظر وإن كان محمودا عند العقل الأول، والصادق غير المحمود، والكاذب غير الشنيع، ورب شنيع حق، ورب محمود كاذب، وقد يكون المحمود صادقا لكن بشرط دقيق لا يتفطن أكثر الناس له، فيؤخذ على الإطلاق مع أنه لا يكون صادقا إلا مع ذلك الشرط كقولنا : الصدق حسن، وليس كذلك مطلقا بل بشروط، ولفقد بعض الشروط قبح الصدق الذي هو تعريف لموضع النبي المقصود قتله إلى غير ذلك من نظائره. ومهما أردت أن تعرف الفرق بين هذه القضايا المشهورات وبين الأوليات العقلية، فاعرض قولنا : قتل الإنسان قبيح وإنقاذه من الهلاك جميل، على عقلك بعد أن تقدر كأنك حصلت في الدنيا دفعة (۱) بالغا عاقلا ، ولم تسمع قط تأديبا ولم تعاشر أمة ولم تعهد ترتيبا وسياسة، لكنك شاهدت المحسوسات وأخذت منها الخيالات، فيمكنك التشكيك في هذه المقدمات أو التوقف فيها ولا يمكن التوقف في قولنا : إن السلب والإيجاب لا يصدقان في حال واحدة، وإن الاثنين أكثر من الواحد، فإذن هذه المقدمات لما كانت قريبة من الصدق محتملة الكذب لم تصلح للبراهين التي يطلب منها اليقين وصلحت للفقهيات . الصنف الثاني : المقبولات وهي أمور اعتقدناها بتصديق من أخبرنا بها من جماعة ينقص عددهم عن عدد التواتر، أو شخص واحد تميز عن غيره بعدالة (٢) ظاهرة أو علم وافر، كالذي قبلناه من آبائنا وأساتيذنا وأئمتنا واستمررنا على اعتقاده، وكأخبار الآحاد في الشرع، فهي تصلح للمقاييس الفقهية دون البراهين العقلية، ولها في إثارة الظن مراتب لا تكاد تخفى ؛ فليس المستفيض في الكتب الصحاح من الأحاديث كالذي ينقله الواحد، ولا ما ينقله أحد الخلفاء الراشدين كما ينقله غيره، ودرجات الظن فيه لا تحصى الصنف الثالث : المظنونات وهي أمور يقع التصديق بها لا على الثبات بل مع خطور إمكان نقيضها بالبال، ولكن النفس إليها أميل كقولنا : إن فلانا إنما يخرج ذلك بالليل لريبة، فإن النفس تميل إليه ميلا يبنى عليه التدبير للأفعال، وهي مع تشعر بإمكان نقيضه والمشهورات والمقبولات إذا أعتبرت من حيث يشعر بنقيضها في بعض الأحوال، فيجوز أن تسمى مظنونة، وكم من مشهور في بادئ الرأي يورث اعتقادا، فإن تأملته وتعقبته عاد ذلك الإذعان لقبوله ظنا أو تكذيبا كقول

#1112,325 حرف

ن نقيضه والمشهورات والمقبولات إذا أعتبرت من حيث يشعر بنقيضها في بعض الأحوال، فيجوز أن تسمى مظنونة، وكم من مشهور في بادئ الرأي يورث اعتقادا، فإن تأملته وتعقبته عاد ذلك الإذعان لقبوله ظنا أو تكذيبا كقول ۹۷ النظر الثاني : في مادة القياس القائل : ينبغي أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ فهذا محمود مشهور يتسارع الذهن إلى قبوله ثم يتأمل فيتبين خلافه، وهو أن الظالم ينبغي ألا ينصر بل ينبغي أن يمنع من ظلمه وينصر المظلوم عليه، وهو المراد بالحديث المعقول فيه، فإنه سئل عن ذلك فقيل : كيف ينصر الظالم ؟ فقال : نصرته أن تمنعه من ظلمه(۱). النوع الثاني : المقدمات غير الصالحة للفقهيات والعقليات : ما لا يصلح للقطعيات ولا للظنيات، بل لا يصلح إلا للتلبيس والمغالطة، وهي المشبهات أي المشبهة للأقسام الماضية في الظاهر ولا تكون منها، وهي ثلاثة أقسام : الأول : الوهميات الصرفة وهي قضايا يقضي بها الوهم الإنساني قضاء جزما بريئا عن مقارنة ريب وشك، كحكمه في ابتداء فطرته باستحالة وجود موجود لا إشارة إلى جهته، وإن موجودا قائما بنفسه لا يتصل بالعالم ولا ينفصل عنه، ولا يكون داخل العالم ولا خارجه محال، وهذا يشبه الأوليات العقلية مثل القضاء بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، والواحد أقل من الاثنين. وهي أقوى من المشهورات التي مثلناها بأن العدل جميل والجور قبيح، وهي مع هذه القوة كاذبة مهما كانت في أمور متقدمة على المحسوسات أو أعم منها، لأن الوهم أنس بالمحسوسات فيقضي لغير المحسوس بمثل ما ألفه في المحسوس. وعرف كونه كاذبا من مقدمات يصدق الوهم بأحادها لكن لا يذعن للنتيجة، إذ ليس في قوة الوهم إدراك مثلها وهذا أقوى المقدمات الكاذبة، فإن الفطرة الوهمية تحكم بها حسب حكمها في الأوليات العقلية، ولذلك إذا كانت الوهميات في المحسوسات كانت صادقة يقينية وصح الاعتماد عليها كالاعتماد على العقليات المحضة وعلى الحسيات القسم الثاني : ما يشبه المظنونات وإذا بحث عنه امحى الظن كقول القائل : ينبغي أن تنصر أخاك ظالما كان أو مظلوما، وهو أيضا يشبه المشهورات. وقد يكون ما يشبه المشهورات أو المظنونات مما يتوافق عليه الخصمان في المناظرات من المسلمات، إما على سبيل الوضع وإما على سبيل الاعتقاد، ولكن إذا تكرر تسليمها على أسماع الحاضرين يأنسون بها وتميل نفوسهم إلى الإذعان لها أكثر من الميل إلى التكذيب، فيعتقد أن ذلك الميل ظن لأن معنى الظن ميل في الاعتقاد (۱) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا : يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : « تأخذوا فوق يديه». [صحيح البخاري : ٨٦٣/٢]، وفي رواية : أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره» . [صحيح البخاري : ٢٥٥/٦] .

#1122,258 حرف

ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : « تأخذوا فوق يديه». [صحيح البخاري : ٨٦٣/٢]، وفي رواية : أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره» . [صحيح البخاري : ٢٥٥/٦] . ۹۸ معيار العلم في فن المنطق ولكنه ميل بسبب كإعتقادك أن من يخرج بالليل فيخرج لريبة (١)، فإن ميل النفس إلى هذه التهمة لسبب . ولو كرر على سمع جماعة أن الأزرق الأشقر مثلا لا يكون إلا خائنا خبيثا فإذا رأوه كان ميل نفسهم إلى اعتقاد الخيانة أكثر من الميل إلى اعتقاد الصيانة (٢)، وهذا من غير سبب محقق بل خيال محض بسبب السماع. ولذا قيل: من يسمع يخل. فبين هذا وبين المظنون المحقق فرق ويقرب من هذا المخيلات وهي تشبيه الشيء بشيء مستقبح أو مستحسن لمشاركته إياه في وصف ليس هو سبب القبح والحسن، فتميل النفس بسببه ميلا وليس ذلك من الظن في شيء، وهذا مع أنه أخس الرتب يحرك الناس إلى أكثر الأفعال، وعنه تصدر أكثر التصرفات من الخلق إقداما وإحجاما (۳)، وهي المقدمات الشعرية التي ذكرناها ، فلا ترى عاقلا ينفك عن التأثر به حتى أن المرأة التي يخطبها الرجل إذا ذكر أن اسمها اسم بعض الهنود أو السودان المستقبحين، نفر الطبع عنها لقبح الاسم، فيقاوم هذا الخيال الجمال ويورث محبة ما، وحتى أن علم الحساب والمنطق الذي ليس فيه تعرض للمذاهب بنفي ولا إثبات إذا قيل : إنه من علوم الفلاسفة الملحدين نفر طباع أهل الدين عنه، وهذا الميل والنفرة الصادران عن هذا الجنس ليسا بظن ولا علم، فلا يصلح ما يثيرهما أن يجعل مقدمة لا في القطعيات ولا في الظنيات والفقهيات . القسم الثالث : الأغاليط الواقعة إما من لفظ المغلط أو من معنى اللفظ، كما يحصل من مقدمة صادقة في مسمى باسم مشترك فينقله الذهن عن ذلك المسمى إلى مسمى آخر بذلك الاسم عينه، حيث يدق وجه الاشتراك، كالنور إذا أخذ تارة لمعنى الضوء المبصر، وأخرى بالمعنى المراد من قوله تعالى : الله نور السموات والأرض (٤) . وكذلك قد يكون من الذهول عن موضع وقف في الكلام كقوله تعالى : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به (٥) . فإذا أهمل الوقف على الله انعطف عليه قوله والراسخون في العلم وحصلت مقدمة كاذبة. وقد يكون بالذهول عن الإعراب كقوله تعالى : أن الله بريء من المشركين ورسوله (٦) ج (۱) الريبة : الظن والشك والتهمة . فبالغفلة (۲) الصيانة : يقال : صان الشيء صونا، وصيانة حفظه في مكان أمين، ويقال : صان عرضه : وقاه مما يعيبه . (۳) أحجم عن الشيء إحجاما : كف ونكص . (٤) سورة النور، الآية : ٣٥. (٥) سورة آل عمران، الآية : ٧. (٦) سورة التوبة، الآية : 3. والآية بتمامها : ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين

#1132,205 حرف

الشيء إحجاما : كف ونكص . (٤) سورة النور، الآية : ٣٥. (٥) سورة آل عمران، الآية : ٧. (٦) سورة التوبة، الآية : 3. والآية بتمامها : ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ۹۹ النظر الثاني : في مادة القياس عن إعراب اللام من قوله ورسوله، ربما يقرأها القارئ بالكسر وتحصل مقدمة كاذبة، ونظائر ذلك من حيث اللفظ كثير . وأما من حيث المعنى فمنها ما يحصل من تخيل العكس، فإنا إذا قلنا : كل قود فسببه عمد فيظن أن كل عمد فهو سبب قود، فإن العمد رؤي ملازما للقود فظن أن القود أيضا ملازم للعمد، وهذا الجنس سباق إلى الفهم، ولا يزال الإنسان مع عدم التنبه لأصله ينخدع به ويسبق إلى تخيله من حيث لا يدري إلى أن ينبه عليه . ومنها ما سببه تنزيل لازم الشيء منزلة الشيء حتى إذا حكم على شيء بحكم ظن أنه يصح على لازمه، فإذا قيل : الصلاة طاعة وكل صلاة تفتقر إلى نية، ظن أن كل طاعة تفتقر إلى نية من حيث أن الطاعة لازمة للصلاة وليس كذلك، فإن أصل الإيمان ومعرفة الله تعالى طاعة، ويستحيل افتقارها إلى نية لأن نية التقرب إلى المعبود لا تتقدم على معرفة المعبود، وهذا أيضا كثير التغليط في العقليات والفقهيات وأسباب الأغاليط مما يعسر إحصاؤها، وفيما ذكرناه تنبيه على ما لم نذكره . اختلاف العقليات والفقهيات فإذن مجموع ما ذكرناه من أصناف هذه المقدمات التي سميناها عشرة: أربعة من القسم الأول، وثلاثة من القسم الثاني، وهي مواد الفقهيات، وثلاثة من القسم الأخير، وقد ذكرنا حكمها . فإن قال قائل : فبماذا تخالف العقليات الفقهيات؟ قلنا : لا مخالفة بينهما في صورة القياس وإنما يتخالفان في المادة ولا في كل مادة، بل ما يصلح أن يكون مقدمة في العقليات يصلح للفقهيات، ولكن قد يصلح للفقهيات ما لا يصلح للعقليات كالظنيات، وقد يؤخذ ما لا يصلح لهما جميعا كالمشبهات والمغلطات. كما يتخالفان في كيفية ما به تصير المقدمة كلية، فإن المقدمات الجزئية في الفقه يتسامح بجعلها كلية، وإنما يدرك ذلك من أقوال صاحب الشرع (۱) وأفعاله، وأقوال أهل الإجماع، وأقوال آحاد الصحابة، إن رؤي ذلك حجة على ما يستقصى في أصول الفقه، والجاري منها مجرى الأوليات من العقليات ما هو صريح في لفظه بين في طريقه كاللفظ الصريح المسموع من الشارع أو المنقول بطريق التواتر، فإن المتواتر كالمسموع . فقوله : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم صريح في لفظه، أعني : كونه عشرة بين في طريقه، أعني : أن )۲(رو ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا الله بعذاب أليم . (۱) صاحب الشرع : هو النبي محمد ﷺ . (۲) سورة البقرة، الآية : ١٩٦.

#1142,136 حرف

ة بين في طريقه، أعني : أن )۲(رو ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا الله بعذاب أليم . (۱) صاحب الشرع : هو النبي محمد ﷺ . (۲) سورة البقرة، الآية : ١٩٦. معيار العلم في فن المنطق القرآن متواتر، وقد يكون بينا في طريقه ظاهرا في لفظه كالمراد من قوله : إذا رجعتم . وقد يكون صريحا في لفظه غير بين في طريقه كالنص الذي ينقله الأحاد من لفظ صاحب الشرع، وقد يكون عادما للقوتين كالظاهر الذي ينقله الأحاد. وجملة الألفاظ الشرعية في القضية الكلية والجزئية أربعة أقسام : الأول : كلية أريد بها كلية كقوله : كل مسكر حرام . الثاني : جزئية بقيت جزئية كقوله في الذهب والإبريسم(۱): «هذان حرامان على ذكور أمتي فإنه بقي مختصا بالذكور ولم يتعد إلى الإناث . والثالث : كلية أريد بها جزئية كقوله : في سائمة (۲) الغنم زكاة»، أريد بها ما بلغ نصابا. وقوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (٣) . المراد به بعض السارقين، فإذا أردنا أن نجعل هذه كلية ضممنا إليها الأوصاف التي بان اعتبارها فيه، وقلنا مثلا : كل من سرق نصابا كاملا من حرز حرز (٤) مثله لا شبهة له فيه قطع. والنباش أو الذي يسرق الأشياء الرطبة مثلا بهذه الصفة فيقطع ؛ هذه هي العادة . والصواب عندنا في مراسم جدل الفقه أن لا يفعل ذلك مهما وجد عموم لفظ، بل يتعلق بعموم اللفظ ويطالب الخصم بالمخصص، وما يدعى من أن الخصوص قد يتطرق إلى العموم فليس مانعا من التمسك بالعموم على اصطلاح الفقهاء، وإذا اصطلحوا على هذا فالتمسك به أولى من إيراده في شكل قياس، لأنهم ليسوا يقبلون تخصيص العلة. ومهما قلت : كل من سرق نصابا كاملا من حرز مثله قطع، منع الخصم وقال : أهملت وصفا وهو أن لا يكون المسروق رطبا فما الذي عرفك أن هذا غير معتبر، فلا يبقى لك إلا أن تعود إلى العموم وتقول: هو الأصل. ومن زاد وصفا فعليه الدليل، إذن التمسك بالعموم أولى إذا وجد . والرابع : هو الجزئي الذي أريد به الكلي، فإنا كما نعبر بالعام عن الخاص فنقول : ليس في الأصدقاء خير، ونريد به بعضهم، كذلك قد يطلق الخاص ونريد به العام كقوله تعالى : ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ (٥) فإنه يراد به سائر أنواع أمواله . وكقوله : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾ (٦) فيعبر بالقليل عن (1) الإبريسم : أحسن الحرير. (۲) السائمة من الماشية التي ترعى حيث شاءت، أو هي الدائمة على الكلأ . (۳) سورة المائدة، الآية : ٣٨. (٤) الحرز : الوعاء الحصين يحفظ فيه الشيء. (٥) سورة آل عمران، الآية : ٧٥. (٦) سورة الزلزلة ، الآية : ٧.

#1152,358 حرف

۲) السائمة من الماشية التي ترعى حيث شاءت، أو هي الدائمة على الكلأ . (۳) سورة المائدة، الآية : ٣٨. (٤) الحرز : الوعاء الحصين يحفظ فيه الشيء. (٥) سورة آل عمران، الآية : ٧٥. (٦) سورة الزلزلة ، الآية : ٧. النظر الثاني : في مادة القياس الكثير، وكقوله تعالى : ﴿ فلا تقل لهما أن (۱) فعبر عن كل ما فيه التبرم به. وكقوله تعالى : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ (٢) . والمراد هو الإتلاف الذي هو أعم من الأكل، ولكن عبر بالأكل عنه. وكقول الشافعي (۳) : إذا نهشته حية أو عقرباء فإن كانت من حيات مصر أو عقارب وجب القصاص. وليس غرضه التخصيص بل كل ما يكون قاتلا في الغالب، ولكن ذكر المشهور وعبر به عن الكل، فإذا ورد من هذا الجنس لفظ خاص ألغينا خصوصه وأخذنا المعنى الكلي المراد به وقلنا : كل تبرم بالوالدين فهو حرام، وكل إتلاف لمال اليتامى حرام؛ فيحصل معنا مقدمة كلية. فإن قيل : فالمعلوم بواقعة مخصوصة هل هو قضية كلية يفتقر تخصيصها إلى دليل أم هو جزئية فيفتقر تعميمها إلى دليل، وذلك كقوله للأعرابي : « اعتق رقبة » لما قال : جامعت في نهار رمضان (٥) ، وكرجمه ماعزا لما زنى، فهل ينزل ذلك منزلة قوله : كل من زنى فارجموه، وكل من جامع أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة؟ قلنا : هو كقولك : كل موصوف بصفة ماعز إذا زنى فارجموه، وكل موصوف بصفة الأعرابي إذا هلك وأهلك بجماع أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة. ثم صفة الجماع هو الذي وصفه السائل والمعتبر من صفات الأعرابي ما عرفه رسول الله ﷺ، حتى نزل ترك الاستفصال مع إمكان الإشكال منزلة عموم المقال، حتى إن لم يعرف أنه كان حرا أو عبدا كان هذا كالعموم في حق الحر والعبد، وإن عرف كونه حرا فالعبد ينبغي أن يتكلف إلحاقه بأن يظهر أنه لا يؤثر الرق بدفع موجبات العبادات، وإنما نزلنا هذا منزلة العام لأنه قد قال : حكمي في الواحد حكمي في الجماعة . ولو كنا عرفنا من عاداته أنه يخصص كل شخص بحكم يخالف الآخر لما (۱) سورة الإسراء، الآية : ٢٣. (۲) سورة البقرة، الآية : ١٨٨. (۳) هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي، القرشي، المطلبي : أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه نسبة الشافعية كافة . ولد في غزة بفلسطين، وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ه / ٨٢٠م . (تاریخ بغداد : ٥٦/٢ ؛ کشف الظنون : ۱۳۹۷). (٤) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها بساتين ومياه كثيرة ويروى أن النبي ﷺ قد رآها ليلة أسري به فسأل جبريل عنها، فقال: هذه نصيبين؛ فقال : «اللهم عجل فتحها واجعل فيها بركة للمسلمين». (معجم البلدان، الحموي : ٢٨٨/٥). (٥) من المعروف أن كفارة الصيام الواجبة على من أفطر بالجماع في رمضان هي واحدة من ثلاث : عتق رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.

#1161,271 حرف

يها بركة للمسلمين». (معجم البلدان، الحموي : ٢٨٨/٥). (٥) من المعروف أن كفارة الصيام الواجبة على من أفطر بالجماع في رمضان هي واحدة من ثلاث : عتق رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. معيار العلم في فن المنطق أقمنا هذا مقام العام، كمن يعلم من أصحاب الظواهر أن المراد بالجزئيات المذكورة في الربويات نفس تلك الجزئيات، ولهذا مزيد تفصيل لا يحتمله هذا الكتاب. وقد بينا عند النظر في صورة القياس أن الحكم الخاص الجزئي إنما يجعل كليا بستة طرق، وهو بيان أن ما به الافتراق ليس بمؤثر، وأن ما به الاجتماع هو المناسب أو المؤثر ليكون مناطا، وهو أبلغ في الكشف عن الغرض، وذلك لأن من الجزئيات ما يعلم أن المراد منها كلي، ومنها ما لا يعلم ذلك كمن لم يعلم من أصحاب الظواهر أن المراد بالجزئيات الست المذكورة في الربويات أمر أعم منها، وعرف كافة النظار أن المراد بالبر ليس هو البر بل معنى أعم منه، إذ بقي ربا البر بعد الطحن إذ صار دقيقا وفارقه اسم البر، فعلم أن المراد به وصف عام كلي اشترك فيه الدقيق والبر، ولكن الكلي العام قد يعرف بالبديهة من غير تأمل، کمعرفتنا بأن المحرم هو التبرم العام دون التأفف الخاص، وقد يشك فيه كالبر، فإن الدقيق والبر يشتركان في كليات مثل الطعم والاقتيات (۱) والكيل والمالية، وإذا وقع الشك فيه لم يمكن إثباته إلا بأحد الطرق الستة التي ذكرناها، والله أعلم . (1) يقال : تقوت بالشيء : أكله، واقتات الشيء : جعله قوتا، وقات الرجل : أطعمه ما يمسك الرمق .

#1171,690 حرف

اقتيات (۱) والكيل والمالية، وإذا وقع الشك فيه لم يمكن إثباته إلا بأحد الطرق الستة التي ذكرناها، والله أعلم . (1) يقال : تقوت بالشيء : أكله، واقتات الشيء : جعله قوتا، وقات الرجل : أطعمه ما يمسك الرمق . النظر الثالث : في المغلظات في القياس النظر الثالث في المغلطات في القياس وفيه فصول أسباب الغلط الفصل الأول : في حصر مثارات الغلط . اعلم أن المقدمات القياسية إذا ترتبت من حيث صورتها على ضرب منتج من الأشكال الثلاثة، وتفصلت منها الحدود الثلاثة أولا، وهي الأجزاء الأولى، إذ تميزت المقدمتان وهي الأجزاء الثواني، وكانت المقدمات صادقة وغير النتيجة وأعرف منها، كان اللازم منها بالضرورة حقا لا ريب فيه، والذي لا يحصل منه الحق فإنما لا يحصل لخلل في هذه الجهات التي ذكرناها، إما لخروجه عن الأشكال أو لخروجه عن الضروب المنتجة منها، أو لعدم التمايز في الحدود أو في المقدمات أو لإدراج النتيجة في المقدمات فلا تكون غيرها، أو لأن النتيجة تكون متقدمة على إحدى المقدمات في المعرفة فلا تكون المقدمة أعرف من النتيجة، فهذه سبع مثارات؛ فلنشرح كل واحد بمثال حتى يتيسر الاحتراز (۱) عنه فنقول : المثار الأول : أن لا تكون على شكل من الأشكال الثلاثة، بأن لا يكون من الحدود حد مشترك إما موضوع فيهما أو محمول أو موضوع لأحدهما محمول للآخر، فإذا انتفى الاشتراك حقيقة ولفظا لم يغلط الذهن فيه، فإن ذلك يظهر وإنما يغلط إذا وجد ما هو مشترك لفظا مع اختلاف المعنى، ولذلك وجب تحقيق القول في الألفاظ المشتركة لا سيما ما يشتبه منها بالمتواطئة (٢)، ويعسر فيها درك الفرق، وهو مثار عظيم للأغاليط . وقد ذكرنا تفصيل ذلك على الإيجاز في كتاب «مقدمات القياس»، إلا أنا لم نذكر ثم إلا الألفاظ التي لا يتحد معناها، وقد يكون الاشتراك سببه النظم والترتيب للألفاظ لا نفس الألفاظ، ونحن نذكر من أمثلتها أربعة : الأول : ما ينشأ من مواضع الوقف والابتداء كما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿ إلا (۱) احترز عن الشيء، ومنه : توفاه . (۲) المتواطئة : المتوافقة .

#1181,907 حرف

نظم والترتيب للألفاظ لا نفس الألفاظ، ونحن نذكر من أمثلتها أربعة : الأول : ما ينشأ من مواضع الوقف والابتداء كما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿ إلا (۱) احترز عن الشيء، ومنه : توفاه . (۲) المتواطئة : المتوافقة . معيار العلم في فن المنطق الله والراسخون في العلم ) (۱) إذ له معنيان مختلفان فيطلق أمثاله في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي الثاني بمعنى آخر ، فيبطل الحد المشترك، ويظن أن ثم حد مشترك . الثاني : تردد الضمائر بين أشياء متعددة تحتمل الانصراف إليها كقولك : كل ما علمه العاقل فهو كما علمه، والعاقل يعلم الحجر فهو كالحجر، فإن قولك : فهو، متردد بين أن يكون راجعا إلى العاقل أو إلى المعقول، ويسلم في المقدمة على أنه راجع إلى المعقول، ويلبس في النتيجة فيخيل رجوعه إلى العاقل . الثالث : تردد الحروف الناسقة (۲) بين معنيين تصدق في أحدهما وتكذب في الآخر كقوله : الخمسة زوج وفرد، وهو صادق فيظن أنه يصدق قولنا : إنه زوج وفرد معا، وسببه اشتباه دلالة الواو فإنه يدل على جمع الأجزاء، إذ تقول : الإنسان عظم ولحم، أي فيه عظم ولحم، ويدل على جمع الأوصاف كقولنا : الإنسان حي وجسم، فإذن يصدق ما ذكرناه في الخمسة بطريق جمع الأجزاء لا بطريق جمع الصفات، واللفظ كاللفظ . الرابع : تردد الصفة بين أن تكون صفة للموضوع وصفة للمحمول المذكور قبله، فإنا قد نقول : زيد بصير أي ليس بضرير. وتقول : زيد طبيب. وإذا نظمنا فقلنا : زيد طبيب بصير، ظن أنه بصير في الطب، وهذه الألفاظ تصدق مفرقة وتصدق مجموعة على أحد التأويلين دون الآخر، وأمثال ذلك مما يكثر ويرتفع به شكل القياس من حيث لا يعرف وفيما ذكرناه غنية (٣) . (۱) سورة آل عمران الآية : .. وموضع الوقف والابتداء هنا بين لفظ الجلالة «الله» وبين لفظ الراسخون» . ومنشأ المعنيين المختلفين من وجود الواو في هذا الموضع ؛ فإذا عدت «الواو» حرف عطف كان المعنى الأول . وإذا عدت حرف ابتداء كان المعنى الثاني، وهو الصحيح والمراد في قوله تعالى : ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا . فالعلم بالتأويل لله سبحانه، والإيمان للراسخين في العلم. (۲) الناسقة : من ناسق بين الأمرين : تابع بينهما ولاءم. (۳) غنية : كفاية ؛ يقال : استغنى بالشيء : اكتفى، وغني عن الشيء : لم يحتج إليه .

#1191,651 حرف

ند ربنا . فالعلم بالتأويل لله سبحانه، والإيمان للراسخين في العلم. (۲) الناسقة : من ناسق بين الأمرين : تابع بينهما ولاءم. (۳) غنية : كفاية ؛ يقال : استغنى بالشيء : اكتفى، وغني عن الشيء : لم يحتج إليه . النظر الثاني : في مادة القياس الكثير، وكقوله تعالى : ﴿ فلا تقل لهما أن (۱) فعبر عن كل ما فيه التبرم به. وكقوله تعالى : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ (٢) . والمراد هو الإتلاف الذي هو أعم من الأكل، ولكن عبر بالأكل عنه. وكقول الشافعي (۳) : إذا نهشته حية أو عقرباء فإن كانت من حيات مصر أو عقارب وجب القصاص. وليس غرضه التخصيص بل كل ما يكون قاتلا في الغالب، ولكن ذكر المشهور وعبر به عن الكل، فإذا ورد من هذا الجنس لفظ خاص ألغينا خصوصه وأخذنا المعنى الكلي المراد به وقلنا : كل تبرم بالوالدين فهو حرام، وكل إتلاف لمال اليتامى حرام؛ فيحصل معنا مقدمة كلية . فإن قيل : فالمعلوم بواقعة مخصوصة هل هو قضية كلية يفتقر تخصيصها إلى دليل أم هو جزئية فيفتقر تعميمها إلى دليل، وذلك كقوله للأعرابي : « اعتق رقبة » لما قال : جامعت في نهار رمضان (٥) ، وكرجمه ماعزا لما زنى، فهل ينزل ذلك منزلة قوله : كل من زنى فارجموه، وكل من جامع أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة؟ قلنا : هو كقولك : كل موصوف بصفة ماعز إذا زنى فارجموه، وكل موصوف بصفة الأعرابي إذا هلك وأهلك بجماع أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة. ثم صفة الجماع هو الذي وصفه السائل والمعتبر من صفات الأعرابي ما عرفه رسول الله ﷺ، حتى نزل ترك الاستفصال مع إمكان الإشكال منزلة عموم المقال، حتى إن لم يعرف أنه كان حرا أو عبدا كان هذا كالعموم في حق الحر والعبد، وإن عرف كونه حرا فالعبد ينبغي أن يتكلف إلحاقه بأن يظهر أنه لا يؤثر الرق بدفع موجبات العبادات، وإنما نزلنا هذا منزلة العام لأنه قد قال : حكمي في الواحد حكمي في الجماعة . ولو كنا عرفنا من عاداته أنه يخصص كل شخص بحكم يخالف الآخر لما

#1201,153 حرف

أن يتكلف إلحاقه بأن يظهر أنه لا يؤثر الرق بدفع موجبات العبادات، وإنما نزلنا هذا منزلة العام لأنه قد قال : حكمي في الواحد حكمي في الجماعة . ولو كنا عرفنا من عاداته أنه يخصص كل شخص بحكم يخالف الآخر لما أقمنا هذا مقام العام، كمن يعلم من أصحاب الظواهر أن المراد بالجزئيات المذكورة في الربويات نفس تلك الجزئيات، ولهذا مزيد تفصيل لا يحتمله هذا الكتاب. وقد بينا عند النظر في صورة القياس أن الحكم الخاص الجزئي إنما يجعل كليا بستة طرق، وهو بيان أن ما به الافتراق ليس بمؤثر، وأن ما به الاجتماع هو المناسب أو المؤثر ليكون مناطا، وهو أبلغ في الكشف عن الغرض، وذلك لأن من الجزئيات ما يعلم أن المراد منها كلي، ومنها ما لا يعلم ذلك كمن لم يعلم من أصحاب الظواهر أن المراد بالجزئيات الست المذكورة في الربويات أمر أعم منها، وعرف كافة النظار أن المراد بالبر ليس هو البر بل معنى أعم منه، إذ بقي ربا البر بعد الطحن إذ صار دقيقا وفارقه اسم البر، فعلم أن المراد به وصف عام كلي اشترك فيه الدقيق والبر، ولكن الكلي العام قد يعرف بالبديهة من غير تأمل، کمعرفتنا بأن المحرم هو التبرم العام دون التأفف الخاص، وقد يشك فيه كالبر، فإن الدقيق والبر يشتركان في كليات مثل الطعم والاقتيات (۱) والكيل والمالية، وإذا وقع الشك فيه لم يمكن إثباته إلا بأحد الطرق الستة التي ذكرناها، والله أعلم .

#1211,590 حرف

م العام دون التأفف الخاص، وقد يشك فيه كالبر، فإن الدقيق والبر يشتركان في كليات مثل الطعم والاقتيات (۱) والكيل والمالية، وإذا وقع الشك فيه لم يمكن إثباته إلا بأحد الطرق الستة التي ذكرناها، والله أعلم . النظر الثالث في المغلطات في القياس وفيه فصول أسباب الغلط الفصل الأول : في حصر مثارات الغلط . اعلم أن المقدمات القياسية إذا ترتبت من حيث صورتها على ضرب منتج من الأشكال الثلاثة، وتفصلت منها الحدود الثلاثة أولا، وهي الأجزاء الأولى، إذ تميزت المقدمتان وهي الأجزاء الثواني، وكانت المقدمات صادقة وغير النتيجة وأعرف منها، كان اللازم منها بالضرورة حقا لا ريب فيه، والذي لا يحصل منه الحق فإنما لا يحصل لخلل في هذه الجهات التي ذكرناها، إما لخروجه عن الأشكال أو لخروجه عن الضروب المنتجة منها، أو لعدم التمايز في الحدود أو في المقدمات أو لإدراج النتيجة في المقدمات فلا تكون غيرها، أو لأن النتيجة تكون متقدمة على إحدى المقدمات في المعرفة فلا تكون المقدمة أعرف من النتيجة، فهذه سبع مثارات؛ فلنشرح كل واحد بمثال حتى يتيسر الاحتراز (۱) عنه فنقول : المثار الأول : أن لا تكون على شكل من الأشكال الثلاثة، بأن لا يكون من الحدود حد مشترك إما موضوع فيهما أو محمول أو موضوع لأحدهما محمول للآخر، فإذا انتفى الاشتراك حقيقة ولفظا لم يغلط الذهن فيه، فإن ذلك يظهر وإنما يغلط إذا وجد ما هو مشترك لفظا مع اختلاف المعنى، ولذلك وجب تحقيق القول في الألفاظ المشتركة لا سيما ما يشتبه منها بالمتواطئة (٢)، ويعسر فيها درك الفرق، وهو مثار عظيم للأغاليط . وقد ذكرنا تفصيل ذلك على الإيجاز في كتاب «مقدمات القياس»، إلا أنا لم نذكر ثم إلا الألفاظ التي لا يتحد معناها، وقد يكون الاشتراك سببه النظم والترتيب للألفاظ لا نفس الألفاظ، ونحن نذكر من أمثلتها أربعة : الأول : ما ينشأ من مواضع الوقف والابتداء كما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿ إلا

#1221,638 حرف

ر ثم إلا الألفاظ التي لا يتحد معناها، وقد يكون الاشتراك سببه النظم والترتيب للألفاظ لا نفس الألفاظ، ونحن نذكر من أمثلتها أربعة : الأول : ما ينشأ من مواضع الوقف والابتداء كما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿ إلا الله والراسخون في العلم ) (۱) إذ له معنيان مختلفان فيطلق أمثاله في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي الثاني بمعنى آخر ، فيبطل الحد المشترك، ويظن أن ثم حد مشترك . الثاني : تردد الضمائر بين أشياء متعددة تحتمل الانصراف إليها كقولك : كل ما علمه العاقل فهو كما علمه، والعاقل يعلم الحجر فهو كالحجر، فإن قولك : فهو، متردد بين أن يكون راجعا إلى العاقل أو إلى المعقول، ويسلم في المقدمة على أنه راجع إلى المعقول، ويلبس في النتيجة فيخيل رجوعه إلى العاقل . الثالث : تردد الحروف الناسقة (۲) بين معنيين تصدق في أحدهما وتكذب في الآخر كقوله : الخمسة زوج وفرد، وهو صادق فيظن أنه يصدق قولنا : إنه زوج وفرد معا، وسببه اشتباه دلالة الواو فإنه يدل على جمع الأجزاء، إذ تقول : الإنسان عظم ولحم، أي فيه عظم ولحم، ويدل على جمع الأوصاف كقولنا : الإنسان حي وجسم، فإذن يصدق ما ذكرناه في الخمسة بطريق جمع الأجزاء لا بطريق جمع الصفات، واللفظ كاللفظ . الرابع : تردد الصفة بين أن تكون صفة للموضوع وصفة للمحمول المذكور قبله، فإنا قد نقول : زيد بصير أي ليس بضرير. وتقول : زيد طبيب. وإذا نظمنا فقلنا : زيد طبيب بصير، ظن أنه بصير في الطب، وهذه الألفاظ تصدق مفرقة وتصدق مجموعة على أحد التأويلين دون الآخر، وأمثال ذلك مما يكثر ويرتفع به شكل القياس من حيث لا يعرف وفيما ذكرناه غنية (٣) . المثار الثاني : ألا يكون على ضرب منتج من جملة ضروب الأشكال الثلاثة . مثاله قولك : قليل من الناس كاتب وكل كاتب عاقل، فقليل من الناس عاقل. وهذه النتيجة صادقة إن لم ترد بإثبات القليل نفي الكثير، فإن الكثير إذا كان عاقلا ففيه القليل، وإن أريد به أن القليل فقط هو كاتب وعاقل، اختلط نظم القياس، إذ كان

#1231,944 حرف

كاتب وكل كاتب عاقل، فقليل من الناس عاقل. وهذه النتيجة صادقة إن لم ترد بإثبات القليل نفي الكثير، فإن الكثير إذا كان عاقلا ففيه القليل، وإن أريد به أن القليل فقط هو كاتب وعاقل، اختلط نظم القياس، إذ كان قوله : قليل من الناس كاتب يشتمل على مقدمتين بالقوة : إحداهما بعض الناس كاتب، والأخرى أن ذلك البعض قليل، فهما محمولان على البعض. وقد حكم في المقدمة الثانية على أحد المحمولين وهو الكاتب دون الثاني فاختلط النظم، وكذلك إذا قلت : ممتنع أن يكون الإنسان حجرا، وممتنع أن يكون الحجر حيوانا، فممتنع أن يكون الإنسان حيوانا، لأن هذا الضرب ألف من سالبتين غير فيهما اللفظ السلبي، إذ قولك ممتنع أن يكون الإنسان حجرا معناه لا إنسان واحد حجر، بل هذا القدر كاف لنفي النتيجة، فإن صغرى الشكل الأول مهما لم تكن موجبة لم ينتج أصلا، وإنما تكثر هذه الأغاليط إذا تشبث (۱) الذهن بالألفاظ دون أن يحصل المعاني بحقائقها المثار الثالث : ألا تكون الحدود الثلاثة، وهي الأجزاء الأولى، متمايزة متكاملة كقولك : كل إنسان بشر، وكل بشر حيوان، فكل إنسان حيوان . وقولك : كل خمر عقار (۲) ، وكل عقار مسكر، فكل خمر مسكر . فإن الحد الأوسط هو الحد الأصغر بعينه، وإنما تعدد اللفظ . وهذا من استعمال الألفاظ المترادفة، وهي التي تختلف حروفها وتتساوى حدود معانيها المفهومة، وقد ذكرناها فليحترز منها أيضا المثار الرابع : ألا تكون الأجزاء الثواني وهي المقدمات متفاضلة، وذلك لا يتفق في الألفاظ المفردة البسيطة إذ يظهر فيها محل الغلط، ولكن يتفق في الألفاظ المركبة، وكم من لفظ مركب يؤدي معنى قوته قوة الواحد أو يمكن أن يدل عليه بلفظ واحد، كما تقول : الإنسان يمشي . ثم يمكنك أن تبدل لفظ الموضوع بالحيوان الناطق، ولفظ يمشي بأنه ينتقل بنقل قدميه من موضع إلى آخر حتى يطول اللفظ، ويمكنك أن تعين التلبيس فيه. ومن هذا القبيل قولنا : كل ما علمه المسلم، فهو كما علمه، والمسلم يعلم الكافر فهو إذن كالكافر، وهذه المقدمات متمايزة الحدود في الوضع ولكن الخلل في الاتساق (۳)، فإنه ترك التصريح بتفصيله، وإلا فقولك : ما علمه المسلم موضوع، وقولك : فهو كما علمه محمول، ولكن تردد معنى قولك هو ، وقد يكون بحيث لا يتميز في الوضع بل يكون فيه جزء يحتمل أن يكون من الموضوع، وأن يكون من المحمول، فإنك تقول : زيد الطويل أبيض؛

#1241,862 حرف

: ما علمه المسلم موضوع، وقولك : فهو كما علمه محمول، ولكن تردد معنى قولك هو ، وقد يكون بحيث لا يتميز في الوضع بل يكون فيه جزء يحتمل أن يكون من الموضوع، وأن يكون من المحمول، فإنك تقول : زيد الطويل أبيض؛ فالمحمول هو الأبيض فقط، والطويل من الموضوع، ويمكن أن يذكر الطويل بصيغة الذي فيرجع إلى زيد بأن تقول : زيد الذي هو طويل أبيض؛ وإن قلت : زيد طويل أبيض صار الطويل جزءا من المحمول، وإذا لم يذكر الذي يكون بحيث يحتمل أن يراد به الذي وألا يراد كما تقول : الإنسانية من حيث هي إنسانية خاصة أو عامة، فيحتمل أن يكون الموضوع الإنسانية المجردة والمحمول الخاصة، ويحتمل أن يكون الموضوع الإنسانية فحسب والمحمول الخاصة من حيث هي إنسانية، إذا لو قلت : الإنسانية خاصة أو عامة لأخبرت عن شيء واحد. فإذا قلت : الإنسانية من حيث هي إنسانية خاصة أو عامة، أخبرت عن شيئين وكل خبر فهو محمول. ولهذا لو قلت: الإنسانية ليست من حيث هي إنسانية خاصة ولا عامة، صدق. ولو قلت : الإنسانية ليست خاصة ولا عامة كذب ويفهم الفرق بينهما عند ذكرنا المعنى الكلي في أحكام الوجود، فيتشعب (۱) من هذه التركيبات المختلفة أغاليط يعسر حلها على حذاق النظار (۲) فضلا عن الظاهريين، ولا تخلص عن مكامن الغلط إلا بتوفيق الله فليستوفق (۳) الله تعالى الناظر في هذه العقبات حتى يسلم عن ظلماتها . المثار الخامس : أن تكون المقدمة كاذبة، وذلك لا يخلو إما أن يكون لالتباس اللفظ أو لالتباس المعنى، فإن لم يكن ثم شيء من هذه الأسباب لم يذعن الذهن له ولم يصدق به، فليس كلام إلا فيما يغلط فيه العقلاء. فأما من يصدق بكل ما يسمع فهو فاسد المزاج، عسر العلاج . أما التباس اللفظ فهو أن يكون بينه وبين الصادق مناسبة، كما إذا اشتركت لفظتان في معنى وبينهما افتراق في معنى دقيق، فيظن أن الحكم الذي ألفي صادقا على أحدهما صادق على الآخر، ويقع الذهول عما فيه الافتراق من زيادة معنى أو نقصانه مع اتحاد المسمى، وذلك مما يكثر كلفظ الستر والخدر (٤) . ولا يقال : خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية، وإلا فهو ستر، وكالبكاء والعويل ولا يقال : عويل إلا إذا كان معه رفع صوت وإلا فهو بكاء، وقد يظن تساويهما، وكذا الثرى والتراب فإن الثرى هو التراب ولكن بشرط

#1251,746 حرف

. ولا يقال : خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية، وإلا فهو ستر، وكالبكاء والعويل ولا يقال : عويل إلا إذا كان معه رفع صوت وإلا فهو بكاء، وقد يظن تساويهما، وكذا الثرى والتراب فإن الثرى هو التراب ولكن بشرط النداوة (١)، وكذلك المأزق والمضيق فإن المأزق هو المضيق ولكن لا يقال إلا في مواضع الحرب، وكذا الآبق (۲) والهارب فإن الآبق هو الهارب ولكن مع مزيد معنى في الهارب، وهو أن يكون من كد وخوف، فإن لم يكن سبب منفر فيسمى هاربا لا ابقا؛ وكما لا يقال لماء الفم رضاب (۳) إلا ما دام في الفم فإذا فارقه فهو بزاق. ولا يقال للشجاع كمي (٤) إلا إذا كان شاكي السلاح (٥) وإلا فهو بطل. ولا يقال للشمس الغزالة إلا عند ارتفاع النهار ؛ فهذه الألفاظ متماثلة في الأصل وفيها نوع تفاوت، وقد يظن أن الحكم على أحدها حكم على الآخر فيصدق به لهذا السبب . وأما السبب المعنوي للتغليط فهو أن تكون المقدمة صادقة في البعض لا في الكل، فتؤخذ على أنها كلية وتصدق ويقع الذهول عن شرط صدقها، وأكثرها من سبق الوهم إلى العكس، فإنا إذا قلنا : «كل قود (٦) فبعمد ) وكل رجم فيزنا» فيظن أن كل عمد ففيه قود وأن كل زنا ففيه رجم، وهذا كثير التغليط لمن لم يتحفظ عنه، والذي يصدق في البعض دون الكل قد يكون بحيث يصدق في بعض الموضوع كقولنا : الحيوان مكلف ؛ فإنه يصدق في الإنسان دون غيره، وقد يصدق في كل الموضوع ولكن في بعض الأحوال كقولنا : الإنسان مكلف، فإنه لا يصدق في حالة الصبا والجنون، وقد يصدق في بعض الأوقات كقولنا : المكلف يلزمه الصلاة، فإنه لا يصدق في وقت الضحى إذ لا يجب فيه صلاة، وقد يصدق بشرط خفي كقولنا : المكلف يحرم عليه شرب الخمر، فإنه بشرط ألا يكون مكرها فيترك الشرط، وكذلك قولك : إذا قتل مظلوما هو مثل من قتل؛ وهو صحيح بشرط، أعني ألا يكون القاتل أبا والقتيل ابنا . فهذه الأمور لما كانت تصدق في الأكثر ولا تنتهض كلية صادقة إلا إذا قيدت بالشرط، فربما يذعن الذهن للتصديق ويسلمها على أنها كلية صادقة فيلزم منها نتائج كاذبة . المثار السادس : أن لا تكون المقدمات غير النتيجة فتصادر على المطلوب في

#1261,841 حرف

في الأكثر ولا تنتهض كلية صادقة إلا إذا قيدت بالشرط، فربما يذعن الذهن للتصديق ويسلمها على أنها كلية صادقة فيلزم منها نتائج كاذبة . المثار السادس : أن لا تكون المقدمات غير النتيجة فتصادر على المطلوب في المقدمات من حيث لا تدري ، كقولك : إن المرأة مولى عليها فلا تلي عقد النكاح، وإذا طولبت بمعنى كونها مولى عليها ربما لم تتمكن من إظهار معنى سوى ما فيه النزاع. وكذلك قول القائل : يصح التطوع بنية تنشأ نهارا لأنه صوم عين، وإذا طولب بتحقيق معنى كونه صوم عين لم يستغن عن أن يجعل النتيجة جزءا منه، إذ يقال له: ما معنى كونه صوم عين؟ فيقول : إنه يصلح للتطوع . فيقال : وبهذا لا يثبت التعين إذ يصلح كل يوم قبل طلوع الفجر للقضاء، ولا يقال : صوم عين . وإن قال : معناه أنه لا يصلح لغير التطوع ، يقال : وبهذا لا يثبت التعين فإن الليل لا يصلح لغير التطوع، ولا يقال له: عين، فيضطر إلى أن يجمع بين المعنيين ويقول : معناه أنه يصلح للتطوع ولا يصلح لغيره فيقال : قوله : يصلح للتطوع هو الحكم المطلوب علمه، فكيف جعله جزءا من العلة والعلة ينبغي أن تتقوم ذاتها دون الحكم؟ ثم يترتب عليها الحكم فيكون الحكم غير العلة، ونظائر هذا في العقليات تكثر فلذلك لم نذكره . المثار السابع : أن لا تكون المقدمات أعرف من النتيجة، بل تكون إما مساوية لها في المعرفة كالمتضايفات، وذلك مثل من ينازع في كون زيد ابنا لعمرو فيقول : الدليل على أن زيدا ابن لعمرو هو أن عمرا أبا لزيد، وهذا محال لأنهما يعلمان معا ولا يعلم أحدهما بالآخر، وكذلك من يثبت أن وصفا من الأوصاف علم بقوله : الدليل عليه أن المحل الذي قام به عالم . وهو هوس إذ لا يعلم كون المحل عالما إلا مع العلم بكون الحال في المحل علما . وقد تكون المقدمة متأخرة في المعرفة عن النتيجة فيكون قياسا دوريا، وأمثلته في العقليات كثيرة. وأما في الفقهيات فكأن يقول الحنفي : تبطل صلاة المتيمم (۱) إذا وجد الماء في خلالها لأنه قدر على الاستعمال، وكل من قدر على استعمال الماء لزمه، ومن يلزمه استعمال الماء فلا يجوز له أن يصلي بالتيمم، فيجعل القدرة على الاستعمال حدا أوسط وبطلان الصلاة نتيجة فيقال : إن أردت به القدرة حسا فيبطل بما لو وجده مملوكا

#1271,197 حرف

، وكل من قدر على استعمال الماء لزمه، ومن يلزمه استعمال الماء فلا يجوز له أن يصلي بالتيمم، فيجعل القدرة على الاستعمال حدا أوسط وبطلان الصلاة نتيجة فيقال : إن أردت به القدرة حسا فيبطل بما لو وجده مملوكا ١٠٥ النظر الثالث : في المغلظات في القياس قوله : قليل من الناس كاتب يشتمل على مقدمتين بالقوة : إحداهما بعض الناس كاتب، والأخرى أن ذلك البعض قليل، فهما محمولان على البعض. وقد حكم في المقدمة الثانية على أحد المحمولين وهو الكاتب دون الثاني فاختلط النظم، وكذلك إذا قلت : ممتنع أن يكون الإنسان حجرا، وممتنع أن يكون الحجر حيوانا، فممتنع أن يكون الإنسان حيوانا، لأن هذا الضرب ألف من سالبتين غير فيهما اللفظ السلبي، إذ قولك ممتنع أن يكون الإنسان حجرا معناه لا إنسان واحد حجر، بل هذا القدر كاف لنفي النتيجة، فإن صغرى الشكل الأول مهما لم تكن موجبة لم ينتج أصلا، وإنما تكثر هذه الأغاليط إذا تشبث (۱) الذهن بالألفاظ دون أن يحصل المعاني بحقائقها المثار الثالث : ألا تكون الحدود الثلاثة، وهي الأجزاء الأولى، متمايزة متكاملة كقولك : كل إنسان بشر، وكل بشر حيوان، فكل إنسان حيوان . وقولك : كل خمر عقار (۲) ، وكل عقار مسكر، فكل خمر مسكر . فإن الحد الأوسط هو الحد الأصغر بعينه، وإنما تعدد اللفظ . وهذا من استعمال الألفاظ المترادفة، وهي التي تختلف حروفها وتتساوى حدود معانيها المفهومة، وقد ذكرناها فليحترز منها أيضا

#1281,227 حرف

عقار مسكر، فكل خمر مسكر . فإن الحد الأوسط هو الحد الأصغر بعينه، وإنما تعدد اللفظ . وهذا من استعمال الألفاظ المترادفة، وهي التي تختلف حروفها وتتساوى حدود معانيها المفهومة، وقد ذكرناها فليحترز منها أيضا المثار الرابع : ألا تكون الأجزاء الثواني وهي المقدمات متفاضلة، وذلك لا يتفق في الألفاظ المفردة البسيطة إذ يظهر فيها محل الغلط، ولكن يتفق في الألفاظ المركبة، وكم من لفظ مركب يؤدي معنى قوته قوة الواحد أو يمكن أن يدل عليه بلفظ واحد، كما تقول : الإنسان يمشي . ثم يمكنك أن تبدل لفظ الموضوع بالحيوان الناطق، ولفظ يمشي بأنه ينتقل بنقل قدميه من موضع إلى آخر حتى يطول اللفظ، ويمكنك أن تعين التلبيس فيه. ومن هذا القبيل قولنا : كل ما علمه المسلم، فهو كما علمه، والمسلم يعلم الكافر فهو إذن كالكافر، وهذه المقدمات متمايزة الحدود في الوضع ولكن الخلل في الاتساق (۳)، فإنه ترك التصريح بتفصيله، وإلا فقولك : ما علمه المسلم موضوع، وقولك : فهو كما علمه محمول، ولكن تردد معنى قولك هو ، وقد يكون بحيث لا يتميز في الوضع بل يكون فيه جزء يحتمل أن يكون من الموضوع، وأن يكون من المحمول، فإنك تقول : زيد الطويل أبيض؛ (۱) تشبث بالشيء : تمسك به، أو تعلق به ولزمه . (۲) العقار : من أسماء الخمر، قيل : سميت بذلك لأنها عاقرت العقل، أو الدن، أي لزمته، وقيل: لأنها تعقر شاربها ، وقيل : لأن أصحابها يعاقرونها يلازمونها ويدمنون عليها . (۳) الاتساق : الانتظام .

#1291,163 حرف

به ولزمه . (۲) العقار : من أسماء الخمر، قيل : سميت بذلك لأنها عاقرت العقل، أو الدن، أي لزمته، وقيل: لأنها تعقر شاربها ، وقيل : لأن أصحابها يعاقرونها يلازمونها ويدمنون عليها . (۳) الاتساق : الانتظام . ١٠٦ معيار العلم في فن المنطق فالمحمول هو الأبيض فقط، والطويل من الموضوع، ويمكن أن يذكر الطويل بصيغة الذي فيرجع إلى زيد بأن تقول : زيد الذي هو طويل أبيض؛ وإن قلت : زيد طويل أبيض صار الطويل جزءا من المحمول، وإذا لم يذكر الذي يكون بحيث يحتمل أن يراد به الذي وألا يراد كما تقول : الإنسانية من حيث هي إنسانية خاصة أو عامة، فيحتمل أن يكون الموضوع الإنسانية المجردة والمحمول الخاصة، ويحتمل أن يكون الموضوع الإنسانية فحسب والمحمول الخاصة من حيث هي إنسانية، إذا لو قلت : الإنسانية خاصة أو عامة لأخبرت عن شيء واحد. فإذا قلت : الإنسانية من حيث هي إنسانية خاصة أو عامة، أخبرت عن شيئين وكل خبر فهو محمول. ولهذا لو قلت : الإنسانية ليست من حيث هي إنسانية خاصة ولا عامة، صدق. ولو قلت : الإنسانية ليست خاصة ولا عامة كذب ويفهم الفرق بينهما عند ذكرنا المعنى الكلي في أحكام الوجود، فيتشعب (۱) من هذه التركيبات المختلفة أغاليط يعسر حلها على حذاق النظار (۲) فضلا عن الظاهريين، ولا تخلص عن مكامن الغلط إلا بتوفيق الله فليستوفق (۳) الله تعالى الناظر في هذه العقبات حتى يسلم عن ظلماتها .

#1301,162 حرف

فيتشعب (۱) من هذه التركيبات المختلفة أغاليط يعسر حلها على حذاق النظار (۲) فضلا عن الظاهريين، ولا تخلص عن مكامن الغلط إلا بتوفيق الله فليستوفق (۳) الله تعالى الناظر في هذه العقبات حتى يسلم عن ظلماتها . المثار الخامس : أن تكون المقدمة كاذبة، وذلك لا يخلو إما أن يكون لالتباس اللفظ أو لالتباس المعنى، فإن لم يكن ثم شيء من هذه الأسباب لم يذعن الذهن له ولم يصدق به، فليس كلام إلا فيما يغلط فيه العقلاء. فأما من يصدق بكل ما يسمع فهو فاسد المزاج، عسر العلاج . أما التباس اللفظ فهو أن يكون بينه وبين الصادق مناسبة، كما إذا اشتركت لفظتان في معنى وبينهما افتراق في معنى دقيق، فيظن أن الحكم الذي ألفي صادقا على أحدهما صادق على الآخر، ويقع الذهول عما فيه الافتراق من زيادة معنى أو نقصانه مع اتحاد المسمى، وذلك مما يكثر كلفظ الستر والخدر (٤) . ولا يقال : خدر إلا إذا كان مشتملا على جارية، وإلا فهو ستر، وكالبكاء والعويل ولا يقال : عويل إلا إذا كان معه رفع صوت وإلا فهو بكاء، وقد يظن تساويهما، وكذا الثرى والتراب فإن الثرى هو التراب ولكن بشرط (۱) تشعب الشيء : انتشر وتفرق . (۲) حذاق النظار : مهرتهم . (۳) استوفق الله : طلب توفيقه . (٤) الخدر : ستر يمد للمرأة في ناحية البيت؛ قال امرؤ القيس : وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل (دیوانه : ٢٤) والخدر : الهودج .

#131762 حرف

(۲) حذاق النظار : مهرتهم . (۳) استوفق الله : طلب توفيقه . (٤) الخدر : ستر يمد للمرأة في ناحية البيت؛ قال امرؤ القيس : وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجل (دیوانه : ٢٤) والخدر : الهودج . ۱۰۷ النظر الثالث : في المغلظات في القياس النداوة (١)، وكذلك المأزق والمضيق فإن المأزق هو المضيق ولكن لا يقال إلا في مواضع الحرب، وكذا الآبق (۲) والهارب فإن الآبق هو الهارب ولكن مع مزيد معنى في الهارب، وهو أن يكون من كد وخوف، فإن لم يكن سبب منفر فيسمى هاربا لا ابقا؛ وكما لا يقال لماء الفم رضاب (۳) إلا ما دام في الفم فإذا فارقه فهو بزاق. ولا يقال للشجاع كمي (٤) إلا إذا كان شاكي السلاح (٥) وإلا فهو بطل. ولا يقال للشمس الغزالة إلا عند ارتفاع النهار ؛ فهذه الألفاظ متماثلة في الأصل وفيها نوع تفاوت، وقد يظن أن الحكم على أحدها حكم على الآخر فيصدق به لهذا السبب .

#1321,228 حرف

) إلا إذا كان شاكي السلاح (٥) وإلا فهو بطل. ولا يقال للشمس الغزالة إلا عند ارتفاع النهار ؛ فهذه الألفاظ متماثلة في الأصل وفيها نوع تفاوت، وقد يظن أن الحكم على أحدها حكم على الآخر فيصدق به لهذا السبب . وأما السبب المعنوي للتغليط فهو أن تكون المقدمة صادقة في البعض لا في الكل، فتؤخذ على أنها كلية وتصدق ويقع الذهول عن شرط صدقها، وأكثرها من سبق الوهم إلى العكس، فإنا إذا قلنا : «كل قود (٦) فبعمد ) وكل رجم فيزنا» فيظن أن كل عمد ففيه قود وأن كل زنا ففيه رجم، وهذا كثير التغليط لمن لم يتحفظ عنه، والذي يصدق في البعض دون الكل قد يكون بحيث يصدق في بعض الموضوع كقولنا : الحيوان مكلف ؛ فإنه يصدق في الإنسان دون غيره، وقد يصدق في كل الموضوع ولكن في بعض الأحوال كقولنا : الإنسان مكلف، فإنه لا يصدق في حالة الصبا والجنون، وقد يصدق في بعض الأوقات كقولنا : المكلف يلزمه الصلاة، فإنه لا يصدق في وقت الضحى إذ لا يجب فيه صلاة، وقد يصدق بشرط خفي كقولنا : المكلف يحرم عليه شرب الخمر، فإنه بشرط ألا يكون مكرها فيترك الشرط، وكذلك قولك : إذا قتل مظلوما هو مثل من قتل؛ وهو صحيح بشرط، أعني ألا يكون القاتل أبا والقتيل ابنا . فهذه الأمور لما كانت تصدق في الأكثر ولا تنتهض كلية صادقة إلا إذا قيدت بالشرط، فربما يذعن الذهن للتصديق ويسلمها على أنها كلية صادقة فيلزم منها نتائج كاذبة . المثار السادس : أن لا تكون المقدمات غير النتيجة فتصادر على المطلوب في

#1331,422 حرف

في الأكثر ولا تنتهض كلية صادقة إلا إذا قيدت بالشرط، فربما يذعن الذهن للتصديق ويسلمها على أنها كلية صادقة فيلزم منها نتائج كاذبة . المثار السادس : أن لا تكون المقدمات غير النتيجة فتصادر على المطلوب في (۱) النداوة : يقال : ندي الشيء ندى، ونداوة : ابتل . (۲) الآبق : الهارب من كد عمل أو خوف . (۳) الرضاب : الريق المرشوف . (٤) الكمي : لابس السلاح؛ يقال : كمى نفسه كميا: سترها بالدرع والبيضة، وتكمى في سلاحه : تغطى به . (٥) شاكي السلاح : تام السلاح ، كامل الاستعداد للحرب والقتال. (٦) القود : القصاص . (۷) العمد : القصد ؛ يقال : عمد الشيء، وللشيء، وإليه: قصده. ۱۰۸ معيار العلم في فن المنطق المقدمات من حيث لا تدري ، كقولك : إن المرأة مولى عليها فلا تلي عقد النكاح، وإذا طولبت بمعنى كونها مولى عليها ربما لم تتمكن من إظهار معنى سوى ما فيه النزاع. وكذلك قول القائل : يصح التطوع بننية تنشأ نهارا لأنه صوم عين، وإذا طولب بتحقيق معنى كونه صوم عين لم يستغن عن أن يجعل النتيجة جزءا منه، إذ يقال له: ما معنى كونه صوم عين؟ فيقول : إنه يصلح للتطوع . فيقال : وبهذا لا يثبت التعين إذ يصلح كل يوم قبل طلوع الفجر للقضاء، ولا يقال : صوم عين . وإن قال : معناه أنه لا يصلح لغير التطوع ، يقال : وبهذا لا يثبت التعين فإن الليل لا يصلح لغير التطوع، ولا يقال له: عين، فيضطر إلى أن يجمع بين المعنيين ويقول : معناه أنه يصلح للتطوع ولا يصلح لغيره فيقال : قوله : يصلح للتطوع هو الحكم المطلوب علمه، فكيف جعله جزءا من العلة والعلة ينبغي أن تتقوم ذاتها دون الحكم؟ ثم يترتب عليها الحكم فيكون الحكم غير العلة، ونظائر هذا في العقليات تكثر فلذلك لم نذكره .

#1341,642 حرف

يقال : قوله : يصلح للتطوع هو الحكم المطلوب علمه، فكيف جعله جزءا من العلة والعلة ينبغي أن تتقوم ذاتها دون الحكم؟ ثم يترتب عليها الحكم فيكون الحكم غير العلة، ونظائر هذا في العقليات تكثر فلذلك لم نذكره . المثار السابع : أن لا تكون المقدمات أعرف من النتيجة، بل تكون إما مساوية لها في المعرفة كالمتضايفات، وذلك مثل من ينازع في كون زيد ابنا لعمرو فيقول : الدليل على أن زيدا ابن لعمرو هو أن عمرا أبا لزيد، وهذا محال لأنهما يعلمان معا ولا يعلم أحدهما بالآخر، وكذلك من يثبت أن وصفا من الأوصاف علم بقوله : الدليل عليه أن المحل الذي قام به عالم . وهو هوس إذ لا يعلم كون المحل عالما إلا مع العلم بكون الحال في المحل علما . وقد تكون المقدمة متأخرة في المعرفة عن النتيجة فيكون قياسا دوريا، وأمثلته في العقليات كثيرة. وأما في الفقهيات فكأن يقول الحنفي : تبطل صلاة المتيمم (۱) إذا وجد الماء في خلالها لأنه قدر على الاستعمال، وكل من قدر على استعمال الماء لزمه، ومن يلزمه استعمال الماء فلا يجوز له أن يصلي بالتيمم، فيجعل القدرة على الاستعمال حدا أوسط وبطلان الصلاة نتيجة فيقال : إن أردت به القدرة حسا فيبطل بما لو وجده مملوكا (۱) ورد حكم التيمم في قول الله تعالى : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) [النساء : ٤٣] . وفي قول النبي : « جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده طهوره » [رواه أحمد]. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : ( إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين » [رواه أصحاب السنن]. وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، لكن يجب عليه قبل - أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله، أو من رفقته، أو ما قرب منه عادة، فإذا تيقن عدمه، أو أنه بعيد عنه، لا يجب عليه الطلب . (فقه السنة، السيد سابق : ۷۸/۱).

#1351,217 حرف

وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، لكن يجب عليه قبل - أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله، أو من رفقته، أو ما قرب منه عادة، فإذا تيقن عدمه، أو أنه بعيد عنه، لا يجب عليه الطلب . (فقه السنة، السيد سابق : ۷۸/۱). ۱۰۹ النظر الثالث : في المغلظات في القياس للغير، وإن أردت به القدرة شرعا فيقال : ما دامت الصلاة قائمة يحرم عليه الأفعال الكثيرة، فيحرم الاستعمال، فالقدرة شرعا تحصل ببطلان الصلاة، فالبطلان منتج للقدرة والقدرة سابقة عليه سبق العلة على المعلول، أعني بالذات لا بالزمان فكيف جعل المتأخر في الرتبة علة لما هو متقدم في الرتبة وهو البطلان؟ فهذه مثارات الغلط وقد حصرناها في سبعة أقسام، ويتشعب كل قسم إلى وجوه كثيرة لا يمكن إحصاؤها . فإن قيل : فهذه مغلطات كثيرة فمن الذي يتخلص منها؟ قلنا : هذه المغلطات كلها لا تجتمع في كل قياس بل يكون مثار الغلط في كل قياس محصورا والاحتياط فيه ممكن، وكل من راعى الحدود الثلاثة وحصلها في ذهنه معاني لا ألفاظا، ثم حمل البعض على البعض وجعلها مقدمتين، وراعى توابع الحمل كما ذكرنا في شروط التناقض، وراعى شكل القياس علم قطعا أن النتيجة اللازمة حق لازم، فإن لم يثق به فليعاود المقدمات ووجه التصديق وشكل القياس وحدوده مرة أو مرتين، كما يصنع الحساب في حسابه الذي يرتبه إذ يعاوده مرة أو مرتين، فإن فعل ذلك ولم تحصل له الثقة والطمأنينة فليهجر النظر وليقنع بالتقليد، فلكل عمل رجال، وكل ميسر لما خلق له .

#1361,178 حرف

وشكل القياس وحدوده مرة أو مرتين، كما يصنع الحساب في حسابه الذي يرتبه إذ يعاوده مرة أو مرتين، فإن فعل ذلك ولم تحصل له الثقة والطمأنينة فليهجر النظر وليقنع بالتقليد، فلكل عمل رجال، وكل ميسر لما خلق له . السفسطة الفصل الثاني في بيان خيال السوفسطائية : فإن قال قائل : إذا كانت المقدمات ضرورية صادقة، والعقول مشتملة عليها، وهذا الترتيب الذي ذكرتموه في صورة القياس أيضا واضح، فمن أين وقع للسوفسطائية إنكار العلوم والقول بتكافؤ الأدلة؟ أو من أين ثارت الاختلافات بين الناس في المعقولات؟ قلنا: أما وقوع الخلاف فلقصور أكثر الأفهام عن الشروط التي ذكرناها، ومن يتأملها لم يتعجب من مخالفة المخالف فيها، لا سيما وأدلة العقول تنساق إلى نتائج لا يذعن الوهم لها، بل يكذب بها لا كالعلوم الحسابية، فإن الوهم والعقل يتعاونان فيها، ثم من لا يعرف الأمور الحسابية يعرف أنه لا يعرفها وإن غلط ، فلا يدوم غلطه بل يمكن إزالته على القرب . وأما العلوم العقلية فليس كذلك؛ ثم من السوفسطائية من أنكر العلوم الأولية والحسية، كعلمنا بأن الاثنين أكثر من الواحد، وكعلمنا بوجودنا، وأن الشيء الواحد إما أن يكون قديما أو حادثا، فهؤلاء دخلهم الخلل من سوء المزاج وفساد الذهن بكثرة التحير في النظريات. وأما الذين سلموا الضروريات وزعموا أن الأدلة متكافئة في النظريات فإنما حملهم عليه ما رأوا من تناقض أدلة فرق المتكلمين،

#137632 حرف

ا أو حادثا، فهؤلاء دخلهم الخلل من سوء المزاج وفساد الذهن بكثرة التحير في النظريات. وأما الذين سلموا الضروريات وزعموا أن الأدلة متكافئة في النظريات فإنما حملهم عليه ما رأوا من تناقض أدلة فرق المتكلمين، ۱۱۰ معيار العلم في فن المنطق وما اعتراهم في بعض المسائل من شبه وإشكالات عسر عليهم حلها، فظنوا أنها لا حل لها أصلا، ولم يحملوا ذلك على قصور نظرهم وضلالهم وقلة درايتهم بطريق النظر، ولم يتحققوا شرائط النظر كما قدمناه، ونحن نذكر جملة من خيالاتهم ونحلها ليعرف أن القصور ممن ليس يحسن حل الشبه، وإلا فكل أمر إما أن يعرف وجوده ويتحقق أو يعرف عدمه ويتحقق، أو يعلم أنه من جنس ما ليس للبشر معرفته ويتحقق ذلك أيضا ومثارات خيالهم ثلاثة أقسام :

#1381,737 حرف

من خيالاتهم ونحلها ليعرف أن القصور ممن ليس يحسن حل الشبه، وإلا فكل أمر إما أن يعرف وجوده ويتحقق أو يعرف عدمه ويتحقق، أو يعلم أنه من جنس ما ليس للبشر معرفته ويتحقق ذلك أيضا ومثارات خيالهم ثلاثة أقسام : الأول : ما يرجع إلى صورة القياس؛ فمنها قول القائل : إن من أظهر ما ذكرتموه قولكم : إن السالبة الكلية تنعكس مثل نفسها، فإذا قلنا : لا إنسان واحد حجر لزم منه قولنا : لا حجر واحد إنسان، وتظنون أن هذا ضروري لا يتصور أن يختلف، وهو خطأ إذ حكم الحس به في موضع فظن أنه صادق في كل موضع . فإنا نقول : لا حائط واحد في وتد، ولا نقول : لا وتد واحد في حائط، ونقول : لا دن (۱) واحد في شراب، ولا نقول : لا شراب واحد دن، فنقول : نحن ادعينا أن ذات المحمول مهما عكس على ذات الموضوع بعينه اقتضى ما ذكرناه كما نقول : لا دن واحد شراب فلا جرم يلزم بالضرورة أنه لا شراب واحد دن، لأن المباينة إذا وقعت فلا جرم يلزم بالضرورة أنه لا شراب واحد دن، لأن المباينة إذا وقعت بين شيئين كلية كانت من الجانبين، إذ لو فرض الاتصال في البعض كذبت كون المباينة كلية، وهذا المثال لم يعكس على وجهه ولم يحصل المعنيان اللذان المباينة بينهما، فإذا حصل لزم العكس، فإنا إذا قلنا : لا حائط واحد في الوتد (٢)، فالمحمول قولنا : في الوتد لا مجرد الوتد فإذا وقعت المباينة بين الحائط وبين الشيء الذي قدرناه في الوتد فعكسه لازم، وهو أن كل ما هو في الوتد فليس بحائط، فلا جرم نقول : لا شيء واحد مما هو في الوتد حائط ولا شيء واحد مما هو في الشراب دن، وحل هذا إنما يعسر على من يتلقى هذه الأمور من اللفظ لا من المعنى. وأكثر الأذهان يعسر عليها درك مجردات المعاني من غير التفات إلى الألفاظ . ومنها قول القائل : ادعيتم أن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، حتى إذا صح قولنا : كل إنسان حيوان صح قولنا لا محالة : بعض الحيوان إنسان. وليس كذلك فإنا نقول : كل شيخ قد كان شابا ولا نقول بعض الشبان قد كان شيخا، وكل (۱) الدن : وعاء ضخم يستخدم للخمر وغيرها. (۲) الوتد : ما رز في الأرض أو الحائط من خشب ونحوه .

#1392,206 حرف

لا محالة : بعض الحيوان إنسان. وليس كذلك فإنا نقول : كل شيخ قد كان شابا ولا نقول بعض الشبان قد كان شيخا، وكل (۱) الدن : وعاء ضخم يستخدم للخمر وغيرها. (۲) الوتد : ما رز في الأرض أو الحائط من خشب ونحوه . ۱۱۱ النظر الثالث : في المغلظات في القياس خبز فقد كان برا ولا نقول بعض البر قد كان خبزا فنقول : مثار الغلط ترك الشرط في العكس، فإنه إذا أدخل بين الموضوع والمحمول قولنا : قد كان، فإما أن يراعى في العكس وإما أن يلغى من كلتا القضيتين، فإن ألغي هذا كذبت المقدمتان جميعا، وهو أن نقول : كل شيخ حدث (۱) وكل حدث شيخ، وهو موضوع ومحمول مجرد، فإذا قلت : كل شيخ فقد كان شابا فعكسه بعض من كان شابا شيخ، وذلك مما يلزم لا محالة إن صدق الأول، فمن لم يتفطن لمثل هذه الأمور يضل فيحكم بلزوم الضلال في نفسه ويظن ألا طريق إلى معرفة الحق. ومنها تشككهم في الشكل الأول وقولهم : إنكم ادعيتم كونه منتجا وقول القائل : الإنسان وحده ضحاك وكل ضحاك حي فالإنسان وحده حي، فالنتيجة خطأ والشكل هو الشكل الأول فإنهما موجبتان كليتان، وإن جعلت قولنا : الإنسان وحده ضحاك جزئية، جاز أن تكون هي الصغرى، ولا يشترط في الشكل الأول إلا كون الكبرى كلية فنقول : منشأ الغلط أن قوله وحده لم يراع في المقدمة الثانية وأعيد في النتيجة، فينبغي ألا يعاد أيضا في النتيجة حتى يلزم أن الإنسان حي، أو يعاد في المقدمة الثانية حتى تصير كاذبة فيقال : والضحاك وحده حي، فإن معنى قولنا : الإنسان وحده ضحاك أن الإنسان دون غيره ضحاك ، فهما على التحقيق مقدمتان : إحداهما أن الإنسان ضحاك ، والأخرى أن غير الإنسان ليس بضحاك. فإذا قلت : والضحاك حي، حكمت على محمول إحدى المقدمتين، وهي قولك: الإنسان ضحاك وتركت الحكم على محمول المقدمة الثانية، وهي قولنا: غير الإنسان ليس بضحاك، فإذا اقتصرت في إحدى المقدمتين على شيء فاقتصر في النتيجة عليه وقل: الإنسان حي ولا تقل وحده ، لأن الحكم يتعدى من الحد الأوسط إلى الأصغر مهما حكمت على الأوسط، والأوسط ههنا هو الضحاك مثبتا للإنسان منفيا عن غيره، فالحكم الذي على الضحاك ينبغي أن يكون محمولا على جزأيه جميعا ولم تتعرض في المقدمة الثانية التي تذكر فيها محمول الأوسط للجزء الثاني من الأوسط ؛ فمن أمثال هذا تضل الأذهان الضعيفة، والإنسان إذا تعذر عليه شيء لم تسمح نفسه بأن يحيل على عجز نفسه، فيظن أنه ممتنع في ذاته ويحكم بأن النظر ليس طريقا موصلا إلى اليقين وهو خطأ. ومنها قولهم : الاثنان ربع الثمانية والثمانية ربع الاثنين والثلاثين، فالاثنان ربع الاثنين والثلاثين، وهذا من إهمال شرط الحمل في الإضافيات وسببه ظاهر إذ (1) الحدث : الصغير السن .

#1402,272 حرف

صلا إلى اليقين وهو خطأ. ومنها قولهم : الاثنان ربع الثمانية والثمانية ربع الاثنين والثلاثين، فالاثنان ربع الاثنين والثلاثين، وهذا من إهمال شرط الحمل في الإضافيات وسببه ظاهر إذ (1) الحدث : الصغير السن . ۱۱۲ معيار العلم في فن المنطق أن نتيجة هذا أن الاثنين ربع ربع الاثنين والثلاثين، ثم إن صحت مقدمة أخرى وهي ربع الربع ربع صح ما ذكروه. وإذا قلنا : زيد مثل عمرو وعمرو مثل خالد، لم يلزم أن يكون زيد مثل خالد بل اللازم أن زيدا مثلا مثل مثل خالد، فإن صح لنا مقدمة أخرى وهي أن مثل المثل مثل، فعند ذلك تصح النتيجة فقد أهملوا مقدمة لا بد منها وهي كاذبة فليحترز عن مثله . ومنها قولهم : ممتنع أن يكون الإنسان حجرا وممتنع أن يكون الحجر حيا، فممتنع أن يكون الإنسان حيا. وقد ذكرنا وجه الغلط فيه، وأنهما سالبتان لا ينتجان وضعا بصفة الإيجاب، وكما أن الموجبة قد تظن سالبة في قولنا : زيد غير بصير، فكذلك السالبة تظن موجبة في قولنا : ممتنع أن يكون الإنسان حجرا؛ وكل ذلك الملاحظة الألفاظ دون تحقيق المعاني . ومنها قولهم : العظم لا في شيء من الكبد والكبد في كل إنسان فالعظم لا في شيء من الإنسان، والنتيجة خطأ ، فإذا تأملت هذا عرفت مثار الغلط فيه من الطريق الذي ذكرناه. وكذلك يتشكك في الشكل الثاني والثالث بأمثال ذلك، وبعد تعريف الطريق لا حاجة إلى تكثير الأمثلة؛ فهذه هي الشكوك في صورة القياس . القسم الثاني : في الشكوك التي سببها الغلط في المقدمات. فمنها أنهم يقولون : نرى أقيسة متناقضة، ولو كان القياس صحيحا لما تناقض موجبها . مثاله : من ادعى أن القوة المدبرة من الإنسان في القلب استدل عليه بأني وجدت الملك المدبر يتوطن (۱) وسط مملكته والقلب في وسط البدن . ومن ادعى أنها في الدماغ استدل بأني وجدت أعالي الشيء أصفى وأحسن من أسافله والدماغ أعلى من القلب. ومثاله أيضا قول القائل : إن الرحيم لا يؤلم البريء عن الجناية، والله أرحم الراحمين فإذن لا يؤلم بريا عن الجناية، وهذه النتيجة كاذبة إذ نرى أن الله تعالى يؤلم الحيوانات والبهائم والمجانين من غير جناية منهم، فنشك في قولنا: إنه أرحم الراحمين، أو في قولنا : إن الرحيم لا يؤلم من غير فائدة، مع القدرة على ترك الإيلام. ومثاله أيضا قول القائل : التنفس فعل إرادي كالمشي لا كالنبض (٢) ، لأنا نقدر على الامتناع منه ؛ وقائل آخر يقول : ليس بإرادي إذ لو كان إراديا لما كنا نتنفس في النوم ولكنا نقدر على الامتناع منه في كل وقت أردنا كالمشي، ونحن لا نقدر على إمساك النفس في كل وقت فتناقضت النتيجتان . (۱) توطن المكان : اتخذه محلا وسكنا يقيم فيه . (۲) النبض : ضربات الشرايين من انقباضات القلب، يستدل بها على حالة الجسم من صحة ومرض ؛ يقال : جس الطبيب نبضه .

#1412,206 حرف

على إمساك النفس في كل وقت فتناقضت النتيجتان . (۱) توطن المكان : اتخذه محلا وسكنا يقيم فيه . (۲) النبض : ضربات الشرايين من انقباضات القلب، يستدل بها على حالة الجسم من صحة ومرض ؛ يقال : جس الطبيب نبضه . ۱۱۳ النظر الثالث : في المغلظات في القياس ومثاله أيضا قولنا : إن كل موجود فإما متصل بالعالم وإما منفصل، وما ليس بمتصل ولا منفصل فليس بموجود، فهذا أولي . وقد ادعى جماعة بأقيسة مشهورة وأنتم منهم أن صانع العالم ليس داخل العالم ولا خارجه، فكيف يوثق بالقياس؟ وكذلك ادعى قوم أن الجوهر لا يتناهى في التجزي، ونحن نعلم أن كل ما له طرفان وهو محصور بينهما فهو متناه، وكل جسم فله طرفان وهو محصور بينهما فهو إذن متناه. وادعى قوم أنه يتناهى إلى جزء لا ينقسم، ونحن نعلم أن كل جوهر بين جوهرين فإنه يلاقي أحدهما بغير ما يلاقي به الآخر ، فإذن فيه شيئان متغايران وهذا القياس أيضا قطعي كالأول بلا فرق . ومثاله أيضا ما نعلم بالضرورة من أن الثقيل لا يقف في الهواء، وقد قال جماعة : إن الأرض واقفة في الهواء والهواء محيط بها، والناس معتمدون عليها من الجوانب، حتى أن الواقفين على نقطتين متقابلتين من كرة الأرض تتقابل أخمص (۱) أقدامهما، ونحن بالضرورة نعلم ذلك؛ فهذا وأمثاله يدل على أن المقاييس ليست تورث الثقة واليقين، فنقول : كما أن الأول شك نشأ من الجهل بصورة القياس فهذا نشأ من الجهل بمادة القياس، وهي المقدمات الصادقة اليقينية، والفرق بينها وبين غيرها . فمهما سلم ما لا يجب أن يسلم لزم منه لا محالة نتائج متناقضة . فأما الأول : من هذه الأمثلة : فهو قياس ألف من مقدمات وعظية خطابية، إذ أخذ فيه شيء واحد ووجد على وجه فحكم به على الجميع. ونحن قد بينا أن الحكم على الجميع بجزئيات كثيرة ممتنع فكيف الحكم بجزئي واحد، بل إذا كثرت الجزئيات لم تفد إلا الظن ، ثم لا يزال يزداد الظن قوة بكثرة الأمثلة ولكن لا ينتهي إلى العلم . . وأما الثاني : فمؤلف من مقدمات مشهورة جدلية سلم بعضها من حيث استبشع نقيضها، إما لما فيه من مخالفة الجماهير وإما لما فيه من مخالفة ظاهر لفظ القرآن، وكم من إنسان يسلم الشيء لأنه يستقبح منعه أو لأنه ينفر وهمه عن قبول نقيضه، وقد نبهنا على هذا في المقدمات . وموضع المنع فيه وصف الله بالرحمة على الوجه الظاهر الذي فهمه العامة، والله تعالى مقدس عنه. بل لفظ الرحمة والغضب مؤول في حقه كلفظ النزول والمجيء وغيرهما، فإذا أخذ بالظاهر وسلم لا عن تحقيق لزمت النتيجة الكاذبة، وكونه رحيما بالمعنى الذي تفهمه العامة مقدمة ليست أولية، وليس يدل عليها قياس بالشرط المذكور، فمحل الغلط ترك (1) أخمص القدم باطنه الذي يتجافى عن الأرض.

#1422,267 حرف

أخذ بالظاهر وسلم لا عن تحقيق لزمت النتيجة الكاذبة، وكونه رحيما بالمعنى الذي تفهمه العامة مقدمة ليست أولية، وليس يدل عليها قياس بالشرط المذكور، فمحل الغلط ترك (1) أخمص القدم باطنه الذي يتجافى عن الأرض. ۱۱۴ التأويل في محل وجوبه، وعلى هذا ترى تناقض أكثر أقيسة المتكلمين، فإنهم ألفوها من مقدمات مسلمة لأجل الشهرة أو لتواضع المتعصبين لنصرة المذاهب عليها من غير برهان، ومن غير كونها أولية واجبة التسليم . وأما الثالث : فاليقين والصحيح أنه فعل إرادي، وقول من قال : لو كان إراديا لما كان يحصل في النوم ولكنه يحصل فيه فليس بإرادي، فهو شرطي متصل استثني فيه نقيض التالي واستنتج نقيض المقدم، فصورة القياس صحيحة ولكن لزوم التالي للمقدم غير مسلم، فإن الفعل الإرادي قد يحصل في النوم فكم من نائم يمشي خطوات مرتبة ويتكلم بكلمات منظومة . وقوله : لو كان إراديا لقدر على الامتناع منه في كل وقت، فغير مسلم بل يأكل الإنسان ويبول بالإرادة ولا يقدر على الامتناع في كل وقت، فإن قيد بكل وقت كان كاذبا ولم يسلم لزوم التالي للمقدم . وأما الرابع : وهو أن كل موجود فإما متصل بالعالم أو منفصل، فهي مقدمة وهمية ذكرنا وجه الغلط فيها وميزنا الوهميات، وبينا أنها لا تصلح أن تجعل مقدمات في البراهين، وهو منشأ الضلال أيضا في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ ولكن ذكر الموضع الذي يغلط الوهم فيه طويل يستقصى في كتاب غير هذا الكتاب . وأما الخامس : وهو وقوف الأرض في الهواء فلا استحالة فيه، وقول القائل : كل ثقيل فمائل إلى أسفل، والأرض ثقيلة فينبغي أن تميل إلى أسفل، ومن ذلك يلزم أن تخرق الهواء ولا تقف غلط منشؤه إهمال لفظ الأسفل وأنه ما معناه، فإن الأسفل يقابله أعلى فلا بد من جهتين متقابلتين وتقابل الجهتين إما أن يكون بالإضافة إلى رأس الآدمي ورجله حتى لو لم يكن آدمي لم يكن أسفل ولا أعلى، ولو انتكس آدمي لصار جهة الأسفل أعلى وهو محال، وإما أن يكون الأسفل هو أبعد المواضع عن الفلك المحيط وهو المركز، والأعلى هو أقرب المواضع إلى المحيط، فإن صح هذا فالأرض إذا كانت في المركز فهي في أسفل سافلين، فلا يتصور أن تنتقل لأن أسفل سافلين غاية البعد عن المحيط وهو المركز، ومهما جاوزت المركز في أي جانب كان، فارقت الأسفل إلى جهة الأعلى، فإن كان المعنى بالأسفل هذا فما ذكروه ليس بمحال، وإن كان المعنى بالأعلى والأسفل ما يحاذي جهة رأسنا وقدمنا فما ذكروه محال، فتأمل جدا حد الأسفل حتى يتبين لك أحد الأمرين، وإنما تعرف ذلك بالنظر في حقيقة الجهة وأنها بم تتحد أطرافها المتقابلة، ولا يمكن شرحه في هذا الكتاب. فإذن هذه الأغاليط نشأت من تسليم مقدمات ليست واجبة التسليم، ومثاراتها قد جرى التنبيه عليها، فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره .

#1432,268 حرف

ر في حقيقة الجهة وأنها بم تتحد أطرافها المتقابلة، ولا يمكن شرحه في هذا الكتاب. فإذن هذه الأغاليط نشأت من تسليم مقدمات ليست واجبة التسليم، ومثاراتها قد جرى التنبيه عليها، فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره . ۱۱۵ القسم الثالث : شكوك تتعلق بالنتيجة من وجه وبالمقدمة من وجه. منها قولهم : هذه النتائج إن حصلت من المقدمات فالمقدمات بماذا تحصل، وإن حصلت من مقدمات أخرى وجب التسلسل إلى غير النهاية وهو محال، وإن كانت حصلت من المقدمات التي تفتقر إلى مقدمات فهل هي علوم حاصلة في ذهننا منذ خلقنا؟ أو حصلت بعد أن لم تكن؟ فإن كانت حاصلة منذ خلقنا فكيف كانت حاصلة ولا نشعر بها، إذ ينقضي على الإنسان أطول عمره ولا يخطر بباله أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، فكيف يكون العلم بكونها متساوية حاصلا في ذهنه، وهو غافل عنه؟ وإن لم تكن حاصلة فينا أول الأمر ثم حدثت فكيف حدث علم لم يكن بغير اكتساب، وتقدم مقدمة يحصل بها وكل علم مكتسب فلا يمكن إلا بعلم قد سبق ويؤدي إلى التسلسل ؟ قلنا : كل علم مكتسب فبعلم قد سبق اكتسب، إذ العلم إما تصور أو تصديق، والتصور بالحد وأجزاء الحد ينبغي أن تعلم قبل الحد فماذا ينفع قولنا في تحديد الخمر : أنه شراب مسكر معتصر من العنب لمن لا يعرف الشراب والمسكر والعنب والمعتصر؟ فالعلم بهذه الأجزاء سابق، ثم هي أيضا إن عرفت بالتحديد وجب أن يتقدمها علم بأجزاء الحد ويتسلسل، ولكن ينتهي إلى تصورات هي أوائل عرفت بالمشاهدة بحس باطن أو ظاهر من غير تحديد ، وعليها ينقطع . وكذلك التصديق بالنتيجة فإنه يستدعي تقدم العلم بالمقدمات لا محالة، وكذا المقدمات إلى أن يرتقي إلى أوائل حصل التصديق بها لا بالبرهان، فيبقى قولهم: إن تلك الأوائل كيف كانت موجودة فينا ولا نشعر بها أو كيف حصلت بعد أن لم تكن من غير اكتساب ومتى حصلت ؟ فنقول : تيك العلوم غير حاصلة بالفعل فينا في كل حال، ولكن إذا تمت غريزة العقل فتيك العلوم بالقوة لا بالفعل، ومعناه أن عندنا قوة تدرك الكليات المفردات بإعانة من الحس الظاهر والباطن، وقوة مفكرة حادثة للنفس شأنها التركيب والتحليل وتقدر على نسبة المفردات بعضها إلى بعض، وعندنا قوة تدرك ما أوقعت القوة المفكرة النسبة بينهما من المفردات والنسبة بينهما بالسلب والإيجاب، فتدرك القديم والحادث وتنسب أحدهما إلى الآخر، فتسبق القوة العاقلة إلى الحكم بسلب، وهو أن القديم لا يكون حادثا، وتنسب الحيوان إلى الإنسان فتقضي بأن النسبة بينهما الإيجاب، وهو أن الإنسان حيوان. وهذه القوة تدرك بعض هذه النسب من غير وسط ، ولا تدرك بعضها فتتوقف إلى الوسط، كما تدرك العالم والحادث والنسبة بينهما، فلا تقضي بالسلب كما قضت بين القديم والحادث، ولا بالإيجاب كما قضت في الحيوان والإنسان،

#1442,173 حرف

هذه القوة تدرك بعض هذه النسب من غير وسط ، ولا تدرك بعضها فتتوقف إلى الوسط، كما تدرك العالم والحادث والنسبة بينهما، فلا تقضي بالسلب كما قضت بين القديم والحادث، ولا بالإيجاب كما قضت في الحيوان والإنسان، ۱۱۶ بل تتوقف إلى طلب وسط وهو أن تعرف أنه لا يفارق الحوادث فلا يسبقها، وأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث . فإن قيل : فهذه التصديقات قسمتموها إلى ما يعرف بوسط وإلى ما يعرف معرفة أولية بغير وسط ، ولكن هذه التصديقات يسبقها التصورات لا محالة، إذ لا يعلم أن العالم حادث من لم يعلم الحادث مفردا والعالم مفردا، ولا يعلم الحادث إلا من علم وجودا مسبوقا بعدم، ولا يعلم الوجود المسبوق بعدم من لا يعلم العدم والوجود والتقدم والتأخر ، وأن التقدم هنا هو للعدم والتأخير للوجود؛ فهذه المفردات لا بد من معرفتها، وأما مدركها فإن كان هذا الحس فالحس لا يدرك إلا شخصا واحدا فينبغي أن لا يكون التصديق إلا في شخص واحد، فإذا رأى شخصا وجملته أعظم من جزئه فلم يحكم بأن كل شخص فكله أعظم من جزئه، وهو لم يشاهد بحسه إلا شخصا معينا، فليحكم على ذلك الشخص المعين وليتوقف في سائر الأشخاص إلى المشاهدة، وإن حكم على العموم بأن كل كل فهو أعظم من الجزء، فمن أين له هذا الحكم وحسه لم يدرك إلا شخصا جزئيا؟ قلنا : الكليات معقولة لا محسوسة والجزئيات محسوسة لا معقولة، والأحكام الكلية للعقل على الكليات المعقولة. وينكشف هذا بالفرق بين المعقول والمحسوس، فإن الإنسان معقول وهو محسوس يشاهد في شخص زيد مثلا، ونعني بكونه مدركا من وجهين، أن الإنسان المحسوس قط لا يتصور أن يحس إلا مقرونا بلون مخصوص وقدر مخصوص ووضع مخصوص وقرب أو بعد مخصوص، وهذه الأمور عرضية مقارنة للإنسانية ليست ذاتية فيها، فإنها لو تبدلت لكان الإنسان هو ذلك الإنسان . فأما الإنسان المعقول فهو إنسان فقط، يشترك فيه الطويل والقصير والقريب والبعيد والأسود والأبيض والأصغر والأكبر اشتراكا واحدا، فإذن عندك قوة يحضرها الإنسان مقترنا بأمور غريبة عن الإنسانية، ولا يتصور أن تحضرها إلا مقرونة بهذه الأمور الغريبة فتسمى تلك القوة حسا وخيالا، وعندك قوة أخرى يحضرها الإنسان مجردا عن الأمور الغريبة، وإن فرضت أضدادها لم تؤثر فيه وتسمى تلك قوة عاقلة، فقد ظهر لك أن بين إدراك الحس للشخص المعين الذي تكتنفه أعراض غريبة لا تدخل في ماهيته، وبين إدراك العقل بمجرد ماهية الشيء غير مقرون بما هو غريب عنه، غاية التباعد والأحكام الكلية على الماهية الكلية المجردة عن المواد والأعراض الغريبة . فإن قيل : وكيف حصل بمشاهدة شخص جزئي علم كلي؟ وكيف أعان الحس على تحصيل ما ليس بمحسوس؟

#1452,277 حرف

شيء غير مقرون بما هو غريب عنه، غاية التباعد والأحكام الكلية على الماهية الكلية المجردة عن المواد والأعراض الغريبة . فإن قيل : وكيف حصل بمشاهدة شخص جزئي علم كلي؟ وكيف أعان الحس على تحصيل ما ليس بمحسوس؟ ۱۱۷ قلنا : الحس يؤدي إلى القوة الخيالية مثل المحسوسات وصورها حتى يرى الإنسان شيئا، ويغمض عينيه فيصادف صورة الشيء حاضرة عنده على طبق المشاهد، حتى كأنه ينظر إليه بالقوة الخيالية غير قوة الحس، وليست هذه القوة لكل الحيوانات بل من الحيوانات ما تغيب صورة المحسوس عنه بغيبة المحسوس، وإنما بقاء هذه الصور بالقوة الحافظة لما انطبع في الخيال، إذ ليس يحفظ الشيء ما يقبله بالقوة التي تقبله إذ الماء يقبل النقش ولا يحفظه، والشمع يقبل ويحفظ، فالقبول بالرطوبة والحفظ باليبوسة. ثم هذه المثالات والصور إذا حصلت في القوة الخيالية، فالقوة الخيالية تطالعها ولا تطالع المحسوسات الخارجة، فإذا طالعتها وجدت عندها مثلا صورة شجرة وحيوان وحجر، فتجدها متفقة في الجسمية ومختلفة في الحيوانية، فتميز ما فيه الاتفاق وهو الجسمية وتجعله كليا واحدا، فتعقل الجسم المطلق وتأخذ ما فيه الاختلاف وهو الحيوانية وتجعله كليات أخرى مجردة عن غيرها من القرائن، ثم تعرف ما هو ذاتي وما هو غريب فتعلم أن الجسمية للحيوان ذاتي، إذ لو انعدم لانعدم ذاته ؛ وأن البياض للحيوان ليس كذلك فيتميز عندها الذاتي من غير الذاتي والأعم عن الأخص، وتكون تلك مبادي التصورات النوعية ؛ فهذه المفردات الكلية حاصلة بسبب الإحساس وليست محسوسة، ولا يتعجب من أن يحصل مع الإحساس ما ليس بمحسوس، فإن هذا موجود للبهائم إذ الفأرة تميز السنور وتدركه بالحس وتعرف عداوته لها، والسخلة (۱) تدرك موافقة أمها لها فتتبعها. والعداوة أو الموافقة ليست بمحسوس بل هي مدرك قوة عند الحيوان تسمى الوهم أو المميز، وهي للحيوان كالعقل للإنسان، وللإنسان أيضا ذلك المميز مع العقل، فإذن يحصل للعقل من الجزئيات الخيالية مفردات كلية تناسب الخيال من وجه وتفارق من وجه، وسنبين وجه مناسبته له ومفارقته في كتاب أحكام الوجود وأقسامه . وحاصل الكلام أن العلوم الأول بالمفردات تصورا وبما لها من النسب تصديقا، تحدث في النفس من الله تعالى أو من ملك من ملائكته عند حصول قوة العقل للنفس، وعند حصول مثل المحسوسات في الخيال ومطالعته لها، والقوة العقلية كأنها القوة الباصرة في العين ورؤبة الجزئيات الخيالية كتحديق البصر إلى الأجسام المتلونة وإشراق نور الملك على النفوس البشرية يضاهي إشراق نور السراج على الأجسام المتلونة أو إشراق نور الشمس عليها، وحصول العلم بنسبة تلك المفردات يضاهي حصول الإبصار بائتلاف ألوان الأجسام، ولذلك شبه الله (۱) السخلة : الذكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ساعة يولد .

#1462,182 حرف

السراج على الأجسام المتلونة أو إشراق نور الشمس عليها، وحصول العلم بنسبة تلك المفردات يضاهي حصول الإبصار بائتلاف ألوان الأجسام، ولذلك شبه الله (۱) السخلة : الذكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ساعة يولد . ۱۱۸ تعالى هذا النور على طريق ضرب مثال محسوس بمشكاة(١) فيها مصباح، وإن بان لك أن النفس جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا هو منطبع في جسم كان قوله تعالى : زيتونة لا شرقية ولا غربية (۲) موافقة لحقيقته في براءته عن الجهات كلها، وإن لم يبين لك ذلك بطريق النظر فيكون تأويل هذا التمثيل على وجه آخر . والمقصود من هذا كله أن يتضح لك وجه حصول العلوم الأولية تصورا وتصديقا، فإن معرفة ذلك من أهم الأمور وإياه قصدنا ، وإن أوردناه في معرض إبطال السفسطة فهذا مدخل واحد من مداخل المتشككين وأهل الحيرة وقد كشفناه . ومنها قولهم : إن الطريق الذي ذكرتموه في الإنتاج لا ينتفع به، لأن من علم المقدمات على شرطكم فقد عرف النتيجة مع تلك المقدمات، بل في المقدمات عين النتيجة، فإن من عرف أن الإنسان حيوان وأن الحيوان جسم، فيكون قد عرف في جملة ذلك أن الإنسان جسم، فلا يكون العلم بكونه جسما علما زائدا مستفادا من هذه المقدمات . قلنا : العلم بالنتيجة علم ثالث زائد على العلم بالمقدمتين . وأما مثال الإنسان والحيوان فلا نورده إلا للمثال المحض، وإنما ينتفع به فيما يمكن أن يكون مطلوبا مشكلا ، وليس هذا من هذا الجنس بل يمكن أن لا يتبين للإنسان النتيجة، وإن كان كل واحدة من المقدمتين بينة عنده فقد يعلم الإنسان أن كل مؤلف حادث، وهو مع ذلك غافل عن نسبة الحدوث إلى الجسم، وأن الجسم حادث فنسبة الحدوث إلى الجسم غير نسبة الحدوث إلى المؤلف، وغير نسبة المؤلف إلى الجسم بل هو علم حادث يحصل عند حصول المقدمتين وإحضارهما معا في الذهن، مع توجه النفس نحو طلب النتيجة فإن قال قائل : إذا عرفت أن كل اثنين زوج فهذا الذي في يدي زوج أم لا؟ فإن قلت : لا أدري فقد بطلت دعواك بأن كل اثنين زوج، فإنه اثنان ولم تعرف أنه زوج، وإن قلت : أعرفه، فما هو؟ قلنا : قد يجاب عن هذا بأن من قال : إن كل اثنين زوج فيعني به أن كل اثنين (۱) المشكاة : كوة في الحائط غير نافذة يوضع فيها المصباح أو ما يحمل عليه أو يوضع فيه القنديل أو المصباح . (۲) سورة النور، الآية : ٣٥. والآية بتمامها، قال الله سبحانه : الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم .

#1472,371 حرف

المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم . ۱۱۹ نعرفه اثنين فهو زوج، وما في يدك لم نعرف أنه اثنان. وهذا الجواب فاسد بل كل اثنين فهو في نفسه زوج، سواء عرفناه أو لم نعرفه، لكن الجواب أن نقول : إن كان ما في يدك اثنين فهو زوج . فإن قلت : فهل هو اثنان فأقول : لا أدري . وهذا الجهل لا يضاد قولي إن كل اثنين زوج، بل ضده أن أقول: كل اثنين ليس بزوج أو بعض الاثنين ليس بزوج . فإذن ينبغي أن نتعرف أنه هل هو اثنان، فإن عرفنا أنه اثنان علمنا أنه زوج، وأخطرنا ذلك بالبال ويتصور أن تغفل عن النتيجة مع حضور المقدمتين، فكم من شخص ينظر إلى بغلة منتفخة البطن فيظن أنها حامل. ولو قيل له : أما تعلم أن هذه بغلة؟ فيقول : نعم . ولو قيل له : أما تعلم أن البغل لا يحمل؟ لقال : نعم. فلو قيل : فلم غفلت عن النتيجة وظننت ضدها؟ فيقول : لأني كنت غافلا عن تأليف المقدمتين وإحضارهما جميعا في الذهن متوجها إلى طلب النتيجة ؛ فقد انكشف بهذا أن النتيجة وإن كانت داخلة تحت المقدمات بالقوة دخول الجزئيات تحت الكليات، فهي علم زائد عليها بالفعل . ومنها قول بعض المتشككين : إنك لو طلبت بالتأمل علما فذلك العلم تعرفه أم لا، فإن عرفته فلم تطلبه وإن لم تعرفه فإن حصلته فمن أين تعلم أنه مطلوبك؟ وهل أنت إلا كمن يطلب عبدا أبقا لا يعرفه فإن وجده لم يعرف أنه هو أم لا؟ فنقول : العلم الذي نطلبه نعرفه من وجه ونجهله من وجه إذ نعرفه بالتصور بالفعل ونعرفه بالتصديق بالقوة، ونريد أن نعرفه بالتصديق بالفعل، فإنا إذا طلبنا العلم بأن العالم حادث فنعلم الحدوث والعالم بالتصور، وإنا قادرون على التصديق به إن ظهر حد أوسط بين العالم والحدوث، كمقارنة الحوادث أو غيرها؛ فإنا نعلم أن المقارن للحوادث حادث، فإن علمنا أن العالم مقارن للحوادث علمنا بالفعل أنه حادث، وإذا علمناه عرفنا أنه مطلوبنا إذ لو لم نعرفه بالتصور من قبل لما عرفنا أنه المطلوب، ولو كنا نصدق به بالفعل لما كنا نطلبه كالعبد الآبق نعرفه بالتصور والتخيل من وجه ونجهل مكانه، فإذا أدركه الحس في مكانه دفعة علمنا أنه المطلوب، ولو لم نكن نعرفه لما عرفناه عند الظفر به، فلو عرفناه من كل وجه أي عرفنا مكانه، لما طلبناه ؛ فهذا ما أردنا أن نورده من الشبه المشككة المحيرة للسوفسطائية، ولم يكن الغرض في إيراده مناظرتهم بل الكشف عن هذه الدقائق . فإن طالب اليقين بمسالك البراهين ينتفع بمعرفتها غاية الانتفاع، وإلا فالسوفسطائي كيف يناظر ومناظرته في نفسه اعتراف بطريق النظر، ولا ينبغي أن يتعجب من اعتقاد السفسطة والحيرة مع وضوح المعقولات، فإن ذلك لا يتفق إلا على الندور لمصاب في عقله بآفة؛ فإنا نشاهد جماعة من أرباب المذاهب هم

#1482,145 حرف

ي كيف يناظر ومناظرته في نفسه اعتراف بطريق النظر، ولا ينبغي أن يتعجب من اعتقاد السفسطة والحيرة مع وضوح المعقولات، فإن ذلك لا يتفق إلا على الندور لمصاب في عقله بآفة؛ فإنا نشاهد جماعة من أرباب المذاهب هم ۱۲۰ السوفسطائية والناس غافلون عنهم، فكل من يناظر في إيجاب التقليد أو إبطال النظر سوفسطائي في الزجر عن النظر لا مستند لهم، إلا أن العقول لا ثقة بها والاختلاف فيها كثير، فسلوك طريق الأمن وهو التقليد أولى. فإذا قيل لهم : فهل قلدتم صدق نبيكم وتميزون بينه وبين الكاذب أم تقليدكم كتقليد اليهود والنصارى، فإن كان كتقليدهم فقد جوزتم كونكم مبطلين وهذا كفر عندكم، وإن لم تجوزوه فتعرفونه بالضرورة أو بنظر العقل، فإن عرفتموه بالنظر فقد أثبتم النظر. وقد اختلف الناس في هذا النظر وهو تصديق الأنبياء كما اختلفوا في سائر النظريات . وفي إثبات صدق الأنبياء بالمعجزات من الأغوار (۱) والأغماض (۲) ما لا يكاد يخفى على النظار، وبهذا الاعتقاد صاروا أخس رتبة من السوفسطائي فإنهم مثبتون بإنكار النظر ونافون إذا أثبتوا النظر في معرفة صدق النبي . وأما السوفسطائي فقد طرد قياسه في إنكار المعرفة الكلية، ومن هذا الجنس باطنية (۳) الزمان فإنهم خدعوا بكثرة الاختلافات بين النظار، ودعوا إلى اعتقاد بطلان نظر العقل ثم دعوا إلى تقليد إمامهم المعصوم (٤) . وإذا قيل لهم : بماذا عرفتم عصمة إمامكم وليس يمكن دعوى الضرورة فيه؟ دعوا فيه إلى أنواع من النظر يشترك استعمالها في الظنيات، ولا تعرض على الاثنين إلا ويختلفان فيها، ولا يستدلون بكونه نظريا واقعا في محل الاختلاف على بطلانه، ويحكمون على سائر النظريات بالبطلان لتطرق الخلاف فيها، وهذا وأمثاله سبب آفات تصيب العقل فيجري مجرى الجنون، ولكن لا يسمى جنونا والجنون فنون، والذين ينخدعون بأمثال هذه الخيالات هم أخس من أن نشتغل بمناظرتهم؛ فلنقتصر على ما ذكرناه في بيان أسباب الحيرة، والله أعلم . (1) الأغوار : جمع الغور : كل منخفض من الأرض ، وقيل : هو من كل شيء : قعره وعمقه . (2) الأغماض : جمع الغمض : المنخفض من الأرض انخفاضا شديدا، حتى لا يرى ما فيه . (3) الباطنية : فرقة ظهرت في زمان المأمون، وانتشرت في زمان المعتصم. وكان من أغراض الباطنية الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون عليها القرآن والسنة . وقيل : كانوا دهرية زنادقة، يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها. (الفرق بين الفرق: ٢٩٣ - .(٢٩٤ (4) المعصوم: الذي رزقه الله سبحانه وتعالى العصمة، وهي تمكين المرء من الامتناع عن المعصية والميل إليها مع القدرة عليها.

#1491,699 حرف

ة، يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها. (الفرق بين الفرق: ٢٩٣ - .(٢٩٤ (4) المعصوم: الذي رزقه الله سبحانه وتعالى العصمة، وهي تمكين المرء من الامتناع عن المعصية والميل إليها مع القدرة عليها. ۱۲ النظر الرابع : في لواحق القياس النظر الرابع في لواحق القياس وهي فصول متفرقة بمعرفتها تتم معرفة البراهين فصل في الفرق بين قياس العلة وقياس الدلالة اعلم أن الحد الأوسط إن كان علة للحد الأكبر سماه الفقهاء قياس العلة، وسماه المنطقيون برهان اللم» أي : ذكر ما يجاب به عن «لم». وإن لم يكن علة سماه الفقهاء قياس الدلالة والمنطقيون سموه برهان (الآن) أي : هو دليل على أن الحد الأكبر موجود للأصغر من غير بيان علته . ومثال قياس العلة من المحسوسات قولك : هذه الخشبة محترقة لأنها أصابتها النار، وهذا الإنسان شبعان لأنه أكل الآن. وقياس الدلالة عكسه وهو أن يستدل بالنتيجة على المنتج فنقول : هذا شبعان فإذا هو قريب العهد بالأكل، وهذه المرأة ذات لبن فهي قريبة العهد بالولادة . ومثاله من الفقه قولك : هذه عين نجسة فإذن لا تصح الصلاة معها، وقياس الدلالة عكسه وهو أن نقول هذه عين لا تصح الصلاة معها فإذن هي نجسة . وبالجملة الاستدلال بالنتيجة على المنتج يدل على وجوده فقط لا على علته، فإنا نستدل بحدوث العالم على وجود المحدث، وبوجود الكتابة المنظومة على علم الكاتب، ونجعل الكتابة حدا أوسط والعلم حدا أكبر، ونقول : كل من كتب منظوما فهو عالم بالكتابة، وهذا قد كتب منظوما فهو عالم بالكتابة، والكتابة ليست علة للعلم بل العلم أولى بأن نقدر عليته . وكذلك إذا تلازمت نتيجتان بعلة واحدة جاز أن يستدل بإحدى النتيجتين على الأخرى فيكون قياس دلالة. ومثاله من الفقه قولنا : إن الزنا لا يوجب المحرمية فلا يوجب حرمة النكاح، فإن تحريم النكاح وحل النظر متلازمان وهما نتيجتان للوطء المقتضى لحرمة المصاهرة، فإذا ثبت تلازمهما لعلة واحدة دل وجود إحداهما على وجود الأخرى، فإن اختلف شرطهما (۱) العين: الحاضر من كل شيء، أو ذات الشيء ونفسه .